د.عمر فارس الكفاوين

هذه القصيدة للشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة، وهي من الشعر الحر، وقد فازت بجائزة الجامعات المصرية سنة 1968، وهي المرة الأولى التي تمنَح فيها الجائزة لقصيدة من الشعر الحر التفعيلي آنذاك، وقد نظم الشاعر قصيدته في أعقاب حرب حزيران 1967، وربما أنه كتبها مدفوعاً بنتائج هذه الحرب المأساوية التي خيبت الآمال، وأدت إلى ضياع ما تبقى من فلسطين، فأصبحت كلها محتلة.

قُسمت القصيدة إلى أربع مقطوعات متتابعة، تدور بمجملها حول فكرة واحدة هي «الحث على عدم الرحيل من فلسطين»، والشاعر وإن كان يخاطب أمّه مطالباً إياها بعدم الرحيل، إلا أن هذا المعنى المخصوص يمكن تعميمه ليشمل كل من تبقى في فلسطين من أهلها، بأن لا يرحلوا ويتركوا أرضهم للمغتصبين.

المقطوعة الأولى

«رسائلٌ تجيئني مُخْتَصَرَهْ

حروفُها معدودةٌ كأنّها من ذهبٍ أو... ماس

أهكذا يعيشُ كلُّ الناس!

أم وحدنا نموتُ فوقَ النطْعِ، تحتَ القاطرة

رسائلٌ ثلجيةُ الإحساس

لكنني نسيتُ أنها مغامرة

أن تكتبي حرفاً به مرارةُ الشوق،

وصدقُ الذاكرة

نسيتُ أن كلَّ حرفٍ في الكتابة

قد صممَّتْهُ هيئةُ الصليب.. والرقابة

بدايةٌ نهايةٌ مكرَّرة

يا حزنُ قد ذوَّبْتني

رميتَني للعتباتِ المُقْفِرة!

هل أنتِ تشتاقين للنهرِ المقدسِ والعذابْ

هل أنت تشتاقينَ للأرضِ الخراب

أم رؤيةِ الولدِ المعذّبِ قاطعاً صحراءَ تيهْ».

تدور المقطوعة حول فكرة انقطاع الرسائل بين مَنْ هم في داخل فلسطين ومن هُجّر منها، بسبب استبداد المحتل، وعدم السماح لتلك الرسائل بالوصول. والشاعر يرسم في هذه المقطوعة الافتتاحية لقصيدته صوراً من الظلم الذي يعاني منه أهل فلسطين بسبب الاحتلال الصهيوني، فالرسائل غدت معدودة قليلة لا تصل إلا بصعوبة، كما إن أهل فلسطين يعانون المرارة والألم، ويتساءل الشاعر: لماذا نحن وحدنا في فلسطين من نعاني ونقتل؟ وهو سؤال إنكاري تعجبي لم يحصل الشاعر على إجابة له. ثم يعود مرة أخرى إلى الرسائل ليصفها بأنها ثلجية باردة الإحساس خالية من المشاعر والعواطف، بسبب تلك الرقابة المفروضة عليها، فهي تقتصر فقط على التحية والسلام وبعض الأخبار الخاصة بمرسليها، ثم يخاطب أمه متسائلاً: هل تشتاقين لعودة المهجرين وابنك منهم وحقهم في العودة، ثم هل تسعين للخروج من أرض فلسطين لأرض الغربة والمنفى التي تجسد الضياع والخراب، أم تريدين رؤية ابنك البعيد الضائع في صحاري التيه والضلال؟! وكأنه يلحّ عليها بألّا ترحل وأن تبقى في فلسطين مهما كان الثمن.

وفي المقطوعة بعض الصور والرموز، منها:

- حروفُها معدودةٌ كأنّها من ذهبٍ أو.. ماس: شبّه الشاعر حروف الكتابة في الرسائل بالذهب أو الماس، دلالة على ندرتها وقيمتها.

- رسائلٌ ثلجيةُ الإحساس: شبّه الرسائل بالثلج لكونها تخلو من المشاعر والعواطف، فهي باردة برود الثلج.

- يا حزنُ قد ذوَّبْتني: شبّه الحزن بالنار الحارقة التي تذيب الإنسان.

المقطوعة الثانية

«لا تسأليهْ

قد ضاعَ في وجعِ الليالي،

ربما، لن تسمعيهْ

يا حلوتي،

كُلٌّ هنا قد جاء يبحثُ عن بنيهْ

وأنا وأنتِ على الأسى نحيا ونُبحرُ في السراب.

هل أنت تشتاقين أن تقفي على قدميكِ

ثائرةَ المواجعِ، تصرخينْ

ماتَ الرجالُ على الوسادة

عَسُرَ المخاضُ وأنتِ في الستينْ

من أين تأتيكِ الولادة!».

المقطوعة بأفكارها ومضامينها مكمّلة لسابقتها، ذلك أن الشاعر يواصل خطابه لأمه ولكل الأمهات في فلسطين اللواتي فقدن أولادهن، إما لأنهم قُتلوا أو هُجروا قسراً، فيقول لأمه: لا تسألي عن ولدك (الشاعر)، فقد ضاع منذ أن ترك الوطن. إنه ضياع معنوي يتمثل بالفقد والغربة والنفي، فلا تبحثي عنه، لأنك تبحثين عن سراب، ولا تستجدي العرب وتصرخي لأنهم تخاذلوا واستسلموا، فعبثاً تحاولين، لأنهم ماتوا وماتت كرامتهم، وبعد هذا الزمن الطويل من الضياع لن تجدي أملاً فيهم، فأنتِ كمن تحاول الولادة في الستين من العمر. وهنا يجسد الشاعر مبدأ الاستحالة، استحالة الثورة والنهوض للتحرير من قبل العرب.

المقطوعة الثالثة

«جاءَ الشتاءُ المرُّ، جاءَ العيدْ

ويجيءُ ما بعدَ الشتاء

وتظلُّ عيناكِ المعذّبتان تنتظرانِ عودَتهُ

من البلدِ البعيدْ

قد أثلجتْ شوكاً على ليلِ العبيد

ما زادَ من دمعي

مرّوا مع الليل البهيمِ وأطفأوا شمعي

وتلوبُ عَبْر السحبِ قهقهةُ الجنودْ

ترتدُّ في عيني وفي سمعي

شجراً من الزقومْ

من منكُمُ... سيصدُّ جيشَ الروم!

من منكمْ يحمي التُّخوم؟!».

يحاول الشاعر في هذه المقطوعة استنهاض الهمم والحث على الثورة والتحرير، مصوراً تلك المآسي التي يعاني منها في غربته، المتمثلة بمرارة المنفى وقسوة الحياة فيه، حيث يأتي الشتاء، لكنه شتاء مُرّ بسبب بعده عن وطنه وأهله، وكذلك العيد مُرّ، ومع هذا فالأم ما زالت تنتظر عودة ابنها من البلد البعيد، ثم إنه بالرغم من بعده يبدو قادراً على تصوير تلك الخطايا التي يرتكبها الاحتلال في بلده، فهو يعاينه من بعيد فيرى دمار الأرض وقتل الناس على أيدي المحتلين، الذين أطفأوا شمعة الأمل المتمثلة بحرب حزيران فحولوها إلى ليل بهيم وهزيمة نكراء، فانطفأ أمله بالعودة، ومما يزيده غيظاً تخيُّله قهقهة جنود الاحتلال وهم يستمتعون بالتدمير والتعذيب لأهل فلسطين، فتغدو هذه القهقهة كأنها شجر الزقوم الذي يتناوله بحسرة وألم، لذا فإنه يحاول مرة أخرى أن يبحث عن أمل يعيد له وطنه ويصد جيش الاحتلال ويحمي فلسطين.

ومن الصور الفنية في المقطوعة:

- جاءَ الشتاءُ المرُّ: شبّه الشاعر الشتاء بطعام مذاقه مُرّ، دلالة على قسوة الغربة والنفي.

- أثلجتْ شوكاً على ليلِ العبيد: شبّه الشاعر الثلج بالشوك الذي يؤلمه.

- ترتدُّ في عيني وفي سمعي شجراً من الزقومْ: جعل الشاعر قهقهة الجنود الصهاينة كأنها شجر الزقوم، دلالة على الغيظ منهم والقهر والعذاب.

المقطوعة الرابعة

«لا تقطعي النهرَ المقدَّس للأماني والوعود

لا ترحلي

لا ترحلي

فوراء نهرِكِ غصةٌ من علقمٍ في أفقكِ الَمسْدودْ

ووراءَ حدِّكِ رُعْبُ قهقهةِ الجنود

لا ترحلي

موتي هناك كوردةٍ بيضاء

موتي هناك كنجمة في الغارْ

وأنا أجيئكِ كالرعود

أوْ جُثّةً آتيكِ،

كي تعلو زغاريدُ النساء!».

يخاطب الشاعر أمّه مرة أخرى، محاولاً إقناعها بعدم الرحيل وترك البلاد، فيقول: إن كانت حجتك يا أمي أنك تريدين لقاء ابنك البعيد عنك، فلا تغامري بالرحيل، لأنه ربما إن خرجتِ لن تستطيعي العودة فيكون الخسران كبيراً، وهو خسران يتمثل بعدم الرجوع للوطن، إنه مرّ كالعلقم، فلا تخرجي، وتمسّكي بالوطن وموتي فيه كوردة بيضاء نقية أو كنجمة عالية صامدة، أما أنا (الشاعر) فسأعود يوماً فلا تقلقي، فإما أن أرجع ثائراً مقاتلاً كالرعود، أو ميتاً كالشهداء، وهنا سأستقبَل بالزغاريد كما يُستقبل كل الشهداء.

ومن الصور الفنية في المقطوعة:

- موتي هناك كوردةٍ بيضاء: شبّه الشاعر أمه بالوردة البيضاء النقية الطاهرة.

- موتي هناك كنجمةٍ في الغارْ: شبّه الشاعر أمه بالنجمة الساطعة العالية.

- وأنا أجيئكِ كالرعود: شبّه الشاعر نفسه بالرعود القوية الهائجة، دلالةً على الثورة.

***

هذه القصيدة تمثل تجربة واقعية، لكونها صادرة عن شاعر مَرّ بتجربة الحرب والثورة والنفي والبعد عن الوطن، فلم يجد وسيلة للتعبير عن مشاعره وحنينه لوطنه سوى النظم الشعري المتمثل بسطوره السابقة، التي تعكس رؤية مفادها التشبث بالوطن والأرض وعدم الرحيل مهما صعبت الحياة وقست، فربما أن الفرج ليس بعيداً، ولا بد سينقشع الظلام مهما طال الزمن، إضافة إلى أن القصيدة تتسم بالشعرية والجمال، من خلال الصور الفنية والرموز والدلالات اللفظية المتجسدة في بنائها المحكم الرصين.

• هذه القصيدة مقررة لطلبة الصف التاسع الأساسي في المناهج المدرسية الفلسطينية.