لا ضرورة للدخول في تفاصيل ما يحدث في فلسطين، ولا يمكن فصل انتفاضة الأسرى في السجون الاسرائيلية عن الصراع الدموي الدائر في اكثر من بلد عربي. واذا كانت القضية الفلسطينية في مرحلة ما هي القضية الجامعة للعرب، فقد اصبحت هي القضية التي اختلف حولها العرب، بل التي تفرق من حولها العرب، بعدما تم اعفاء الأنظمة العربية من وهم المسؤولية التاريخية تجاه القضية بقرار عربي والحاح فلسطسني، بحيث تحول الصراع من صراع عربي – اسرائيلي الى صراع فلسطيني –اسرائيلي!!

اليوم، وفي تفاصيل المشهد العربي العام، لا يمكن الفصل بين المسألتين، أو بين ضفتي نهر الدم الفلسطيني والعربي، لأن المشروع المشبوه متكامل يراد منه تدمير الدول العربية وتقسيمها واضعاف قدراتها العسكرية والسياسية والاقتصادية، وتدمير كل ما هو مشترك بينها، حتى الهوية العربية، وبالتالي انهاء الصراع العربي الاسرائيلي على حساب قضية الشعب الفلسطيني بعدما تم تجريد القيادة الفلسطينية من كل خياراتها. وما بقي لهذا الشعب المحاصر هو الأمل الوحيد المنبثق من ظلم السجون وظلم الزنازين في المعتقلات الاسرائيلية، حيث يواجه الأسرى من كل الفصائل جلاديهم بامعاء خاوية واجساد عارية، بعدما فشل الاحتلال في كسر روح المقاومة والصمود.

اللافت ان هناك خطة جهنمية، بدأت مع اطلالة ما سمي بالربيع العربي هدفها تغييب القضية الفلسطينية وانتزاعها من الذاكرة العربية، ويلاحظ المواطن العربي العادي أن كل التنظيمات المتطرفة الأرهابية التي تم استنساخها من جينات الربيع العربي المزعوم أخرجت قضية فلسطين من خطابها السياسي، ومن شعاراتها وبرنامجها الخطير الذي تمحور حول الصراعات العرقية والمذهبية الهادفة الى تخريب مكونات ونسيج المجتمعات العربية، من اجل تحقيق وانجاح وانجاز مشروع التقسيم ونشوء الدويلات العرقية والطائفية في البلاد العربية.

وعندما ندقق في تفاصيل هذا المشروع الخطير والشامل نجد ان من اهدافه المهمة القضاء على العمل العربي المشترك وقطع الطريق امام كل مشروع نهضوي عربي يسعى الى التعاون أو التكامل، وقبل كل شيء الغاء الهوية العربية واخراج الأمة من التاريخ والجغرافيا معا. ولا شك ان المشروع بدأ باحتلال العراق لأن العراق كان بمثابة « بروسيا العرب « وهو منذ البداية يشكل العمق الاستراتيجي العربي في الصراع مع الصهيونية في مرحلة ما.

لذلك نرى في الحرب الواسعة التي تدور رحاها فوق الأرض السورية ما هو أخطر من الحرب الأهلية، لأنها تحولت الى حرب اقليمية ودولية لكثرة الأطراف المشاركة أو الداعمة للتنظيمات المسلحة المتطرفة، كما نلاحظ ان اهتمام الأدارة الأميركية ومشاركة قواتها المسلحة الغازية يتمحور حول فرض حدود ثابتة لأقليم كردي في الشمال السوري، كخطوة اولية على طريق التقسيم، وليس همها الأول هو القتال ضد داعش أو محاربة الأرهاب كما اعتادت ان تعلن القيادات السياسية والعسكرية الأميركية.

هذا المشروع الغربي الخطير الشامل الذي نتحدث عنه هو مشروع ولادة الشرق الأوسط الجديد المنبثق عن « الفوضى الخلاقة « الذي بشرت به الأدارة الأميركية منذ احتلال العراق. وهو في التهاية لا ينفصل او يبتعد كثيرا عن مشروع تسوية أو تصفية القضية الفلسطينية، التي تم تغييبها في خضم الحروب الاقليمية والتوتر الدولي وكلها صناعة اميركية، ومن نتاج ادارات البيت الأبيض المتعاقبة دون استثناء، ولكن في النهاية ارى انه من الواجب التذكير بان الرياح قد تجري كما تشهي السفن الأميركية، لأن الغزو العسكري والأنتصارات المؤقتة العابرة الظالمة قد لا تنجح في كسر روح المقاومة وصمود الشعوب، واعتقد ان صفحات التاريخ حافلة بالأمثلة والدروس والعبر، لمن يقرأ التاريخ جيدا.