ينمو الشباب ويترعرع في حديقة جنّاءَ على طريق الأمل، وعندما يكبر تصغر الدنيا في عينيه، وتصبح أحلامه تتمثّل: بذلك الفرس الذي يطير به مع شريكة العمر ليخلد إلى الراحة من عناء العزوبية وتعب الوَحدة.. هكذا ينبغي أن يكون، لتستمرّ الحياة!! ولكنه.. ومع الأسف تبدّلت الأحوال المجتمعية، واختلفت النظرة للحياة، وحتى الأحلام أصبحت مفزعة من جهة، ومفرّغة من كلّ جميلٍ، من جهة أخرى.

فما بالكم أيها القوم؟! ألستم اللّذَيْن بالأمس، اجتمعتما على كلمةٍ سواءٍ بينكم، بأن تكونوا نواة السعادة لأسرة سعيدةٍ كزوجين حبيبين مقترنين؟

فمن أين دخل الريحُ؟ ولماذا لم نغلقُ البابَ الذي يأتي منه الشرّ؟ أمْ أننا استسلمنا لدوّامة الحياة، وركبنا سفينةَ الهرب؟. لا.. بل وألف لا، لكلّ التصرفات غير المسؤولة، التي تصير وتسير بنا إلى واقعٍ أليمٍ، ونتيجةٍ مؤسفة على بوابة المحكمة، ليقف أحدهم أمام القاضي، أعداءَ اليوم، أحباب الأمس.

ويقفان أمام القاضي يشوَّهان صورةَ الأيام الجميلة التي عاشاها معًا، ويحاول القاضي أن يجمع بينهما: (أيها الكريمين: إنّ لكما أبناءً صغارًا، فلا تحرمونهما عطفَ الأمّ وحنانها، ورعاية الأب وعزوته، وإنّ بينكما معروفًا فلا تنكرانه...) ويقاطعان القاضي قائلَين: (كلا.. نريد الانفصال، نريد الطلاق).

وهكذا في لمحة كالبرق، ترعد السماء بواقعٍ منهمر، ليصبح عليهما نهارُ الندم، وتنطوي ليالي الذكريات الجميلة، وتنتهي حياة السعادة بين الزوجين، لتبدأ مرحلة الشقاء الموروث لأبناءٍ أبرياء. نقطة آخر السطر مؤسفة!!.

أيها القارئ الكريم: أنا لست بصدد رواية قصة محزنة، ولكنها الصورة المتكررة عشرات المرّات يوميًّا، أمام القضاة في بلادنا وما جاورها. وهنا وجب التنبيه لكلّ ذوي الألباب في بلادنا، ممن يحملون لواءَ الإصلاح والاستصلاح، ومكافحة الفساد المجتمعي، بل وإلى كلّ المسؤولين الأكارم، وكلّ حسب موقعه الكريم:

فإنّنا حيث نتحمل مسؤولية الأجيال من بعدنا، لا يحقّ لنا أن نسيطر على حياتهم وأن نوجهها التوجيه السلبي، فما هو ذنب أبناءٍ في مجتمعنا يعيشون الهاجس والواقع المؤلم؟. نعم، مَن لم يذق طعم المأساة فإنه تكون يداه في الماء البارد، ولكنهم الذين يعيشون على الجمر.. ما هو ذنبهم؟.

إنها المسؤولية لدراسة هذه (الظاهرة). التي أصبحت تشكل حافة الهاوية لكثير من المجتمعات، فلنحمل على عواتقنا، جانب المبادرة، ولنعمل جاهدين على تأسيس المسار الواعي لأبنائنا، ولنبدأ بالعمل، وهذه بعض المقترحات العملية أضعها بين أيديكم:

أولًا: تشكيل لجنة إرشاد مجتمعي مكونة من جميع شرائح المجتمع، من: دعاة وأئمة مساجد، ووجهاء، وأكاديميين مختصين وأطباء علم نفس واجتماع. وطبعًا من التربويين. في كل محافظة، حيث تكلف اللجنة في دراسة كل منطقة حسب إطارها للخروج بأهم التوصيات، بمعنى: (تضييق دائرة الدراسة للظاهرة لتركيز أكبر ونتائج أوضح).

ثانيًا: توجيه أصحاب رسائل الدكتوراة والماجيستير، خاصة ذوي اختصاص: الإعلام، والعلوم الإنسانية، لعمل دراسات ميدانية، للوقوف على كثير من المعطيات.

ثالثًا: أن نتعامل مع الظاهرة بواقعية، فما زلنا نعرف الكثير من أسباب الطلاق، ومع ذلك فلا نقدر على التفوه بها – أحيانًا -، مثلًا: التقليد الأعمى، الإسراف، الغرق بالديون،....

رابعًا: الزواج قرار بالمشورة: حينما نعيش في زمنٍ يتحكم الأبناء بمشاعر الآباء، وعندما يغيب الآباء عن وقت اتخاذ القرار، وعندما يكون التصرف من المقبلين على الزواج من غير دراسة مسبقة متأنية، وعندما ينبي القرار (من الزوجين الجديدين) خارج بيت الآباء والأمهات. وعندما نفتقد المشورة بيننا، نحصد الندم. إذن.. فلنعد إلى الطريقة المنهجية بالتدرج والتأني في اتخاذ قرار الموافقة. فإنه ليس للنظرة العاطفية أن تبني علاقات مجتمعية متينة للديمومة.

وأما العديد من المعضلات، فإنه يكثر الكلام ويقلّ الفعال في زمنٍ ينبغي علينا أن نكون واعين لأمور حياتنا، وأما معاشر الشباب، فإنهم إنْ لم يكن هناك قوة حانية، تجمع بين الحنكة والحكمة والمحبة والتعليم، فلن يبدأوا حياتهم على مبدإٍ سويّ.

وإننا إذا لم نعتنِ بأبنائنا وبناتنا، فنوصل إليهم أهمية القرارات المدروسة لننجح بالاختبار، فتشكيل الأسرة، مشروع العمر، وليس رحلة نجلس فيها على شوكٍ تحت شجرة لا ظل لها ثم نتركها، على أسوأ ما يكون، بل إنه مشروع لأجله نعيش.

والعجلة ليس مطية الحكماء، والزيف والتزييف ليست هوية النبلاء. فلنبن جيلًا يعشق بناء الأجيال، تمامًا كما بنانا آباؤنا وأجدانا من قَبل،

ولنقف على ظاهرة الطلاق لنقول لها: (توقفي فقد ملأت بيوتًا من حوالينا حسرةً ودموعًا تحتاج إلى من يصلح ما أفسده الطلاق).

وكم أتمنى أن يسمعني أحدهم، ويراجع زوجته من كان تعجل وطلقها.. لأجل الله أولًا، ثمّ لأجل أبنائه ثانيًا، وليترك هواجس ما سيقوله الناس عنه، لإنهم سيقولون: (بطل أنت!!).

وأخيرًا: إلى كلّ عائلةٍ تتمتع بنعمة السقف الواحد: (اُشكروا نعمة الله عليكم، وكللوها بالحكمة على مرّ السنين والأيام. ودمتم سالمين!!).

agaweed2007@yahoo.com