إربد - أحمد الخطيب

نظم ملتقى إربد الثقافي مساء أول من أمس، محاضرة حول « واقع الرواية النسوية المعاصرة» للناقدة د. ليندا عبيد، وسط حضور جماهيري لافت، تناولت فيها الرواية النسوية كونها ميدان المرأة الذي تعبر به عن همومها، وتستبطن من خلالها أيديولوجيتها بوصفه طريقاً من طرق الانعتاق والكفاح، إضافة إلى مقاربتها التطرف وخرق التابوهات.

وتناولت في المحاضرة التي أدارت مفرداتها فايزة الزعبي، وأقيمت بالتعاون مع منتدى عنجرة الثقافي وملتقى المرأة، مجموعة من الأعمال الروائية النسوية التي تتخذ من تصوّر يجعل الذات الأنثوية تقف في مواجهة السلطة متفاوتة في مساحة الحرية والجرأة في الحديث عن المسكوت عنه، أو العري في تناول تابو الجسد وفق المرحلة الزمنية أو الطبيعة المجتمعية ودرجة الوعي التي تنحدر منها الروايات.

وكنماذج تطبيقية اختارت د. عبيد أعمالا روائية من الفترة الزمنية الممتدة من بدايات التحرر النسوي في الخمسينيات وتمثلها رواية» أنا أحيا» للروائية اللبنانية ليلى بعلبكي، لافتة النظر إلى أن تمرد القلم النسوي كان يحتاج كثيرا من الجرأة إبان ضيق المفاهيم، وقلة النضوج في الوعي النسوي، معتبرة أن بعلبكي تمثل جيل بداية التحرر النسوي في الخمسينيات، حيث افتقد هذا الجيل كما ترى لمسار واضح يحدد به ماذا تريد المرأة تماماً، مضيفة أن بعلبكي حاولت أن تسجل لوعي جديد تخرج المرأة به من إطار الهموم الاجتماعية العامة، لتصرخ برغبات الجسد، تمهيدا للإفلات من السلطة وإعتاق الذات، وإن لم تصل الرواية رغم محاولتها الفرق في حسية الرغبة ومحاولات تحقيقها إلى مستوى الفعل.

فيما مثلت المرحلة الثانية التي اختارتها رواية» وسمية تخرج من البحر» للروائية الكويتية ليلى عثمان، لتمثل مرحلة زمنية أخرى ضمن طبيعة مجتمعية أكثر ضيقاً وتشدداً، لافتة النظر إلى أن ثمة ظاهرة جديدة في السرد النسوي، ربما تكون رداً على الادعاء بانشغال الروائيات بالأنوثة والذاتية والتجارب العاطفية في الكتابة، تتجلى بتقمص الرجل لدور السارد الذي يحكي معاناة المجتمع والوطن ضمن إطار أوسع، تطل فيه معاناة الذات الأنثوية في صورة يرسمها الآخر، ويظهر ذلك في رواية العثمان، معتبرة أن رواية العثمان وإن كانت متقدمة على رواية بعلبكي إلا أنها أكثر خجلاً في اختراق التابوهات، ويعود ذلك كما ترى إلى صعوبة الطبيعة المجتمعية في الخليج رغم نضوج الوعي التحرري النسوي للروائية.

أما المرحلة الثالثة التي تمثلت برواية» خارج الجسد» للروائية الأردنية عفاف بطاينة فهي كما ترى د. عبيد، تمثل مرحلة تتسم بنضوج الوعي وازدياد الجرأة في تناول المسكوت عنه، لافتة النظر إلى أن الجسد الأنثوي يحضر بما يمثله من تابو في المجتمع الذكوري ميداناً للمعركة، ووسيلة تتخذها السلطة لقهر الذات ومحو إنسانيتها وتشييئها وسجنها في إطاره، مشيرة إلى أنه عندما يتكامل وعي الذات تبدأ السلطة بمعاملتها كخصم، منوهة أن الذات تدرك الأسباب الحقيقية للصراع مع الأب ومجتمعه وقوانينه في إطارها العريض الذي تتصدره حركات التحرر النسوي، وتدعو إلى دخول المعركة من إدراكه ووعيه.

واعتبرت أن هذه الأعمال الروائية المختارة انصبّت على الذات الأنثوية تعمّق وعيها بواقعها الاجتماعي وبقضيتها وحقوقها، وتحاول أن تصل بها إلى الانعتاق من أسر العبودية الذكورية، مرة لتقف ندّاً للرجل، ومرة لتتكامل معه في بناء المجتمع الإنساني، ورفضا لتأطيرها داخل إطار الجسد الذي لا تنظر المجتمعات الأبوية للمرأة إلا من خلاله.

إلى ذلك قالت د. عبيد إنّ المبدعة العربية ترزح تحت وطأة الهيمنة الذكورية، وتعاني نقص الوعي الاجتماعي بقيمة الذات واستجلاء كينونتها وهويتها نتيجة لنقص مساحة الحرية والهيمنة الذكورية التي تتخذ من الأديان والموروث الاجتماعي وسيلتها لتقليص دائرة المرأة وتشييئها واستلابها وسجنها في إطارها الجسدي، معتبرة أن معركة الإبداع النسوي وخصوصيته جاءت من هنا، ضمن ما تفرضه سنة التطور الزمني في إنجاح هذه الإيديولوجية وتحفيزها حسب درجة التشكيل الثقافي والاجتماعي والنفسي للروائيات والطبائع المجتمعية والزمنية لأعمالهن الروائية.

وبيّنتْ أن الأساليب الروائية النسوية تتباين في خلق لغتها الخاصة، وقدرتها على التلوي في اختراق أوار التابوهات والممنوعات الاجتماعية، مشيرة إلى أن الجسد صار محور النزاع ومصدره في الإبداع النسوي وخصوصيته بمحاذاة تطرّف السلطة الذكورية ومقاومتها للنهضة التوعوية التي قد تنتقص من هيمنته خضوعاً لفكرة وجود سلطة تابوهية مهيمنة وفكر انشقاقي تمردي يحاول استعادة الحقوق المستلبة، ويتخذ من الإبداع وسيلة لذلك.

وختمت عبيد بملحوظات أبرزتها في: التفاوت الواضح في درجة الوعي ودرجة التمرد، وطبيعة النهاية المتمثلة بدرجة تحقيق الانعتاق التي قد تقود إلى الموت كما في « وسمية تخرج من البحر»، إلى نكوص وفشل كما في « أنا أحيا»، أو انعتاق متطرف مفتعل كما في « خارج الجسد»، إضافة إلى أن الرواية النسوية ذات طبيعة خاصة، إذ أنها أكثر قدرة على تمثل عالم المرأة الداخلي.