محمد عارف مشّه

عذراً أيها السادة، فأنا أكذب

بث حي ومباشر لكرة القدم. أجلس أمام الشاشة مترقبا فوز الفريق. المباراة هادئة وجميلة. يركل لاعب الفريق الذي أشجعه ركلة جزاء قوية. تنطلق الكرة مسرعة باتجاه المرمى. يقفز جمهور المشاهدين عن مقاعدهم. أقفز في بيتي عن المقعد فرحا. الكرة تصل المرمى. ترتطم بالعامود. تنحرف. تخرج من الشاشة. تتجه نحوي. ترتطم برأسي. أصرخ متألما.

لست متيقنا مما حدث إن كان حقيقة أم خيالَ كاتب. فقد سار الممثل باتجاه هاوية الجبل. المسلسل شيق وجميل، وفي حالة موت الممثل بسقوطه في الهاوية، سينتهي كل شيء. وسينتصر الظلم على العدل، فصرختُ على الممثل مذعورا أن انْتبهْ. نظر لي الممثل بلا مبالاة ثم قال: اصمتْ ولا تتدخل في أحداث المسلسل. خرج المخرج من وراء الحاجز وأشهر سلاحه في وجهي. أمرني أن أخرس وألّا أتدخل في سير أحداث المسلسل فخرست.

ظلّت رائحة الحريق في المسلسل تزكم أنفي. صرخت في وجه المخرج: أكاد أختنق من رائحة الاحتراق. فشدّ شعره غيظا وأمرني أن أخرس وأضاف مهددا: سأوقف بث المسلسل لبيتك ولن تشاهده ثانية. فأغلقت أنفي واختنقت.

تقدمتْ زوجتي مواسية لي ومشجعة كي أصمت، ثم وضعت أمامي فنجان القهوة، أشعلتُ سيجارتي بصمت فأحببت رائحة الخنق من سيجارتي. مددتُ يدي نحو فنجان القهوة فسبقتْ يدُ الممثل يدي وارتشف بسرعة من فنجان قهوتي، ثم أخرج السيجارة من بين أصابعي، وعبّ منها أنفاسه ونفثها في وجهي. أوشك على الانتهاء. داسها بقدمه وعاد ليكمل دوره التمثيلي.

صرختُ بوجهه ليعيد ما تبقى في فنجان قهوتي، سكب ما تبقّى في الفنجان على الأرض ثم كسر الفنجان.

أنا لا أكذب أيها السيدات والسادة. أنا أكتب فقط، وأحاول أن أروي ما حدث. دون زيادة أو نقصان.

بالضبط كانت الساعة السادسة مساء حين حدث هذا، وقد أخبرتُ زوجتي على العشاء بما حدث فابتسمتْ زوجتي ثم قالت: لا تكذب.. إذهب إلى الطبيب المعالج. أقسمتُ لها أن ابنتيّ شاهدتا ما حدث معي. فأنكرت ابنتاي ما حدث. أقسمتُ لهن بأني لست مجنونا وبأن كل ما حدث كان حقيقيا.

نعم، أعلم أنكم تبتسمون سخريةً مني الآن أيها السيدات والسادة، فتلك البنت ذات الثوب الأحمر تمشّط شعرها بإصبعيها وتقرأ لي ثم تبتسم سخرية، وذاك الشاب الذي يدخن سيجارته وهو يقرأ القصة يقول لي: تباً لك. أنا لا أكذب أيها السادة. أقسم لكم. اسألوا الممثل والمخرج عمّا حدث وسيكملان لكم القصة عني. لقد تعبتُ من القول: الشمس تشرق غرباً.

امرأة الحلم

امتطى صهوةَ بقايا من حلمٍ رآه، ومضى ينبش في ذاكرته المثقوبة عن امرأة كقبضة هواء في كفه. وحين تساقط الماء من ذاكرته بلا صورة، بلا ملامح، آثر أن يتابع نومه.

نهض من فراشه. غسل وجهه بماء ضحكة المرأة (الحلم)، خرج يبحث عنها. يتفقد الوجوه والأشياء من حوله. المارّة. المحلات التجارية. دور العرض السينمائية. سوق الصاغة. موقف الباص. نزلة الشابسوغ. وسط المدينة. بائع الفستق ذاك الرجل الأسمر النحيل. كشك الكتب.... كلها أشياء مألوفة لديه. تأفف نزقا. أشعل سيجارته. رفع عينيه باتجاه الرصيف الآخر. اصطدمت نظرته بثياب المرأة الحلم. ابتسم سخرية من سخف تفكيره وهمس لنفسه: كل النساء يرتدين ثيابا كهذه. تشاغل عن هذيانه. اقترب من طفلة صغيرة تنام جوار قدمي أمها متكوّرة كقطة على بلاط الرصيف. منذ زمن بعيد لم أفعل خيرا ولم أتصدّق. همس لنفسه ومدّ يده نحو جيبه. أخرج ما فيها من نقود فوجدها بالكاد تكفي أجرة عودته إلى البيت. تراجع عن فكرة التصدّق بالمال واكتفى بمداعبة شعر الطفلة النائمة. صرخت الأم فزعة على ابنتها من لص يود سرقة النقود التي أمامها.

حاول أن يشرح للمرأة موقفه فأصرّت المرأة على صراخها، التمّ المارّة. ظلّ يشرح الأمر بكثير من الكلمات المبعثرة، لكّن أحدا لم يقتنع بصحة كلامه قبل أن يقوم أحدهم بالبصاق نحوه فيتحقق النصر في عيون الرجال.

تجرّع مرارة القمع في حلقه. أشعل سيجارته ومضى مبتعدا هامسا لنفسه: أهي قصة جديدة سأكتبها الليلة؟