غسان ابو لبن

يحفر الفنان التشكيلي محمد العامري في ذاكرته الشعريّة عن مشاهدات وتأملات مبنيّة على المفردة البصريّة، ويعيد اكتشافها بذات الدهشة الأولى التي تكوّنت فيها في ذاكرته. تلك التأملات تظهر في العناصر التي تتألّف منها أعماله التشكيليّة، وتتخّذ شكل جملٍ لونيّة وأشكالاً محددة تتوالى في إيقاعاتٍ بونية وملامس متنوّعة تنتشر على مساحات لوحاته في ديناميكيّة شعريّةٍ موسيقيٍّة خاصّة به. وهو في ذلك النهج يحاول أن يقبض على لحظاتٍ طفوليّة أثناء تنفيذه لوحته، وهذا يتطلّب مستوىً خاصّاً من الشرود يألفه العامري بسبب تعايشه الطويل مع خاماته وأدواته، إذ يقضي معها من الوقت ما يكفي لكي يتحاور وإياها على طبقات شديدة الخصوصيّة.

تتميّز لوحات العامري في معرضه الأخير بحضور الألوان ذات القيمة المتوسّطة من حيث الشدّة، مثل الأزرق الكوبالت والأزرق الفيروزي وانحسار الألوان الترابيّة والمحايدة لصالح ألوان باردة نقيّة تسيطر على المساحات ذات الكتل البارزة في اللوحات، وهذا يضيف قيمة موسيقيّة حيث يخلق إيقاغات أكثر حيويّة بين العناصر ذات اللون الحار والعناصر ذات اللون البارد، فتشغل تلك الإيقاعات عين المتلقّي بنقلاتٍ خفيفة الوقع بين التجاورات اللونيّة، وترفع عن اللوحة ثقل المساحات المعتمة التي تطفيء وهج اللون، وهو بذلك يحوّل لوحته إلى مساحةٍ آسرة بألوان جاذبة تدعو إلى الوقوف والتأمل. كذلك يقترب العامري كثيراً من تجاوز الشكل بدلالته البصريّة ليغدو دلالة أيقونيّة بدلالة مكنّاة تحتمل إحالات ذات معانٍ خاصّةٍ في قلب الفنان وذاكرته، وهذا يفتح الباب للتأويل والتحاور مع اللوحة لخلق تداعيات جديدة تتنوّع بتنوّع المتلقّين للعمل الفني، وهذا الذكاء في زرع تلك المفردات يعطي المجال للمتلقّي لتكون له علاقته الخاصة والمنفردة مع العمل فتتنوّع مستويات التلقّي مما يغني العمل ويجعله أكثر عمقاً.

من الإضافات التي تحضر للمرّة الأولى في أعمال هذا المعرض استخدام العامري للملامس المسبقة على سطح القماش، وهذا يخلق تنويعاً في درجات النعومة والخشونة في السطح وتنوّعاً في حساسيّة الألوان التي تتحرّك فوق تلك الملامس وحولها بتأثير مدى ثقل الملمس وامتداده على القماش، وكذلك بالنسبة للعلاقة المتبادلة بينها وبين السطح الخالي من الملامس. الإضافة الثانية هي أن الفنان عَمَدَ إلى بعض المناطق في لوحاته الورقيّة وقام بتجريحها والشخط عليها ضمن امتدادات خطيّة حيناً وعشوائيّةٍ حيناً آخر، وهو تأثير فيه جرأة ربما ومغامرة، لكنه انتهى لصالح العمل إذ ولّد أثراً جديداً مختلفاً عن التأثيرات المألوفة ومستفزّاً للعين بحيث يبقى أثره مطوّلاً.

هذه التجربة تتميّز بسخاءٍ لونيٍّ حاضرٍ بشكلٍ محبّب له تأثير إيجابيّ في النفس، ويمثّل وجبة غنيّية ومتنوّعة تستمرّ تداعياتها لوقت طويل ما بعد المعرض، والعامري بجدّيّته في التعامل مع أعماله ومثابرته يشتغل على تجربته باحترافٍ وإخلاص، ويعمل على تغذيتها بكل ما يمنحها الاستمرارية والنمو والانتقال إلى مراحل متقدّمة تشتمل على مفردات جديدة وتأملات نوعيّة. ويستمر المعرض لغاية 27 الجاري.

*مدرس في كلية الفنون

بالجامعة الأردنية