محمد حمدان الرقب

يطْلع ضوء الفجْر، ينشر خيوطه الفضّية فوقَ أزقّة السوق وساحاته. على الرصيف المقابل للمركز الصحي التابع لمنظمة الأنروا (الوكالة) في قلب السوق يقبع بعض الذين نخرهم وجعُ أضراسهم، مسجّلين أسماءهم لدى الأوّل منهم. منتظرين أن تطلع الشمس، ويفتح المركز بوّابته الزرقاء، معلناً بدْء يومٍ جديد، ووجع جديد.

ترتفع الشّمس. يكثر أعداد النّاس. تفتح محلّات الملابس أبوابها. تنبعث منها آيات القرآن الكريم بأصوات مختلفة. يحيّي أصحاب المحلّات بعضهم بعضاً (صباح الخير أبو محمد) (صباحك صلاة على النبي) يدعون أن يرزقهم الله (اللهم ارزقنا وارزق منا).

تزداد زحمة الشوارع والأزقة. تصطفّ البسطات في وسط شارع الوكالة، عليها مظلّات تقي أصحابها الشّمسَ السّاطعة. عليها بضائع مختلفة (شالات. جوارب. ملابس داخلية. أحذية. مزركشات. ألعاب. دفاتر وأقلام. حقائب. بناطيل. ألعاب أطفال. وغيرها).

يعيش أصحاب البسطات لحظاتٍ حرِجة قلقة. يسمعون صوتَ الصّفارات. يعرفون أنّ «الأمانة» قادمة لتزيلها بالجرّافات التابعة لها. يركضون بها بعيداً؛ كي لا تُصادَر. هي غير مرخّصة. ولا مالَ لديهم كي يقوموا بذلك. يغادر موظفو الأمانة. ترجع البسطات إلى أمكنتها. تحدث مشادّة كلاميّة بين أصحابها (هالمكان مكاني) (لا مش مكانك) (بحكيلك خاوا بدي توسّع لغاد شوي) (فشْرت عينك وله).. يتدخّل العقلاء منهم. ينهون الجدال. لولا لطف الله لحدث تشابك بالأيْدي، وفتحٍ للآلات الحادّة يصعب إغلاقها إلا والدماء تسيل!

تمشي امرأة مع ابنتها اليافعة. تتعلّق بهما امرأة منقّبة (من مال الله. الله يخليلك هالصبية. الله يستر عليها. الله ينجحها. كرامة لله) ولا تتركها بحالها إلّا بعد أن تتصدق عليها!

حقيبتها في يدها بإهمال. تسير طالبة جامعة مع زميلتها. تقترب منها امرأة لا يُرى شيء منها. بخفّة يدها، تنتشل منها حقيبتها. تنسلّ كالأفعى من بين المارّة. لا تحسّ الفتاة بفقدان حقيبتها إلا بعد فوات الأوان! فيها بطاقتها الشخصية وبطاقتها الجامعيّة، وأربعة عشر ديناراً. باقي مصروف الشهر!

يتجوّل شابّ صغير. بيده جواربُ. (اشتري يختي. عشرة بليرة) وعجوزٌ معمّر أشيب كشجرة الكينا في شارع الملك فيصل. بيده صندوق من (بوليسترين) فيه كتيّبات الأذكار ومسابح وعطور، ومن ورائه رجلٌ يسير باتجاه محّل ذهبٍ يملكه. يريد أن يفتتح يومه عند الظهر!

في ركنٍ مقابلٍ لأحد محلّات الذهب يقبع عجوزٌ آخر. نحيف. أصلع. يتكلّم اللغة الفصيحة في أغلب الأحيان. يفترش الأرض. أمامه بساط من بلاستيك. عليه علب دخان وولّاعات. المحلّ الذي يقابله كان له! لمّا اندلعت أحداث المقاومة الفلسطينية (انتفاضة الأقصى) عام 2000 اندلعت في المخيم المجاور للسوق مظاهراتٌ مؤازرة للمقاومة. دبّت الفوضى. حُرِقَتْ إطارات السيارات. رُميت المدارس ومراكز الأمن بالحجارة. تدخّلت الشرطة. فرّقت الجموع. أغلق أصحاب المحلّات أبوابها. بقي ذلك العجوز في متجر ذهبه. جاء اللصوص. استغلّوا الوضع الاستثنائي. نهبوه. سرقوا الذهب. ولّوا هاربين!

في السوق امرأة أضاعت طفْلها. كالمجنونة تبحث عنه. تعثر عليه بعد أن (بازت) أعصابها. تصفعه على وجهه (وين رحت يا ابن الكلب) تضمّه إلى صدرها. تمسك بيده وتمضي.

يشعر زوج بالجوع. يصطحب زوجته باتجّاه المطعم. في الطابق العلوي. طاولة تطلّ على ساحة السوق. يتأمّل الزوج، بانتظار الطعام، أحوال المارّين. يذهل عن زوجته، لم يتكلّم معها كلمة واحدة. على بعد طاولتين تجلس أربع فتيات. يلتقطن صوراً تذكاريّة مع وجبات الشاورما الموضوعة أمامهنّ! تبرد قبل أن يتناولنها!

في حركة دائرية صوفيّة يمشي شيخٌ ملتحٍ يعلو صوته: (يا بديع. يا بديع. سبحانك يا بديع. سبحانك يا بديع...) يشير إلى البسطات المتراصّة بانتظام. يرتشف من كأس القهوة في يده. يختفي في أحد الأزقّة.

(هاظ الشال تركي. لفّي كل السوق. إذا بتلاقي زي قماشته بأقلّ من ليرتين. بدي أعطيكي إياه ببلاش يا بركة) حوار يدور بين بائع ومشترِيَة.

بعدَ العصْر. في متوضّأ المسجد. يجلس شابّ مفتول العضلات على كرسيّ. أمامه طاولة صغيرة. عليها علبة دخان وولّاعة. وعملات مختلفة. يدخل رجل يريد الوضوء. يدفع له عشرة قروش. يتوضّأ. يصلّي في المصلّى داخل المتوضّأ. أمامه صورة كبيرة عليها أسماء الله الحسنى. وفتاة صورتها مكررة مرتين على جانبي الصورة. مقصوصة وجهها!

ينهي صلاته. يصل الباب. يسمع مفتولَ العضلاتِ يتكلّم إلى رجلٍ بجانبه. يشتم رجلاً آخر بكلام بذيء!

في ساحة السوق. تقف سيارتان. تأتي مجموعة من رجال الدرك. يتقدّمهم شرطيّ سير. يسأل بصوتٍ عالٍ: (هاي السيارة لمين؟) يأخذ رقم لوحتها. يدخله إلى النظام الإلكتروني. يحرّر مخالفة. يضعها تحت المسّاحات.

في السوق شابّة. يجرّ بمحاذاتها طفلٌ لم يتجاوز الثانية عشرة عربته. يعْلقُ (برغيّ) يثبّت إطارَها بعباءتها. يُحْدث فيها خرقاً. يمضي. لا شيء يعنيه. تصرخ في وجهه (مزّعت عبايتي) لا يتوقّف ولا يعتذر.

بالقربِ منها امرأة تمضي مع ابنها الصغير. تخترق سوق الجملة. تحاذي مسجد صلاح الدين. تسير في وسط المخيّم. تلمح بيتاً مفتوحَ الباب. أرضيّته وسِخة. الملابس مكدّسة. فكّرتْ (لا يوجد خزانة لها!) تصل وسط المخيّم. ساحة مليئة بالقاذورات وأكياس القمامة. تنزل الدرجات. تقطع الشارع. تتجه إلى مستشفى البشير في منطقة الأشرفيّة. ترتفع حرارة ابنها. تدخله غرفة الطوارئ. بانتظار الطبيب. بعدَ وقتٍ طويلٍ يأتي. مقطّب الجبين. منتفخ الأوداج يكشف عليه. يكتب له شريطَ (باندا). تشعر أمّه بالخيبة. تُقْفِل راجعة. الدرجات. وسط المخيّم. البيت الذي ما زال مفتوحاً. مياه المجاري تخضّب الأرض! تتوقّف في وسط السّوق. تلتقط أنفاسها. تمسح حبّة عرق تفصّدت عن جبينها. تجلس على الرّصيف المقابل للمطعم لاهثة جائعة خائرة القوى وبلا حيلة. كان الزوج الذاهل في الأعلى يتأمّل هيئتها الرثّة!

تنزلق الشمس نحو المغيب. يتلوّن الأفق بالأرجوانيّ الجميل. يبدو الناس ظلالاً شاحبة. يتجوّلون بلا معنى. تقلّب فتاة كلّ جلابيب المحلّات باحثةً عن صورةٍ لأحدها في عقلها. في النهاية تصعد إلى الحافلة فارغةَ اليدين.

تزدان السوق بالأضواء، ولكن إلى أذان العشاء فقط. بعد ذلك تهدأ الحركة. تتحوّل الساحات إلى مكبّات نفايات. تغلق المحلّات أبوابها. لا يبقى في السوق أحد. الأزقة فارغة موحشة مظلمة. الشوارع متّسعة. المركز الصحّي الذي يرفرف بعلَمِه الأزرق ابتلعه ظلامُ الليل.