عادل سعد يوسف

كاتب وروائي ومترجم ياباني، وُلد في مدينة كيوتو عام 1949 وهو من الكتّاب الذين لا ينفد فيضهم، فلديه العديد من الروايات والقصص القصيرة، منها المكتبة الغريبة (2005)، الغابة النرويجية (1987)، كافكا على الشاطئ (2002)، رقص رقص رقص (1988)، جنوب الحدود، غرب الشمس (1992)، ما بعد الظلام (2004)، سبوتنيك الحبيبة (1999)، مطاردة الخراف الجامحة (1982).

لاقت أعماله نجاحاً باهراً وتصدّرت قوائم الكتب الأكثر مبيعاً، وتُرجمت إلى أكثر من 50 لغة. يلقي هاروكي موراكامي بين أيدينا استرسالاً من روحه، ومنطقه، وألغازه، وينقل إلينا مزاجه، من خلال شخصياته الغامضة والمريبة أحياناً التي يختارها بعناية، يدرك معنى الكِتاب جيداً كما يدرك معنى الموسيقى وهدفها، فيحمّل الشخوص في جميع رواياته ثقلاً يؤدي إلى اختلال في توازن الأشياء حولهم وهم يختارون الكتاب المناسب، ويركز في أعماله على فكرة قراءة الكتاب الذي لا يقرؤه الجميع، وتحتوي جميع أعماله على الموسيقى التي صرّح أكثر من مرة على أهميتها، إذ يقول « الموسيقى! إنّها تعني لي الكثير، لقد تعلمت كل الأشياء عن الكتابة من خلالها».

ليس غريباً على كاتبٍ حلْمُ حياته أن يجلس في قاع البئر أن يأخذنا إلى العمق، يشد اهتمامنا إلى عمق اللحظة، ومغزى كل كلمة يختارها، والمعنى العميق المأخوذ من نهاية القصة وإن كانت نهاية مفتوحة في الغالب، وأحياناً تفضي إلى تساؤل يأخذك عميقاً ولا تعود منه بالملامح نفسها. إنك كلما تعمقت في الأمكنة التي يختارها في رواياته، وغالباً ما تكون الغابة، والأمكنة المظلمة، أو التي ينبعث منها ضوء مخيف، تجد غموضاً هائلاً وتساؤلات كثيرة قد لا تنتهي، وهذا ما يميز أعمال هاروكي موراكامي؛ إذ إنك تواجه شخصيات غريبة، وذات مزاج حاد وذوق متفرد وحدّة في التصرفات حتى إنها لا تشبه أحداً، وأحياناً تجدها تشبه كثيراً من الناس، وأحياناً أخرى تظن أنها تتحدث بلسانه، وتتعامل مع الأشياء المحيطة كما أراد ورغب هو أن يتعامل معها.

يركز هاروكي موراكامي على العزلة في كثير من الأعمال، كما تبدو شخصياته حزينة وترغب في الابتعاد، وتحب الغابة والأماكن غير المأهولة بالسكان، كما إنها خافتة، وأحياناً مملة وعادية جداً، لا تحب الضوء المتوهج وتخاف منه، وهذا ما تطرق إليه في رواية «تسوكورو تازاكي عديم اللون وسنوات حجّه»، يكرّر كلمات مثل صُدفة، لون، ظلام، خافت، منطق، غابة، حُلم. يصنع قصصاً خيالية وأحداثاً لا يمكن تصورها، وشخصيات لا تعود، وأزمنة متداخلة، كما تأخذ بعض الحيوانات أدواراً وأحياناً تكون أدواراً بطولية في الروايات والقصص؛ مثل القطط والغراب في «كافكا على الشاطئ»، الضفدع في «الضفدع ينقذ طوكيو». كما إنه جعل لبعض الشخصيات قدرات خارقة مثل مودوريكاوا في «تسوكورو تازاكي»، والعجوز ناكاتا في «كافكا على الشاطئ»، وأحياناً يرسم شخصيات مخيفة وغير حقيقية مثل الرجل المقنَّع في «رقص رقص رقص».

يتطرق موراكامي في أعماله إلى وصف الحزن، الفقد، العجز، الحدة، الغموض، الخوف، الغرابة والوضوح، كما إنه يحاول أن يخرجنا من واقعنا إلى عالم خيالي جميل، وفي الوقت نفسه إلى عالم مشحون بالتفاصيل الكثيرة المتعِبة التي تلمس ما بداخلنا، وتعيدنا سريعاً إلى الواقع. يركز موراكامي على معانٍ كثيرة مثل الحُبّ، وأهمية الطبيعة في صنع مزاجنا، والموسيقى، والقراءة. ويركز على عنصر اللون، ومن الواضح أنه لا يحبّ اللون الأحمر، فقد تكرر كره الشخصيات لهذا اللون وخوفهم منه.

في هذه الرواية، والتي يعدّ عنوانها من أطول عناوين روايات هاروكي موراكامي، يستمر الروائي في نسج خياله وإتقان السرد منذ البداية المشوقة التي تفسّر معنى «عديم اللون»، وهي الصفة التي حملها بطل الرواية تسوكورو تازاكي حتى النهاية، ثم تتسلسل الأحداث حيث تبدأ من الزمن الأخير وتنتهي في الزمن الأول، القصة التي تحصل معه واقعية جداً، قصة اجتماعية إلى حد كبير، يتصرف فيها البطل تصرفاً منطقياً حتى إنه يتساءل تساؤلات منطقية، أحاسيسه طبيعية، إذ يشعر بالخوف، الرغبة، الحُب، الملل، الاكتئاب، الرغبة في الموت، العجز، القوة، الحيرة.

وكعادة هاروكي موراكامي، لا تقتصر أحداث الرواية على قصة واحدة أو قصتين، بل إن قصصاً كثيرة تتداخل فيها، حتى إنّ بطل الرواية نفسه يختلط عليه الأمر، كما ترافق القصةَ موسيقى تُعدّ ركيزة مهمة في بناء هذا العمل وتلازم إحدى الشخصيات كصفة تصنع ملامحها، وبما أن العنوان حمل صفة «عديم اللون» فحتماً ستتكاثف الألوان في الرواية، فهناك الأبيض والأسود والأخضر والأزرق والأحمر والرمادي.

هذه الرواية عمل مشوّق وإبداعي إلى درجة كبيرة، إذ إنك تريد -كما يُنتظر من الروايات والقصص الأخرى- أن تعرف النهاية، ولا بدّ أن تفاجئك.