حين أذهب للكرك, تقول لي العجائز هناك:- عفيه النشمي.. وأنا أفرح لأوصاف العجائز, وأغادر الكرك برتبة نشمي مع سبق الإصرار والترصد.

وأحيانا حين أذهب إلى السلط, وأصادف رجلا لم اشاهده منذ أعوام ونتبادل أطراف الحديث يقول لي في ختام الكلام:- والله شيخ أبو مجلي.. واخرج من السلط برتية شيخ.. مع كامل امتيازات المشيخة.

وقبل أعوام دعاني صديق من البادية الشمالية إلى وليمة في البر وهناك أوقدنا نارا, وقمنا برشق ثلة من الصليات في الهواء..احتفالا بالنار حين شبت.. النار أيضا على وهجها, تستطيب النفس الرصاص.. وطلب مني صديقي الرماية فرميت.. دون تحديد هدف, فما كان منه الا أن قال لي:- ذيب أبو زود.. وانا فرحت كوني ذئبا, وخرجت من هناك برتبة ذئب مع كامل.. مستلزمات الشراسة, لدرجة أن دورية طلبت مني التوقف على الطريق ولم أتوقف.. الذئاب هي الوحيدة التي لا تطع أمرا, فقد روض الإنسان كل حيوانات الدنيا وجعلها أليفة إلا الذئاب, وأنا ذئب كما وصفني صديقي ولا يجوز أن أقف..

وأتذكر أني ذات مرة, زرت قاسم العتوم في جرش, واسمعني سلسلة من أشعاره العذية, وضرب على العود, وقد اطرب صوته كل الشجر هناك.. وأنا حين شعرت بالنشوة قلت لقاسم: أنت يا رفيق روح البلد وتجلياتها.. فما كان منه الا أن قال لي:- (انت ابن حر وبر).. وخرجت من جرش أفكر بالكلمة.. وأنا في داخلي أعرف ما يعنيه قاسم, وقررت أن أذهب إلى رم فهناك البر وهناك الحر ولهيب الشمس.. وهناك سأطوع الرمل على خطى قدمي.. فعلا أنا ابن شرعي للبر والحر.. ولكن سؤال هل يستلزم ذلك مني آخذ (واقيا للشمس) ..أنا أفضل واق ماركة ( لوريال) فهو يدوم ساعات طويلة.

أمس في احد المولات, شاهدت سيدة ستينية تحمل أكياسا كثيرة, وقلت في داخلي سأساعدها, وفعلا حملت كل الأكياس على ظهري.. وأوصلتها للسيارة وقالت لي بفرح غامر: (إنت كتير جنتل ومهضوم).. جنتل أعرفها ولكن ماذا تعني كلمة مهضوم ؟ شعرت لحظتها بأني وجبة هامبرغر.. لكن لا علينا فمن المؤكد أنها أرادت مدحي..

لقد تهت في هويتي فأنا شيخ, ونشمي وفي بعض المرات ذئب.. وابن حر وبر. .وجنتل ومؤخرا تبين أني مهضوم... يبدو أن الأوصاف هي الشيء المجاني الوحيد في حياتنا, لهذا تهت في ذاتي..

على كل حال الشعب حين يصرف لك وصفا, يبقى أبلغ من كل الأوصاف الأخرى..

للعلم تعجبني كلمة (ذئب).. على الأقل تجعلني أهيم في المقال تماما مثل طوافي في الغابات بحثا عن فريسة..