د.ثامر إبراهيم المصاروة

يطالعنا للوهلة الأولى من عنوان مجموعة «شبابيك» للقاص محمد مشّه (الآن ناشرون وموزعون، 2017) أننا أمام مساحات وفضاءات واسعة المدى، فالعنوان يشي بالإطلالة والترّقب والبحث عن شيء ما.

حاول مشّه في مجموعته هذه أن يبحث عن كينونة ذاته، من خلال مجموعة نوافذ، لكلّ واحدة منها ميزة البحث عن الذات، وقراءة صورة الأنا ممزوجة بالأآخر الذي يقف على عتبات الذات المتشظية في البحث عن الموجود.

فالكاتب يسبح في فلك فضاءات الذات اللامنتهاة؛ ليؤسس خطاباً وجدانياً حزيناً، مستعيناً بتقنيات التجريب والتخريب للقص الحديث، إذ جاء ذلك الخطاب برفقة العنوان والنصّ على حدٍّ سواء.

فنحن أمام مجموعة قصصية أشبه ما تكون بتوصيفات نفسية تشي بالغربة والكآبة مرة، والفرح والانتصار وإثبات الذات مرّات عديدة، وقد حاول الكاتب أن يمتطي لثام الدهشة والتدفق اللاشعوري والانفعال المتواتر في سرده، فجاءت عنواناته كلّها حاملة حركة الذات، ومصورّة ثنائيات واضحة تجمع بين ضدّين أو نقيضي، تارة جاءت على شكل اعترافات ورسائل واضحة للقارئ، وهذا ما نجده في قصة «اعتراف»، التي يبوح فيها البطل عن وجدانه وقلقه العاطفي ومكنونات نفسه التي تمتطي صهوة التعثر والتلعثم إزاء الآخر: «صفق الباب من خلفه وخرج مسرعاً، فتعثّرت عيناه بابتسامة امرأة، وأسرع في خطوِه خشية أن يسقط أرضاً» (ص11).

وتمتزج قصة «رؤى» بتقنية الحلم، فجاء العنوان ليشي بحقيقة تطارد البطل في المنام، فما هي إلا صورة للذات يكشف من خلالها عن الضياع والتشرذم،: «اندسستُ في فراشي ونمت، رأيتني أطارد أسماك القرش، ألاحقها، تصرخ مستنجدة بمن هم على الشاطئ... شددت الغطاء، أخفيتُ رأسي وعدتُ للنّوم ثانية» (ص15).

وتتعمق صورة الذات بضياعها وتشرذمها لدى الكاتب من خلال لجوئه إلى تقنية المفارقة، التي تُصيب القارئ بخيبة التوقع وتُشعره بإنكار الذات، ففي قصة «انتظار» يؤسس مشّه خطاباً تفاعلياً مع القارئ؛ ليجد ذاته الضائعة في نتوءات ضائعة أو ربما تكون خارجة عن السرب الذي يريد: «انتظرها عند الغروب، ألقى عقب سيجارته، داسها بقدمه، تابع سيره، وجدها تنتظره، غنّت له، رقصت، ابتسم لها،... دُهش المارّة من رجلٍ يعانق صخرة ويمدّ يده مصافحاً الهواء» (ص17).

ومما يزيد التشرذم والفقد محاولة تحويل الجمادات إلى صورة حيّة ناطقة بالهمس واللمس، وهذا ما نجده في قصة «الصورة»، التي تؤكد فعل الذات وما آلت إليه من ضياع وتشظٍّ في الزمان والمكان: «نظر إلى المرآة. لم يبصُق. فقد أغمض عينيه وخرج يبحث عن نفسه في مكانٍ خارج البرواز» (ص34).

وتحمل قصة «هوس» عنواناً يشي بالحلم والهذيان، إذ يقف البطل على خُطى قريبة من ذاته ومكنوناته اللامنتهاة: «استيقظ من نومه مكتئباً، مدّ يده صدره، ارتعبت يداه، نتوءٌ بارزٌ وطريّ على صدره. مدّ يده نحو رأسه. وجد شعره طويلاً مسترسلاً. صرخ بذُعر: من أنا؟» (ص59). فالملاحظ أن خط التتابع جاء واضحاً حتى وصول البطل إلى النهاية في بحثه عن ذاته، فاستطاع الكاتب أن يرسم صورة ذهنية لدى القارئ في بحثه عن الذات التي أصبحت بين الإثبات والنفي أو العدم والوجود.

ونرى البطل يبحث مرّة أخرى عن ذاته من خلال ذاكرة الطفل، فيوكل السرد إلى غائب؛ ليجعل القارئ يبحث عن ممتلكاته ونصّه المفقو: «استيقظ الرّضيع جائعاً، بحث عن أمّه فألقمته ثديها. ترك ثدي المرأة. أزاح وجهه إلى الجهة الأخرى. بكاؤه، عيناه ما زالتا تبحثان عن أمّه النائمة بجواره بالكفن الأبيض» (ص65). ومما أضفى على النصّ الرّهبة والخوف تلك القفلة التي اختارها الكاتب؛ لتشي بالفقد الذاتي.

وفي القصة المحورية التي عُنونت المجموعة باسمها (شبابيك)؛ يضع الكاتب القارئ في بوتقة توصيفاته اللامنتهاة، فمن خلالها تصدق تنبؤات القارئ في البحث عن الذات، أو بصورة أخرى في البحث عن سرّ تلك النوافذ، التي من خلالها نقف على خطى الصور المتعددة، التي تمزج الوعي بالخيال في أجواء فانتازية عبر تكثيف سردي مؤط: «تضعُ ساقاً على ساق، يبان بياض ساقيها، ضوء القمر يملأ الشرفة، تخفي البياض بردائها الأسود، ترفع خصلات من شعرها إلى الوراء بدلال، ترتشف من فنجان قهوتها، تمتصّ شفتيها ثانية، ينخلع قلب الولد، تشعل سيجارتها، تنفث الدخان نحوه، يغمض الفتى عينيه، وينام» (ص81).

وتزداد معاناة الكاتب في البحث عن ذاته من خلال سرده المؤسس على علاقة تشاكلية بين البنى السردية، وتكمن تلك المعاناة من خلال استخدامه الفعل «مضى» الذي جعله قفلة للعديد من قصصه، وهذا بدوره يزيد حدّة التوتر بين زمن السرد نفسه، وزمن الكتابة وما آلت إليه بفعل القراءة، ومن الملاحظ أن الكاتب قد كرّر تلك اللازمة ثماني مرات؛ لتشي بالضياع والاندثار وعدم الخلاص في الهوية المجهولة.

ولم يقف مشّه عند حدود البحث عن الذات وما يعتريها من تناقض وتشوه، وإنما حاول أن يعرِّيها من طاقاتها؛ فقد استعان بالوصف ليصنع سلّماً من المفقودات على حدود العدمية، إذ جاء في قصة «ظلان» التي تشي بحالة من الضياع الروحي والخوف اللامنطقي: «ستائر مسدلة/ ضوءٌ خافتٌ/ موسيقى هادئة/ فنجانا قهوة/ الصّالة فارغة إلا من ظلّين يرتسمان على حائط المقهى» (ص77 ).

ولعلّ المتتبع لقصص مشّه يلاحظ أنّه قد جعل أغلب نهايات قصصه مفتوحة؛ ليؤسس علاقة تشاركية تفاعلية مع القارئ على مستوى خطابه السردي، فمن خلاله يستطيع أن يقف على النوافذ جمعاء بحثاً عن الذات والهويّة.

إن الذات في مجموعة «شبابيك» يعتريها ثنائيات واضحة الدّلالة، من حيث الفرح والحزن، الحب والخيانة، الأمل والألم... إلخ. إذ تتمحور مفردات الكاتب حول تلك الثنائيات حاملاً عدسته الخاصة في البحث عن الذات المؤطرة؛ ليتجاوز بها جسور الأمل والألم على حدٍّ سواء.