هاروكي موراكامي الترجمة من الإنجليزية: بيان أسعد مصطفى

(بقية الفصل الأول)

تسوكورو تازكي هو الوحيد في المجموعة الذي ليس لديه شيء مميز، درجاته أعلى بقليل من المتوسط، لم يكن مهتماً بالمدرسين بشكل خاص، لذلك كان يركز انتباهه كثيراً أثناء الدرس، ويتأكد دائماً أن يقوم بالحد الأدنى من المشاركة وبالمراجعة المطلوبة ليحصل على الدرجات. منذ كان صغيراً كانت هذه هوايته، لا تختلف عن غسل يديك قبل الأكل وتنظيف أسنانك بعد الطعام، ومع أن علامته ليست ممتازة لكنه دائماً ينجح بسهولة، وحتى لو بقيت علاماته مرتفعة لا يميل والداه إلى مضايقتك ليلتحق بمدارس الجوكو، أو ليتابع دروسه مع مدرس خصوصيّ.

لا يمانع أن يمارس الرياضات، لكنه ليس مهتماً بما فيه الكفاية لينضم إلى فريق، يلعب التنس مرات متقطعة مع عائلته أو أصدقائه، أو يتزلج أو يسبح من وقت لآخر. هذا كل شيء. كان شكله جميلاً جداً، حتى إن الناس يقولون له ذلك، لكنهم في الحقيقة كانوا يعنون أنه ليس لديه أيّ عيوب يمكن الحديث عنها. أحياناً عندما ينظر إلى وجهه في المرآة يكتشف فيه مللاً لا يطاق. ليس لديه اهتمام عميق بالفن، ليست لديه هواية أو مهارة مميزة. وكان مع ذلك قليل الكلام، يحمرّ وجهه بسرعة، ليس اجتماعياً، ولا يشعر بالراحة إذا أحاط به أشخاص يقابلهم للمرة الأولى.

إذا اضطر أن يخبر عن الأشياء المميزة لديه سيلاحظون أن عائلته هي الأكثر ثراء بين العائلات الخمس، وسيلاحظون أن خالته ممثلة، ليست نجمة ولكنها تُعتبر معروفة، لكن عندما يتعلق الأمر بتسوكورو شخصياً فسيتبين أنه لا يملك ميزة واحدة ليتفاخر ويتباهى بها أمام الآخرين، على الأقل هكذا يظهر. كل شيء يتعلق به متوسط، شاحب، يفتقر إلى اللون.

كان الاهتمام الحقيقي الوحيد لديه هو محطات القطار، لم يكن واثقاً من السبب، لكن بحسب ما يذكر كان يحب مراقبتها، إنها تناديه دائماً. محطات ضخمة للقطار السريع: محطات باتجاه واحد خارج الريف، محطات الشحن الأولية، ولم يكن مهماً ما هو نوعها ما دامت محطات سكك حديد. كل ما يتعلق بالمحطات يثير اهتمامه بشكل عميق.

وكمعظم الأطفال يستمتع بتجميع قطع القطارات، ولكن لم تكن القاطرات الدقيقة، أو السيارات، أو السكك المتقاطعة بطريقة معقدة، أو الديوراما المصممة بطريقة ذكية ما يغريه. ما كان يغريه هو تصاميم المحطات العادية التي توضع تحت الأجزاء الأخرى، كالكلمات المتقاطعة. كان يحب مراقبة القطارات وهي تمر بالمحطة، أو عندما تخفف من سرعتها عندما تصل إلى رصيف المحطة، يستطيع أن يتخيل المسافرين قادمين ومغادرين، التنويهات من نظام مكبر الصوت أيضاً، رنين الإشارة عندما يستعد القطار للمغادرة، وعندما يذهب موظفو المحطة بخفة لأعمالهم. ما هو حقيقي وما هو خيالي يختلط في عقله، ويرتعش أحياناً... يستمتع بكل هذا. لم يكن يفسر للناس بشكل كافٍ سببَ انجذابه إلى المحطات، وإن استطاع فإنه كان يدري أنهم سيظنون أنه طفل غريب. وأحياناً كان تسوكورو نفسه يشك أن هناك شيئاً ليس صحيحاً تماماً يحصل معه.

لذلك فقد كان يفتقد الشخصية اللافتة، أو المميزات التي تجعله بارزاً، وعلى الرغم من ذلك فقد كان يتطلع دائماً إلى ما هو معتدل، منتصف الطريق، هناك شيء أو (ربما) هناك شيء فيه ليس طبيعياً تماماً، شيء يفصله عنه. بقي هذا التناقض يربكه ويشوشه طوال مرحلة الشباب حتى الآن. أحياناً يكون الارتباك قصيراً ولا قيمة له، وأحياناً عميقاً وثقيلاً.

يفكر تسوكورو أحياناً في سبب انضمامه لمجموعتهم. هل يحتاجه الآخرون حقاً؟ ألم يكونوا سيشعرون بالراحة وسيقضون وقتاً أفضل دونه؟ ربما لم يدركوا ذلك إلى الآن وهي مسألة وقت فحسب قبل أن يتركوه! كلما تأمل تلك المشكلة قل استيعابه لها. المحاولة في إبراز قيمته أمام أصدقائه كمحاولة وزن شيء ليس لديه قيمةَ وحدة. الإبرة في الميزان لا تستقر على رقم.

ولكن لم يبدُ أن أحد هذه المخاوف قد أزعج الأربعة البقية، كان تسوكورو يرى أنهم يرغبون في ذلك بصدق..عندما يجتمعون معاً كالبنتاغون متساوي الأضلاع حيث جميع الأطراف لها الامتداد نفسه. تكوين المجموعة كان مصمماً على أن يتألف من خمسة أشخاص بالضبط لا أكثر ولا أقل، وكانوا يعتقدون أن ذلك صحيح.

وبطبيعة الحال كان تسوكورو فرحاً وفخوراً بأنه قد انضم إليه، كطرف لا غنى عنه من أطراف البنتاغون، أحب أصدقاءه الأربعة وأحب شعور الانتماء عندما يكون معهم، وكشجرة صغيرة تمتص غذاءها من التربة كان تسوكورو يأخذ قُوْته الذي يحتاجه (كالمراهق) من هذه المجموعة، يستخدمها كغذاء ضروري للنمو، ويخزّن الباقي في داخله كمصدر طاقة في الحالات الطارئة. ومع ذلك فقد كان لديه خوف مزعج ومستمر من أنه في يوم ما سيسقط بعيداً عن هذا المجتمع، القريب إلى قلبه، أو سيجبَر على الخروج منه ويُترَك بمفرده. رفع القلق يده كصخرة ذات أطراف حادة منذرة بالشؤم تتكشف عند انحسار المد...عند الخوف من فصله عن المجموعة، وأن ينتهي به الأمر إلى أن يصبح وحيداً تماماً.

***

«إذاً أنت تحب محطات سكك الحديد منذ كنت صغيراً». سألته سارة كيموتو، ويبدو أنها متأثرة.

أومأ تسوكورو بحذر. آخر شيء لا يريدها أن تفكر فيه هو أن يكون من أولئك المهووسين بالأوتاكو الذين عرفهم في قسم الهندسة في العمل، ذلك النوع الذي يستغرق في العمل حتى يصبح كل حياته. كانت الطريقة التي يتم فيها الحوار تجعلها تنتهي إلى التفكير فحسب. «هذا صحيح». اعترف. «أحب المحطات منذ طفولتي».

«قادك ذلك إلى حياة متناغمة». قالت ويبدو عليها أنها مستمتعة بالحديث، ولم يكتشف تسوكورو أيّ سلبية في صوتها.

«لماذا المحطات لا أعرف».

ابتسمت سارة. «لا بد أن تكون مهنتك».

«ربما». قال تسوكورو.

كيف انتهينا إلى الحديث عن هذا الأمر؟ تساءل تسوكورو. لقد حصل هذا منذ زمن بعيد وكان من الأفضل أن يمسحه من الذاكرة. لكن سارة لسبب ما أرادت أن تعرف عن أيامه في المدرسة الثانوية، من أي نوع من الطلبة كان؟ ماذا كان يفعل في ذلك الحين؟ ولكن قبل أن يعرف ذلك توجه إلى الحديث بلا انقطاع عن مجموعة الأصدقاء الخمسة المقربين؛ الأشخاص الأربعة الذين لهم لون، وتسوكورو تازاكي عديم اللون.

كانت سارة وتسوكورو في بار في إحدى ضواحي إبيسو. ذهبا إلى مطعم صغيرعلى الطراز الياباني كانت سارة تعرفه، ولأنها تناولت الغداء في وقت متأخر ولم تكن تشعر بالجوع بعد ألغيا الطلب وخرجا ليشربا الكوكتيل. لم يكن تسوكورو يشعر بالجوع أيضاً ولم يمانع أن يتجاوز العشاء، لم يكن يأكل كثيراً في الأصل، كان يستطيع أن يطلب جبنة ومكسرات من البار.

كانت سارة أكبر من تسوكورو بسنتين وتعمل في شركة سياحية كبيرة، مختصة بالرحلات الخارجية وتسافر في رحلات عمل كثيرة في الخارج. يعمل تسوكورو (في مهنته) في شركة محطات سكك الحديد، في القسم الذي يشرف على تصميم محطات القطار، في الجزء الغربي من منطقة كانتو التي تحيط بطوكيو. وعلى الرغم من عدم وجود اتصال مباشر بين عمليهما، كانت هناك نقطة مشتركة بينهما؛ حيث إنهما يعملان في مجال يتعلق بوسائل النقل. لقد تقابلا في حفلة لرئيسه، بمناسبة الانتهاء من بناء بيته الجديد، حيث تبادلا عناوين البريد الالكتروني، وكان ذلك موعدهما الرابع. فبعد العشاء في الموعد الثالث -كتقدم طبيعيّ في الأحداث- عادا إلى شقته ومارسا الحب. أما اليوم فيقع في الأسبوع الذي تلا ذلك؛ مرحلة حساسة في علاقتهما المتطورة، وإذا استمرا في رؤية بعضهما بعضاً بعد ذلك، ستصبح الأمور أكثر جديةبالتأكيد. عمرُ تسوكورو ستّ وثلاثون، وعمر سارة ثمانٍ وثلاثون، لم يكن حباً طائشاً بين طالبة وطالب في المرحلة الثانوية.

أحب تسوكورو شكلها منذ المرة الأولى التي تقابلا فيها. لم يكن جمالها مثاليّاً، لكن العظام البارزة في وجنتيها أضفت على شكلها تماسكاً، أنفها صغير ودقيق، لكن هناك شيء قاتل وحيّ من الصعب تحديده في وجهها قد خطف أنظاره. عيناها ضيقتان، ولكن عندما تنظر إلى شيء فإنهما تتسعان فجأة، غامقتان، جريئتان، ومليئتان بالفضول.

لم يكن على وعي بهما، لكن كان في جسده جزء حساس جداً، يمتد على طول ظهره. كانت هذه المنطقة الناعمة الرقيقة التي لم يستطع الوصول إليها قد غُلّفت بشيء لا يُرى بالعين المجردة، ولكن عندما تصبح هذه البقعة مكشوفة -لسبب ما- أو عندما يضغط أحدهم بإصبعه عليها فإن شيئاً ما داخله يُثار. مادة مميزة تُفرز، وبسرعة تنقل في مجرى دمه إلى كل زاوية في جسمه، هذا المنبّه المميز عبارةٌ عن إحساس جسدي وعقلي يصنعان صوراً حية في عقله.

في المرة الأولى التي التقيا فيها أحسَّ أنّ إصبعاً غامضة قد ضغطت بقوة على المنطقة المثارة في ظهره، في ذلك اليوم أخذهما الحديث لوقت طويل ولذلك لم يتذكر الكثير مما دار بينهما، ما تذكره هو ذلك الإحساس الذي في ظهره، والشعور المثير الذي يجهل تحديد الطريقة التي وصل بها إلى عقله وجسده، جزء منه مسترخٍ والجزء الآخر مشدود. هكذا كان يشعر. لكن ماذا يعني؟ فكر تسوكورو في ذلك لأيام عدة لكنه لم يكن بطبيعة الحال ماهراً في التفكير المجرد، فلم يكن منه إلا أن أرسل لسارة رسالة إلكترونية ودعاها إلى العشاء، كان مصمماً أن يستوضح معنى ذلك الشعور، تلك الاستثارة.

مثلما كان يعجبه مظهر سارة كانت تعجبه أيضاً طريقتها في اختيار الملابس. ملابسها بسيطة دائماً ومغرية لكنها جميلة وتناسبها تماماً، يتصور تسوكورو أن الملابس التي تبدو بسيطة تتطلب وقتاً طويلاً دون شك في اختيارها ولا يكون سعرها منخفضاً بالمقابل.مكياجها متوسط، وإكسسواراتها متوسطة القيمة وكأنها قد تم صقلها للتو.لم يكن لتسوكورو ذوق معين في الملابس لكنه يحب أن يرى المرأة أنيقة دائماً، كاستمتاعه بسماع الموسيقى الجميلة.

تحب أختاه الكبيرتان الملابس، وعندما كانتا تريدان أن تخرجا في موعدوهما في مقتبل العمر تمسكان بتسكورو أولاً وتأخذان رأيه في الثياب، لم يكن واثقاً من السبب ولكنهما كانتا جادتين في ذلك. ما رأيك؟ تسألانه. هل تتناسب مع بعضها بعضاً؟ ثم يعطي رأيه بصراحة من وجهة نظر ذكورية، وتحترمان رأيه، وكان يجعله ذلك سعيداً، حتى أصبحت عادةً.

عندما أخذ تسوكورو رشفة من الخمر ضعيف التأثير عرّى سارة ذهنياً، حلّ ظهرَ فستانها، وبهدوء أزال الثياب عنها. كان قد نام معها مرة واحدة، ولكن كان ذلك رائعاً وقد حقق النتيجة المرغوبة، فسواء كانت ترتدي ثيابها أو كانت عارية في الحالتين كانت تبدو أصغر بخمس سنوات، ببشرة بيضاء صافية وخصر جميل، وصدر ذي حجم معتدل... لاطفها ببطء، وعانقها. كان ذلك هائلاً. وعندما جاء أحسّ بسلام وهي بين أحضانه. ولكن لم يكن ذلك كل شيء، كان على يقين تام أن هناك شيئاً آخر، ممارسة الحب هي رابط... اتصال... بين شخصين. تأخذ شيئاً، وعليك أن تعطي شيئاً بالمقابل.

«كيف كانت أيامكِ في مدرستك الثانوية؟». سأل تسوكورو.

هزت سارة رأسها. «لا أريد الحديث عنها. لقد كانت مملة للغاية، سأخبرك عنها في وقت لاحق، ولكني الآن أريد الاستماع إليك. ماذا حصل لمجموعتك من الأصدقاء الخمسة؟».

أخذ تسوكورو حفنة من المكسرات ورماها في فمه.

«كانت لدينا قوانين غير معلنة بيننا، وبقدر ما نستطيع كنا نفعل أشياء مشتركة.كنا نحاول ألّا يخرج اثنان من المجموعة إلى مكان ما دون البقية، كنا نخاف أن تنقسم المجموعة، كنا نحاول أن نبقى وحدة متكاملة، لا أعرف كيف أعبّر عن ذلك، أن نبقيها مجموعة منظمة ومنسجمة».

«مجموعة متكاملة ومنسجمة؟». ظهرت مفاجأة حقيقية على وجهها.

احمرّ وجه تسوكورو قليلاً. «كنا في المرحلة الثانوية ولدينا جميع الأنواع الغريبة من الأفكار».

نظرت سارة إلى تسوكورو باهتمام، وأمالت رأسها درجة أو درجتين. «لا أجد ذلك غريباً، لكن ما الهدف من المجموعة تلك؟».

«الهدف الأصلي كما قلت، للمساعَدة في برنامج ما بعد المدرسة، حيث نتقابل ونشعر بدافع تجاه ذلك، إذ يبقى هدفاً مشتركاً مهماً، ومع مرور الوقت أصبح وجود مجموعتنا ببساطة من أهدافنا أيضاً».

«تعني أن الحفاظ على المجموعة واستمراريتها أصبحا من أهدافكم؟».

«أعتقد ذلك».

ضيقت سارة عينيها حتى أصبحتا خطاً مشدوداً. «كالعالَم تماماً».

«لا أعرف كثيراً عن العالم». قال تسوكورو. «ولكن بالنسبة إلينا كان ذلك مهماً للغاية. كان يجب أن نحافظ على الكيمياء الخاصة التي تتطور بيننا. كإبقاء عود الثقاب مشتعلاً، ومنعه من الانطفاء عند هبوب الرياح».

«كيمياء؟».

«الطاقة التي وُجدت لتنمو في ذلك الزمن، شيءٌ لا يمكن أن يُستنسخ».

«كالانفجار العظيم؟».

«لست متأكداً من هذا». قال تسكورو.

أخذت سارة رشفة من الموخيتو، ثم تفحصت ورقة النعنع من زوايا متعددة.

«ذهبتُ إلى مدارس خاصة للإناث». قالت. «لذلك لم أفهم جيداً تلك الأنواع من المجموعات المختلطة في المدارس الحكومية، لا أستطيع تصور شكلها... بدل أن تحافظوا أنتم الخمسة على المجموعة من الانقسام، حاولتَ أنت بقدر ما تستطيع أن تكون متقشفاً. هل هكذا كان الأمر؟».

«متقشف؟ لست متأكداً أنها الكلمة الصحيحة، لم يكن شيئاً دراميتيكياً. ولكنه صحيح فيما يتعلق بأننا كنا حريصين في مجموعتنا على ألّا ندخل فيعلاقات مع الجنس الآخر».

«لكنك لم تضع ذلك في كلمات». قالت سارة.

أومأ تسوكورو. «لم نصرّح بذلك. كأن نكون قد وضعنا قوانين أو شيء».

«ماذا عنك؟ كنت تبقى معهم طوال الوقت ألم تنجذب إلى شيرو أو كورو؟ فحسب ما قلت تبدوانجذابتين جداً».

«كانت لكلا الفتاتين جاذبية خاصة. أكذب إن قلت إنني لم أنجذب إليهما، ولكني حاولت قدر المستطاع ألّا أفكر بهما بتلك الطريقة».

«قدر المستطاع؟».

«قدر المستطاع». قال تسوكورو. شعر أن وجنتيه صبغتا بالأحمر من جديد. «عندما لا أكف عن التفكير بهما أحاول دائماً أن أفكر بهما كزوج».

«الاثنتان كزوج؟».

توقف تسوكورو عن الكلام محاولاً أن يجد الكلمات الصحيحة. «لا أستطيع شرح ذلك حقاً، كنت أنظر إليهما على أنهما كائنات خيالية، كائنات مجردة ليس لها شكل».

«مممم». بدت سارة متأثرة، فكرت في ذلك، بدا أنها تريد أن تقول شيئاً، ولكنها أخذت تفكر جيداً بما ستقوله، وبعد قليل تكلمت.

«إذاً بعد أن تخرجتَفي المدرسة التحقت بجامعة في طوكيو وتركت ناغويا. أليس كذلك؟».

«هذا صحيح». قال تسوكورو. «أعيش في طوكيو منذ ذلك الحين».

«ماذا عن الأربعة الآخرين؟».

«التحقوا بكليات في منطقة ناغويا. درس أكا في قسم الاقتصاد في جامعة ناغويا، في القسم الذي كان يدرّس فيه والده. التحقت كورو بكلية خاصة للإناث اشتهرت بقسم اللغة الإنجليزية، بينما التحق (أو) بمدرسة متخصصة بإدارة الأعمال بكلية خاصة، ينتمي إليها فريق ركبي معروفٌ بما يمتلكه من قدرات رياضية هائلة. وأما شيرو فاقنعت أخيراً بإلغاء فكرة أن تصبح طبيبة بيطرية، وبدلاً من ذلك درست البيانو في مدرسة للموسيقى، كانت المدارس الأربع قريبة من مكان سكنهم، وأنا الوحيد الذي ذهبتُ إلى طوكيو بحالتي تلك وسجلتُ في كلية الهندسة».

«لماذا قررتَ أن تذهب إلى طوكيو؟».

«لسبب بسيط جداً، كان أستاذ في جامعتي خبير ببناء محطات سكك الحديد. بناء سكك الحديد هو تخصص، لديهم مبنى مختلف عن بقية الكليات، فإذا التحقت بكلية الهندسة الأساسية ودرست البناء والهندسة لن يكون هناك فائدة عمليّة، أنا بحاجة إلى أن أدرس مجالاً متخصصاً».

«أن تكون لديك أهداف محددة وواضحة، ذلك يجعل الحياة أكثر سهولة». قالت سارة.

وافق تسوكورو.

«فإذاً بقي الأربعة الآخرون في ناغويا لأنهم لم يريدوا لهذه المجموعة أن تتفكك؟».

«عندما اقتربنا من سنة التخرج تحدثنا عن الكليات التي نريد الدراسة فيها، لقد خططوا أن يبقوا في ناغويا ويدْرسوا هناك، إلا أنا لم أكن أريد ذلك. لم يأتوا ويقولوا ذلك بالضبط، لكن كان واضحاً أنهم سيفعلون ذلك لأنهم لا يريدون أن ينقسم أحد عن المجموعة».

يستطيع أكا بمعدله التراكمي أن يلتحق بأفضل الجامعات مثل جامعة طوكيو، وأقنعه والداه أن يحاول، ويستطيع (أو) بمهاراته أن يكسب مقعداً بجامعة مشهورة أيضاً، وكانت شخصية كورو مناسبة تماماً للحياة المعقّدة المحفّزة لعقلها التي قد تجدها في بيئة عالمية، ولذلك كان يجب أن تلتحق بواحدة من الجامعات الخاصة في طوكيو. ناغويا مدينة كبيرة بالتأكيد، لكنها ثقافياً كانت ذات أفق تفكير ضيق. وفي النهاية قرر أربعتهم البقاء في ناغويا، تثبتوا في مدارس أقل مستوى من التي كان يجب أن يلتحقوا بها. شيرو هي الوحيدة التي لم تكن لتغادر ناغويا حتى لو لم تكن المجموعة موجودة. لم تكن من النوع الذي يغامر وحده ليبحث عن بيئة محفزة في الخارج.

«عندما سألوني عن مخططاتي» قال تسوكورو، «أخبرتهم أنني لم أخطط بعد، لكنني كنت قد قررت أن ألتحق بالجامعة في طوكيو. أعني إذا أردت أن أبقى مقترباً من ناغويا وأدرس -دون قلب- في إحدى الكليات العادية. كنت سأنجح في ذلك، إذ كان يعني ذلك أن عليّ أن أبقى قريباً منهم. سيكون ذلك سهلاً وفي العديد من الطرق وكان هذا ما تأمل به عائلتي في الحقيقة.كانوا يتوقعون أنني سآخذ محل أبي في الشركة بعد أن أنهي دراستي الجامعية، ولكني كنت أعرف أنني إذا لم أذهب إلى طوكيو سأرفض ذلك.كنت أشعر أنني يجب أن أدرس تحت يدي ذلك الأستاذ الجامعي فحسب».

«هذا منطقي». قالت سارة. «وبعد أن قررتَ الذهاب إلى طوكيو كيف استقبل الآخرون الخبر؟».

«لا أعرف كيف شعروا بالضبط تجاهه، بالتأكيد، لكني كنت واثقاً جداً أنهم شعروا بخيبة أمل. إذا لم أكن موجوداً في المعادلة سيغيب جزء من معنى الوحدة التي كنا نحملها فينا على الدوام، حتماً».

«الكيمياء أيضاً».

«لقد تغيرت إلى شكل آخر، إلى حد ما».

والآن وبعد أن أدرك أصدقاؤه كم كان تسوكورو مصمماً على الذهاب لم يحاول أحد إيقافه، بل لقد شجعوه في الواقع. تأخذ الطريق من طوكيو ساعة ونصف الساعة بالقطار السريع. يستطيع أن يأتي بأي وقت، صحيح؟ وعلى أيّ حال لا شيء مضمون في جامعتك (خيارك الأول)، قالوا نصف مازحين. النجاح في امتحان القبول في تلك الجامعة يعني أن على تسوكورو أن يشمّر عن ساعديه ويدرس كما لم يدرس من قبل.

«وماذا حصل لمجموعتكم بعد أن تخرج الجميع في الثانوية؟». سألت سارة.

«في البدء كل شيء كان يسير بشكل جيد، كنت أرجع إلى ناغويا في العطل المدرسية؛ عطلة الربيع، وعطلة الخريف، والعطلة الصيفية، وفي رأس السنة، وأقضي أكبر وقت ممكن معهم. كنا مقربين كما دائماً وكانت علاقتنا تتقدم بشكل جيد».

عندما يرجع إلى وطنه يكون هناك العديد من الأشياء التي يخوض فيها تسوكورو مع أصدقائه. وبعد أن يغادر ناغويا يستمر الأربعة في قضاء الوقت معاً، لكن عندما يعود إلى المدينة فإنهم يعودون مجموعة متكاملة من خمسة أشخاص (مع أن هناك أوقاتاً يكون بعضهم مشغولاً فيها بالتأكيد، فيجتمع ثلاثة أو أربعة منهم).يعيده الأربعة إلى الإطار وكأن ليس هناك فجوة زمنية، أو على الأقل لم يكن هناك -بحسب ما اكتشف تسوكورو- تغيرٌ حادٌ في المزاج، ليس هناك مسافة غير مرئية بينهم، وهذا ما جعله سعيداً جداً، وما جعله لا يبالي في عدم مصادقته أحداً في طوكيو.

ضيّقت سارة عينيها ونظرت إليه. «لم تحظَ ولو بصديق واحد في طوكيو؟».

«لا أعلم لماذا، لكني لم أستطع فحسب». قال تسوكورو. «أعتقد أنني في الأساس لست اجتماعياً بما فيه الكفاية، لكن لا تأخذي فكرة سيئة عني، فأنا لست منغلقاً أو شيء من هذا القبيل، كانت هذه هي المرة الأولى التي أعيش فيها وحدي، ولي الحرية أن أفعل أي شيء أرغب به، كنت أستمتع بوقتي، خطوط سكك الحديد في طوكيو مثل الشبكة، منتشرةٌ على كامل المدينة، بمحطات لا معدودة، مجرد النظر إليها كان يأخذ الكثير من الوقت، كنت أذهب لمحطات مختلفة أدقق في كيفية تصميمها، أرسم بعض المخططات، أسجل أي شيء مميز ألاحظه».

«يبدو هذا ممتعاً». قالت سارة.

لم تكن الجامعة بحد ذاتها ممتعة، معظم مساقاته في البداية مواد تعليمية عامة، غير ملهمة، مملة بشكل تفقد فيه شعورك تجاه أي شيء، ولكنه اجتهد ليلتحق بالكلية، فكان يحاول ألّا يتغيب عن أيّ حصة. درس الألمانية والفرنسية، حتى إنه سجل في مختبر اللغات لممارسة الانجليزية. اكتشف بشكل مفاجئ أنه بارع في تعلم اللغات، وإلى الآن لم ينجذب إلى أحد، بالمقارنة مع مجموعة أصدقاء الثانوية الذين لهم لون والمحفزين، كلُّ شخص سواهم بدا فاتراً مملاً مبتذلاً. لم يقابل أحداً كان يشعر أنه يريد أن يعرف عنه الكثير، لذلك قضى الوقت في طوكيو وحيداً، ولكن -من ناحية إيجابية- كان على الدوام يقرأ أكثر من أي وقت مضى.

«ألم تشعر بالوحدة؟». سألت سارة.

«لقد شعرت أنني وحيد لكن ليس تماماً، أعتقد أنني اعتبرت ذلك منحة».

كان شاباً صغيراً، وما يزال في العالم الكثيرُ الذي لا يعرفه، وكانت طوكيو مكاناً جديداً عليه، مختلفة تماماً عن البيئة التي تربى فيها، وكانت تلك الاختلافات أعظم مما كان يتوقع. حجم المدينة ساحق، تنوع الحياة هناك استثنائيّ، هناك الكثير من الخيارات، الطريقة التي يتحدث الناس فيها أذهلته لغرابتها، وخطى الحياة سريعة. لم يستطع أن يحقق توازناً بين العالم حوله ونفسه، لكن ما يزال هناك مكان يرجع إليه، كان يعرف ذلك. يركب القطار السريع من محطة طوكيو وبعد ساعة ونصف الساعة سيصل إلى مكان منظم ومتناغم ودافئ؛ حيث يمضي الوقت بسلام، وبشوق ينتظره أصدقاؤه الذين يأتمنهم على أسراره.

«ماذا عن الآن؟». سألت سارة. «هل تشعر أنك تحافظ على توازن جيد بينك وبين العالم من حولك؟».

«لقد مضى عليّ وأنا في هذه الشركة أربع عشرة سنة. العمل جيد، وأستمتع به. أنسجم مع زملائي. ولقد أقمت علاقات مع بعض النساء لم تنتهِ إلى شيء، وكان هناك أسباب كثيرة لذلك. لم يكن خطئي وحدي».

«وأنت الآن وحدك ولستَ وحيداً».

كان الوقت مبكراً وهما الزبونان الوحيدان في البار، وتُسمع موسيقى جاز لثلاثة عازفين خلفهما.

«أفترض ذلك». قال تسوكورو بعد قليل من حيرة.

«لكن لا تستطيع أن تعود الآن؟ إلى ذلك المكان المنظم والمتناغم والدافئ؟».

لقد فكر في ذلك، لذلك لم يكن هناك حاجة للتفكير. «ذلك المكان لم يعد موجوداً». قال بهدوء.

لقد اختفى المكان تماماً، وكان ذلك في العطلة الصيفية في سنته الثانية في الجامعة.