كان مما ذكره التاريخ من حوادث عام (1840) للميلاد أن جماعة من اليهود قتلوا في دمشق رجل دين فرنسي الجنسية مع حارسه السوري وصفّوا دماءهما لاستعمالها في فطيرة عيد تلمودي. وأنه قد قُبض على الجناة وصدر حكم بإعدامهم. وأن هذا الحكم لم ينفذ بسبب تدخل الساسة الفرنسيين الذين كان محمد علي باشا حاكم مصر حريصاً على نيل رضاهم.

ومما يذكر في هذا الصدد ان المتوسطين لدى حاكم مصر آنذاك كانوا يطالبون باعادة محاكمة الجناة الذين اعترفوا بجريمتهم. وأن محمد علي باشا لم يقف في طلب الرضى عند ذلك. بل اصدر مرسوماً بالعفو عنهم.

على أن مما تقوله الوثائق ان زعماء الصهاينة لم يقبلوا بورود صيغة العفو في مرسوم الخديوي, فأصروا على حذفها, لأن اثباتها دليل على حصول الجريمة وهم حريصون على ان لا يرد لها ذكر وان يضرب التاريخ صحفاً عنها.

والعجيب - فوق ما تقدم - ان الصهاينة تتبعوا كتاباً حول هذه القضية فاشتروا نسخة من الاسواق لولا أن اتاح الله له احد اقباط مصر فأخرج ترجمة له, قام بتقديمها علاّمة الشام الاستاذ «مصطفى الزرقا» الذي لفت النظر الى التقليد التلمودي بسفح دم «الجوييم» ولا سيما المسيحيين من اجل الفطير العجيب الذي لا يستسيغه ابناء يهوة (رب الجنود) الا بدماء الاخرين ولا سيما اتباع سيدنا عيسى عليه سلام الله.

نقول هذا أو نستذكره ونحن نرى الى دماء العرب الفلسطينيين وهي تسيل في اكناف بيت المقدس او تستنزف لفطيرة صهيونية بحجم الارض المحتلة سابقاً ولاحقاً. كما نقوله ونحن نرى الى بالغ نفوذ الصهاينة في الدول الغربية التي تدّعي المسيحية وتضمر التلمودية, والى ما نرى من اثار ذلك في مشرقنا العربي الاسلامي, ولا سيما في قابليات الامتثال أو الانخداع, وما تجرّه على أمتنا من اسباب الوهن والتخبّط والحيرة والذهول.

لقد نجحت الصهيونية في إلباس الذئب ثوب الحمل الوديع. وتمسكنت حتى تمكّنت, وباتت اليوم تمسك بأعنّة حكومات كثيرة في الشرق والغرب. لكن هذا كله الى انتهاء طال زمانه أو قصر. وما أن تدبّ عافية العقل والروح في أمة العرب حتى يكون هذا الهيلمان في خبر كان. وإن في حكماء اليهود أنفسهم من يرى ما نراه, ومن يتوقع لتجربة الصهيونية في اقتحام بلادنا أن تنتهي قبل منتصف قرننا هذا أو أواخره على أبعد تقدير. وسواء أكان حكماء اليهود هؤلاء يرون أن مملكة اورشليم في السماء لا في الارض, أم كانوا يرون ضرورة تماهي اليهود مع ابناء الامم على معنى الاخوة والمساواة – بعيداً عن الغرور العرقي – فإنهم يمثلون حالة ينبغي نحن العرب والمسلمين الافادة منها, هذا إن استطعنا أن نرد غائلة الذهول التي تغتال منا العقول وتكاد تبسط عتمتها على واقعنا الثقافي والسياسي, وتجعل من مجموع الامة كلاً أو عالة, في الصغيرة والكبيرة على اعدائها المتربصين بها..

حقائق تذهب دلالاتها في اتجاهين رئيسين, احدهما يتأدّى بنا الى معرفة (هي وعي الضرورة) بأعدائنا وبما يبيتون ويمكرون, وثانيهما يفضي بنا الى تلمّس قوانا الذاتية ومكامن ارادتنا كي ندفع ذلك ونرد من يتولّون كبره خاسئين.