ابواب - وليد سليمان

كتاب (آل ..عمّان) حمل بين صفحاته ذكريات عَمَّانية للإعلامي والسياسي الأردني أحمد سلامة، الذي عاش متنقلاً بين صحف ( الرأي )..وقبلها (الاخبار) ثم أخيراً ( الهلال ) الاسبوعية , ثم البلاط الملكي الأردني موظفًا ومستشارًا.. قبل أن ينتقل إلى وظيفة مماثلة في البلاط الملكي البحريني .

وكتاب أحمد سلامة ( آل .. عمان ) الذي صدر عام 2016 في عمان والذي قاربت صفحاته على 500 صفحة ، أعطى مساحة كبيرة لرموز الصحافة والادب والفكر والثقافة والتعليم الجامعي والاجتماع والسياسة الأردنية ، التي كان من بينهم : رؤساء حكومات و وزراء ونواب ...الخ .

وفي عرضنا هنا للكتاب يصعب علينا ان نلم بكل أو أكثر مواضيعه الحارة والهامة وبالذات المواضيع والذكريات السياسية !! لذا سوف نقتصر في عرضنا هنا للبعض القليل جداً من المواضيع التي ذكرها المؤلف احمد سلامة حول ذكرياته عن الجامعة الاردنية وجريدة الرأي والأخبار الأردنيتين , وعن بعض المشاعر التي تطرق إليها حول قاع المدينة في عمان .

الجامعة الأردنية الجنّة الأولى !

ففي الفصل الاول من كتابه يقول الكاتب احمد سلامة عن الجامعة الأردنية أنها :

الجنّة الأولى, وعمّان الأولى, ودرب الحب الأولى.. الجامعة الأردنية .. كانت منارة الوعي, وأول المجلات الأسبوعية, وأول رائحة الكتب في دائرة المراجع, وأول المحاضرات.

إنها الجامعة الاردنية !! كيف تعلمك الجامعة «التحضر في التعامل مع المرأة « دفعة واحدة ... حين تجتاز عتبتها تصير شيئاً آخر!؟ .

إنها الهوية, ورزمة الكتب و الباص الأصفر ( الخاص بالجامعة الأردنية ) الذي يُقلك من قاع المدينة , حتى بابها... بسعر خاص, كلها تمنحك ذلك الشعور, المتوحد, المندمج, في جو أسرة واحدة أو قبيلة واحدة من كل الاصناف, والأطياف ... لكن للجامعة رئيسها ونشيدها وسحرها .

مرة أخرى, أود اعتماد «الصورة بالقلم», الذي علّم به الإنسان ما لا يعلم, رسم الجامعة الأردنية «الفردوس الأردني» الأول في حياتي... صورة من الذاكرة تجعل منها صورة دائمة للحياة.

سري ناصر والخدمة العامة !

لقد استهل د. سري ناصر, مسعاه للحرية وتبجيله للعقل, باستفزاز الطلبة الجدد مطلع كل عام ... يبدأ ذلك العملاق الاصلاحي, الذي لا حدود لعبقريته, بالتحدي العقلي لطلبته, ليدرك معه الطلبة في نهاية المطاف تقدم الوطن, واحترام الحرية, وتقدم العقل لبلوغ الايمان بالله .

وتبدأ كتائب سري ناصر, وسراياه, باقتحام عالم المحافظة والتخلف ليصنع ما عرف بالخدمة العامة... طلبته وحده سري ناصر, وكان على رأسهم, يخلط الاسمنت ويعدّ الجبلة, ويحمل الحجارة, في جبل النزهة, ووادي سرور, والوحدات, والعقبة.

كان يصنع ثورة اجتماعية بالطلبة مثل ثورة (هربرت ماركيوز), لكنه كان يؤمن بالتطور.

لقد صنع سري ناصر لعمّان, مواقف باصات, وحدائق عامة ونظف الميناء بالعقبة, وخضَّر الشوارع بالزرقاء ومأدبا واربد .. وكان هذا الثائر الاجتماعي العالِم .. قد أنجب من صلب عقله أبناء وبنات , كانوا مثالاً في الحب للوطن .. كانت عمّان حبه وشغفه.

من ينسى مها أبو جضم وهي تحمل الإسمنت على كتفها في جبل النظيف.. وابراهيم أبو هليل الذي جعل منه سري ناصر قائداً طلابياً جماهيرياً فذاً .. قبل ان يستدل المجتمع الامريكي على معنى المساواة ويقبل برئاسه «أوباما».

كان طلبة سري ناصر, مسلمين, ومسيحيين, وشركس, وأغنياء فقراء وأبناء مخيمات لا فرق, بيض شقر وعيون زرق, وسود مثل كل أبانوس جميل, صبايا مرايا, وشبان فُل.

من ينسى منى صيام, وسوسن مدانات, وفتون النابلسي وبسمة الخطيب ودينا كباريتي وابراهيم أبو خليل, ومؤيد حسين, ومحمد شاهين, وقبلهم كان من زرع في قلب عصام العجلوني, روح التفاني بالخدمة العامة, هو سري ناصر.

آن من ضيع ذاكرة عمّان, هو من نسي مكافأة ذلك الشهم العالم سرّي ناصر, في كبرته الحلوة المذاق.

دكاترة وطلاب نجوم النهضة !

كان الدكاترة : أحمد ماضي, وعلي المحافظة, وعدنان البخيت, وعوض خليفات, ظواهر النهضة في كلية الآداب, كلٌ في ميدانه وتخصصه.

لقد فتح أحمد ماضي, مع عادل ضاهر, فيلسوف لبنان, زميل حسين مروة, كوة فلسفية في عقل الجامعة, كان أحمد ماضي, ثائراً يسارياً طافحاً بالنشاط, يمشي بخيلاء العالِم, تُكلله كشرة لا تفارقه, يعبث بنظاراته دائمة السحول عن أنفه... متورد الوجنتين, ماضياً لهدفه دون تردد لقد أضحى لقسم الفلسفة رئيساً, ليس ما كان قبله, قابلاً للتكرار, لقد أدخل على الجامعة, معنى لائقاً بتعليمه الفلسفة.

ومن بعد أحمد ماضي, تفلسفت كلية الآداب, وأضحت تنافس نجوم العلوم والتجارة معاً, في اجتراح علوم جديدة, ونجوم جديدة.

أما علي المحافظة (السوربوني) ذلك المؤرخ والدبلوماسي, وكاتب الصحافة, فأنه أدخل صفة الدفء على أصعب الحكايا تركيباً في التاريخ المعاصر, وكان استهلاله كلمة (مولانا).. إيذانا بزخة نقدية يرشقها في وجه الطلبة, حاثا إياهم على التنقيب والتدقيق, علي محافظة كان أكثر أساتذة الجامعة الاردنية ديمقراطية واحتراماً للآخر .

وكان علي محافظة هنيئاً أو «هني» بالتعبير الانساني, لا يزاحم ولا ينافس, وقنوعاً في كل شيء ولقد ظل علي المحافظة وهو ينقب في العلاقات الألمانية الأردنية, والفلسطينية, من كان له شرف التنقيب عن أخطاء القيادة الفلسطينية الدينية مبكراً بقيادة المفتي «أمين الحسيني», واسهام تلك القيادة في حرف النضال الفلسطيني من نضال وطني إلى «صورة دينية», لم تنل عطف العالم, وخسرت القضية الفلسطينية شرعيتها بسبب تدين قيادته .. و كان دوماً لديه الجديد .

والدكتور عوض خليفات, بوقاره الأكاديمي, فتح باباً علمياً للإطلالة على خفايا وأسرار الخوارج, وما اختص به من فرع الأباضية.

كانت الأباضية فتحه هو, وبوابته المعرفية هو, على علم في التاريخ لم يكن قد طُرق على نحو ما في الجامعة قبله.

والدكتور عدنان البخيت... حدوتة وطنية, وحكاية, لا يتسع المقام له هنا إلا في باب إنه موزاييك الجامعة, كان قد ظفر عدنان البخيت فيه بقضايا ثلاث مبهرة, خطفت عقول الطلبة, وأشجارها الباسقة ساقاً بساق... لقد عرّى ولاحق حضارة العسكر في تاريخ الأمة العربية وحمّلها تبعات بعض ما وقع لأمة العرب من مآسٍ, مؤصلاً هذه الظاهرة تأصيلاً تاريخياً بعيد المدى.

وهل نستطيع هنا ان نسرد ما ورد في هذا الفصل الأول من كتاب الصحفي أحمد سلامة منذ إلتحاقه طالباً بالجامعة الأردنية منذ سبعينات القرن الماضي وعن الطلاب والموظفين والعلاقات ما بينهم وبين الدكاترة الذين سرد الكثير من المعلومات والمشاعر عنهم من مثل: ( كامل العسلي, عزت زاهدة, ابو غازي اللوزي, عبدالسلام المجالي, ليلى عرفان, رفعة يونس, عبد الشحام, الشيخ عبدالله عزام,محمود ابراهيم, منى صيام, سوسن مدانات, فتون النابلسي, بسمة الخطيب ودينا كباريتي, ومحمد شاهين, عصام العجلوني, فيروز حسني فريز, خيرية ياسر عمرو, تريز الريان, فرج الطميزي, منير حمارنه, ساميه نفاع, وضاح الخطيب, مها النجار, صبري ربيحات, زهير النوباني, فهمي جدعان, فوزي غرايبة, محي الدين توق, هبة النابلسي, ناصر الدين الأسد, عبدالكريم خليفة, كامل ابو جابر, منذر عنبتاوي, محمد الرواشدة, علي عامر, قاسم توفيق, معين قسيس ... والكثير من الآخرين ) .

إنها الجامعة الاردنية . . جامعة الورد والزيتون والجوري وأبو غازي اللوزي وعبدالسلام المجالي ومنذر عنبتاوي وعبدالوهاب البرلّسي, وزير صحة عبد الناصر, ونائب «أبو سامر», للشؤون العلمية, وليلى عرفان وجهاد علاء الدين..حتى الجامعة الاردنية... جامعة غازي المفتي خطاب ومدرج سمير الرفاعي . . محمد الحلاج, وسري ناصر أمين محمود وعصمت غوشه ورفاقه ابراهيم عثمان ومحمد يوسف علوان... جامعة محمود ابرهيم وعدنان البخيت وعبدالعزيز الدوري ومحمد عبد عزام,ومسز خيري ,والآنسة سيرسا حكمت.

الجامعة الاردنية جامعة عدنان بدران الذي كان مدهشاً في تفاعله مع طلبته يأتي مستحقاً إياهم في تصفيات دوري الجامعة.

حتى الجامعة الأردنية جامعة.. عبدالحميد الصباغ, ومحمود السمرة وامين بازوكا وزهير النوباني... وأناقة حسين عطوان ومناكفة فواز طوقان, وصمت نصرت عبدالرحمن وعبقرية نهاد الموسى, وانفتاح سمير قطامي.

الجامعة التي تجمع !

لم تكن تقبلنا نحن أبناء المحافظات النائية مثلما تقبل أبناء عمّان وبناتها...

كنا نسعى اليهم.. وكانوا يتجنبون رفع التكليف فيما بيننا إلا ما ندر..

من الطفيلة.. حتى نابلس, ومن اربد للقدس ومن السلط حتى جنين كنا جميعاً نحس أننا ضيوف على أبناء العاصمة.

نحن نستأجر البيوت للسكن ..وهم أبناء عمّان يعودون الى بيوتهم الأزلية... التي بدت لنا أن عمرها ألف عام.

كنا نركب الباصات في معظمنا, وهم يأتون بالسرفيس لأنهم أو أنهن من جبل عمّان أو الشميساني أوالحسين, أو الوحدات أو النصر.

نحن نأكل وجبة الغذاء في المطعم, وهم وهن يعودون الى المنازل يتغدون يسترخون ثم يعودون لمحاضرات المساء.

كانت الدنيا لم تزل بعد موزعة بين الطلبة « أبناء المدن», وطلبة أبناء أهل «الحضر». كانت الشوكة والسكين والشوكولاته لهم.. وكنا لم نزل بعد في طور «الملعقة» والكنافة والأرز بالحليب..!!.

وباشروا هم يتدربون على الاسكواتش والبيانو في الجامعة .. وكان معظم ابناء المدن والفلاحة يتدربون على الدبكة الصاخبة, والشبابة ويلعبون تنس طاولة في أحسن الاحوال..! وكانت الملابس هي بنوعيتها من تصنف الطلبه.

ابن العشي وبنات الطاهر وبنت نفاع ابن جابر والمصاروة والقباعة بنت تركي والكردي بنت السالم وبنات الحجاوي وبنات كنعان.

ابن الكردي وبنات المصري .. ابن الكباريتي والمجالي(العمّاني) كانت كل ملامح هؤلاء أزياء وأراء وثقافة ينتسبون الى عالم غير عالم أبناء وبنات المحافظات ...الخ .

البداية في جريدة الأخبار

وكان الصحفي والاعلامي والدبلوماسي أحمد سلامة قد بدأ بكتابة بعض المقالات في مجلة الحائط مجلة الطلاب في كلية الآداب بالجامعة الأردنية.. ثم يذهب بعد ان تخرج من الجامعة الى جريدة الأخبار فيقول مستذكراً:

لم يكن في حقيبة مؤهلاتي ما يتوفر لصاحب هذا التخصص سوى المهارة اللغوية وأنا أصعد درجات صحيفة الأخبار.

تلك الصحيفة اليومية في السبعينات كانت مكاتبها في شارع وادي صقرة في عمان .. وعندما دخلت الجريدة كان الرفيق الحبيب عبدالرحمن المجالي في انتظاري يجامل الاستاذ عدنان الصباح يرحمة الله, أحد أهم أساتذة الجيل في الصحافة آنذاك.

ويقدمني عبدالرحمن المجالي ويسبغ عليَّ صفات بدت أنها مجاملة ليفسح باب فرصة للاهتمام بي .. وقد بديت كطالب جامعي دون اللحم والشحم والخبرة والنظرة المستقبلية.

وكان ذاك الأشيب الأنيق فؤاد النمري مالك الجريدة عملياً لكن ترخيص الصحيفة كان لراكان المجالي وكان سيف الخلاف والتفاوت في الرؤى قد صار مفتاح العلاقة بين الرجلين.. وكانت الصحيفة تشهد معارك يومية على الصرف والنشر.

وتم استدعاء الزميل محمد كعوش قائلاً له: الأخ احمد سلامة معانا منذ اليوم وهو محرر صفحة الجامعة, وأحمد ألمع طالب في الجامعة, سهلوا مهمته وعرفوه على المُخرج .

فالأخ سمير الحباشنة يحرر صفحة زراعية, ويحيى (أمجد ناصر) في صفحة الثقافة وكذلك زهرة عمر, ومحمد داودية في صفحة المواطن كما أظن, وكان يكتب زاوية تحت اسم مستعار هو نانسي.

وباشرت تحرير الصفحة الجامعية.

وهناك تعرفت على العديد من الكتّاب والصحافيين مثل إدوارد حداد والقاص خليل قنديل وغيرهم.

وكان لراكان المجالي فضل الاستاذ في تعليمي فن السبق الصحفي.. فقد كافأني أول عشرين ديناراً حين انفردت الأخبار بنشر خبر ولادة سيدة على الجسر؟!.

الرأي.. أول الحب أول الصحافة!

في صدرجريدة الرأي حيث تضعك الدرجات الرخامية المرفهة على المدخل في مواجهة مباشرة مع مكتب المدير العام وتوابعه, كان يومها توفيق كيوان وأحمد حمو يعملان في معية «الحاج», أي جمعة حماد هكذا كان لقبه, كلنا نقول «عمي الحاج» والبعيدون يقولون الحاج جمعة.

و بإنعطافة العين الى اليمين بلحظة واحدة, يقتحمك الرفاه والفخامة

الكردور او المدخل, المدجج بالموبيليا الفاخرة .. فيه ونسة وظل عتمة, يأخذك وسط إضاءة ناعسة تنبثق بسرية من السطح, وتحفها الموبيليا من كل إتجاه, الى مكتب رئيس التحرير, الذي أفضت السيادة فيه لسنوات موصولات لمحمود الكايد, وان غادره إضطراراً فأن المنطقة تتعرض كلها لزلازل سياسي هائج وتصير عودته وكأنها مطلب جماهيري عارم وتحصيل حاصل .

و يداوم محمد العمد قبله بنصف ساعة.... وحدث ذلك مرات عديدة كان رواح محمود الكايد عن الرأي يبدو بصورة اللارجعية, لكن يحدث ما يحتم الرجوع ويعود, ولقد كانت هبة نيسان عام 1989 أبرز تلك الأمثلة على ما أقول, حيث بدت في نتائجها وكأنها خصصت لإزاحة راكان المجالي وراضي الوقفي وانتشال محمود الكايد ومحمد العمد من اليأس .

وقبل ان تدخل الى مكتب جمعة حماد, حيث يستضيفك كتاب الأغاني لأبي الفرج وأعز كتاب في الدنى كتاب الله سبحانه, يحتفي به عمي الحج في أسمى مكان بمكتبه, الرف المقابل لكرسيه, كذلك علبة سيجار فاخرة للضيافة, وبعض حين إن أخذه الذهول بالفكرة أو الفكر لقادم زائر فيشاركه ذلك الكبير بواحدة من سيجاره, لايكملها عادة, كان يفعل ذلك على وجه الحصر إن زاره السامق في رزانته وعلمه طاهر حكمت وكذلك يفعل ان زاره حسن التل او محمود سعيد, وتضمنت مكتبته بعض كتب بالالمانية والإنجليزية خاصة الاستشراقية منها وما يخص بئر السبع وسيناء, بشراً وحجراً وخيمة وتراثاً وسلاح بداوة.

كان عمي الحاج مسكوناً حد النحيب بشوق الى تلك الديار, فما خذله وعيه ولا فرت منه حدوسه, ذلك الشامخ الذي علمني أعز حكمة في الكون «الموهوب لا يضام» وأكمل «الواعي يا سلامة من يشمشم الوعي بالقلم, ويأخذ بيد صاحبه, لا ان يكسر له يده أو يكسر القلم حسداً وغيرة», ويختم : «القبيلة حصن الانسان في دمه وعرضه, لكن القبيلة الأسمى هي قبيلة الوعي وهي باب الحياة».

في عمان قصص!!

في عمّان قصص, لا تجدها الا فيها فهي مدينة كبيرة بقلب «حميم» ورجالها يعرفون بعضهم بعضاً, وحين تذهب إلى عرس أو جاهة, أو أي زقاق فإن أبو اصطيف «القطائفي» أعلى درج الكلحة, في وسط عمّان يعرف القادم للشراء قبل الافطار .

عمان .. هذا الصحن المقبب بالحب وبالدهشة في قاع العاصمة, كان قمة الجمال , وقمة البهجة. في عمّان الرجال والاماكن والمساكن والجبال.. ومطعم هاشم والشمعة من قبله, وبائع حلويات سحلول, والكفيف بائع السجاير, وأبو العبد بائع الورد , «وغارو» الارمني أبو الساندويشات ذائع الصيت , ومحمص بسمان, والكيني بائع فستق العبيد. «وطبوق» بائع الصحف بالمناداة على المانشيتات, وأبو علي كشك الثقافة, ونبيل الحلاق الدهري, وسينما الخيام , ومقاهي العاصمة التي سادت ثم بادت , و الكت كات واليوناني والفينوس والسلمون ومطعم السردي وجبري ومن ثم القدس.

وبدت عمّان في ثمانيناتها, ومن قبل أواخر السبعينات حتى اول التسعينات مدينة ثابتة الملامح, في رجالها وأماكنها وصفاتها وحتى في إشاعاتها وطرائفها .. حتى «الحن», الذي كان يبيع البخور والحناء, والزعتر والجميد في مدخل شارع البتراء خلف جامع الحسيني بدا دهرياً لن يموت.

علاقات الرجال بالرجال, والسيدات بالسيدات, بدت هي الاخرى, من ملامح عمّان التي لا تقبل أن تقفز على ما فات, وكأنها تتشبث به تشبث الحزين والقلق على فقدان عزيز أو مقدس.