الانسان شغوف بنفسه قبل أي شيء آخر, وهو يتعبدها, ويتملقها ويكثر النظر اليها والارتحال في مرآتها. وكل ما يشغل الانسان عن هذا الهوى المتبع فهو مقيت عنده, ما لم يرق الى أفق اعلى ويرتفع الى مقام اسمى يتجاوز بين يديه ذاته الضيقة الى ما يمكن اعتباره ذاته الواسعة التي ينطوي فيها العالم الاكبر:

أتحسب انك جرم صغير وفيك انطوى العالم الاكبر

هذه الذات المتراحبة التي تتمثل الآفاق: «في الافاق وفي أنفسهم» لا يخلص اليها أحدنا الا بعد مكابدات معرفية ووجدانية, والا بعد تمحيص وتمحيص. وحين يكون ذلك فإن العالم كله سيغدو مرآة للنفس, وستجري على حرم الردح توسعات تنبعث خلقاً آخر في آمادها, وتهزج مغتبطة في ارباضها, ويصير القلب قابلاً لكل صورة ومثابة لكل حقيقة, ولا يعود شيء في الارض ولا في السماء الا وهو مستراد للمحبة ومطلب للعرفان..

حال ينكشف فيها عن أحدنا غطاؤه فيبصر ما لم يكن يبصره من قبل, وتتبين له افلاك ما كان له ان يحدس بوجودها, ويستقر وعيه الكوني على طمأنينة الايمان بالرحمن الرحيم, ويدخل في اولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

بيد أنها معارج ومباهج لا تتأتى من اقرب سبيل, ولا تكون الا بعد أن يغيّر احدنا ما بنفسه, ويتهيأ بتزكيتها للواردات والنفحات. فالله سبحانه «لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم» وحتى يستبدلوا بخمولها انطلاقاً وبارتهاناتها انعتاقاً, وبضيق العطن الذي ترتع فيه آفاقاً وآفاقاً.

والنفس الانسانية أشبه شيء ببركة الماء, تتخايل فيها الشموس والاقمار ما بقي طميها في ظلمة قيعانها, فاذا اعتكرت وجاشت رواسبها, فلا شموس, ولا اقمار ولا سماوات. ولكن عتمة واقبة تعتمل فيها الاوضار والاقذار, وتتصارخ فيها الشياطين. ومن يستبدل الكفر بالايمان فقد خسر نفسه وما ربّك بظلام للعبيد.