خلال أسبوع واحد أفتى الشيخ يوسف القرضاوي بفتوتين أثارتا جدلا سياسيا ودينيا واسعا ، خاصة أن الفتوتين جاءتا تعليقا على حادثتي تفجير الكنيستين القبطيتين في الإسكندرية وطنطا ، و على تطورات الأحداث في سوريا.

الفتوى الأولى جاءت على شكل تغريدة له تعليقا على تفجير الكنيستين وقال فيها « لم تعرف مصر طوال تاريخها تفجيرات تستهدف جزءا من المواطنين، إلا في عهود الاستبداد، التي لا توفر الأمن ولا الحرية ولا الحياة الكريمة» ويقصد فيها أن هذه التفجيرات التي تستهدف الأقباط وكنائسهم ما هي إلا نتيجة للاستبداد السياسي في مصر في عهد السيسي ، وهو ما اعتبره الكثيرون على انه تبريرا لهذا الإرهاب ودعما له ، وبسبب ردود الفعل الغاضبة تلك قام القرضاوي بحذفها ونشر واحدة أخرى قال فيها « ندين كل اعتداء على الأنفس الآمنة، ونؤكد أن هذه الجرائم تتنافى مع الشرائع والأخلاق والأعراف، ولمن قام بها عذاب عظيم».

أما الفتوى الثانية والتي تعد الأكثر خطورة والتي تعمق الشيخ القرضاوي من خلالها في تبيان قواعد وقوانين وشروط « العمل الانتحاري ، قال القرضاوي ما نصه ( الأصل في هذه الأمور أنها لا تجوز إلا بتدبير جماعي ، يعني الأصل أن الإنسان يقاتل فيقتل ، إنما ولكي يُفجر نفسه ، فلا بد أن الجماعة هي التي ترى أنها بحاجة لان يفجر هذا الشخص نفسه بالآخرين ، فيكون هذا الأمر مطلوبا ، عندها فان الجماعة تدبر كيف يمكن عمل ذلك وبأقل الخسائر الممكنة ، وإذا استطاع أن ينجو بنفسه فليفعل ، ولكن لا يترك هذا العمل للأفراد ).

من تلك الفتوى نستنتج وفقا لفكر القرضاوى وجذوره الممتدة من أبي الأعلى المودودي وصولا إلى سيد قطب اعتباره العمل الإرهابي عملا مشروعا وجائزا ضد « السلطان الجائر والسؤال من هو هذا السلطان ؟ وما هي خطورة تلك الفتوى « المفتوحة « على معايير الجماعة وقوانينها ؟

وفي كل الأحوال فان الفتوى عملت على ما يلي:

أولا: شرع القرضاوي بفتواه هذه كل الأعمال الإرهابية ضد أي نظام سياسي تحت تصنيف « جائر « أي انه لم يتبع ملة الإرهاب والارهابيين وعقيدتهم الشاذة.

ثانيا: لم يكتف « بشرعنة « الإرهاب والقتل بل فرض ضرورة أن تكون هناك جماعة أي « تنظيم « هي أو هو من يقرر العمل ووقته وظروفه وطريقة تنفيذه ، اى بمعنى آخر إعطاء الشرعية الكاملة لكل التشكيلات الإرهابية الموجودة اليوم على الساحة العربية والإسلامية من القاعدة وطالبان مرورا بداعش وغيرها وصولا للبوكوحرام باعتبارها تقوم « بما أمر الله « ، وفي تشويه فظيع لروح الآية القرآنية التي تقول ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) والتي اتخذ منها وعاظ « التكفير والإرهاب « حجتهم في دعم نظرية « الحاكمية « أي ان الحكم لله وحده ، وان من يخالف تلك الآية فهو كافر ، في حين أن هذه الآية في الأصل نزلت لمخاطبة يهود المدينة في قوله تعالى ( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) صدق الله العظيم.

ثالثا: وبناء على فتوى القرضاوي فان تلك الجماعات الإرهابية التي سماها « الجماعة « تملك الشرعية التامة والكاملة في تصنيف اي نظام سياسي أو دولة بأنها جائرة أو كافرة ، وبالتالي يحق لها استهدافها واستهداف المدنيين العزل فيها ، وهو عمليا ما يحدث في العراق وسوريا ومصر وفي أوروبا وغيرها.

رابعا: رفض القرضاوي التصرفات الفردية أو الاجتهاد الذاتي في تنفيذ أعمال إرهابية ، ونزع عن ما نسميه نحن بأعمال « الذئاب المنفردة « ، صفة القبول بها واعتبرها غير شرعية ، والسؤال هنا لماذا ؟

القرضاوي وهو من أهم مفكري الإخوان المسلمين واحد كبار رجالات « الجماعة « يؤمن ان قوة التنظيم هي مسالة مهمة للغاية عملا بفكر أبي الأعلى المودودي وفلسفته في بناء التنظيم وقوته.

استذكرت استاذي المفكر العربي الكبير الدكتور علي الوردي في هذا المقال واستحضرت العنوان من كتابه « وعاظ السلاطين « الذي يعد جوهرة الفكر الاجتماعي العربي بعد مقدمة ابن خلدون واعتقد انه لو عاش هذه الأحداث لكان قد أذهلنا في تفسير ظاهرة وعاظ الإرهاب.

Rajatalab5@gmail.com