لكل منّا –سواءً أكان ناقداً متخصّصاً أو متذوّقاً للأدب والفن- انطباعاته الخاصّة إزاء الأشياء والأشخاص والأمور والنصوص ممّا يسمع أو يقرأ أو يشاهد، وقد تكون هذه الانطباعات صحيحة وصائبة اعتماداً على خبرات الشخص نفسه في المجال الذي يصدر فيه أحكامه. وقد عرّف النقاد الأحكام الانطباعية بأنها تلك التي تصدر عن صاحبها بالاستحسان أو الاستهجان والاستنكار من غير أن يعرف صاحبها سبباً لأحكامه أو (ما تضيق الحجة فيه ويصعب وصول البرهان إليه) كما يرى القاضي علي بن عبدالعزيز الجرجاني، وإنما المعوّل في ذلك كلّه على أثر العمل الأدبي أو الفني في نفس القارئ أو السامع أو المشاهد.

وليس لأحد أن ينكر هذا اللون من ألوان النقد، لأنّ التأثر بالعمل والحكم عليه بالجودة أو بالرداءة ليس من اختيار القارئ أو السامع أو المشاهد، بل هو شيء واقعٌ عليه دون إرادته، وهو ممّا يستحق أن يحترم لأنّه قد يكون صحيحاً وصائباً.

ولكن إذا كان الناقد متخصّصاً ومحيطاً بمناهج النقد وأصوله وقواعده، فلا يجوز له أن يقيم أحكامه على الانطباع والتأثّر دون أن يسند تلك الأحكام لحجج وبراهين.

إنّ الأصل في الناقد المتخصّص صاحب المنهج أن لا يطلق أحكاماً انطباعية عامّة، فيقول: هذه القصيدة أو هذه الرواية أو هذه المسرحية أو هذه المقالة أو هذا البحث جيّد أو رديء، فهذه أحكامٌ لا تليق بالناقد الحقيقي حتّى وإن كانت أحكاماً صحيحة، ما لم تحدّد مواطن الضعف أو الخلل أو النقص في العمل الأدبي والفني وتفسّر كون ذلك عيباً فيه، أو تحدّد مواطن الجودة وتفسّر أسباب تلك الجودة، وتوجه الكاتب أو الفنان إلى وجه الصواب في الأعمال التي شابها الخلل.

قد تُسْمَعُ أحكام الاستحسان والاستقباح ممّن لا يملكون أدوات ومناهج نقدية ولكن لا يجوز الأخذ بها. أمّا هذه الأحكام فلا يجوز للناقد المتخصّص أو المفكر أو الباحث أن تصدر منه دون بيان أوجه الجودة أو أوجه الرداءة في العمل الذي ينقده، ووجه الصواب في حال وجود خلل أو نقص لأنّ الناقد المختصّ ما هو إلاّ قاضٍ عليه أن يستند في أحكامه وقراراته إلى ما اصطلح عليه الناس من قواعد وقوانين ومعايير وأمّا ما عدا ذلك فهو أقرب إلى العبث والهراء.

salahjarrar@hotmail.com