د.بشرى البستاني *

تتواتر موضوعات التعبير بالجسد وعنه في الأدب، ويكاد يتفق الجميعُ أن الروائية العربية أكثر جرأة من الشاعرة في التصدي لهذا الموضوع الخطير. ولعلَّ من الموضوعية الإشارة هنا إلى أنّ القضية ليست قضية جرأة بقدر ما هي قضيةُ رؤية للأدب ولماهيته وطبيعة وظائفه، وهي موقفٌ من القيم والمنظور إليها.

إن اللغة الشعرية، ليست متوالية لفظية تمنحك معنىً مباشراً، بل هي الاستعمال غير الدارج وغير المألوف للّغة، وهي المنزاح عن الاعتيادي.. والعلاقة الجدلية بين دوالها ومدلولاتها تنتج دلالات ذات طاقة جمالية هي ناتج الطاقة الفنية الكامنة في التشكيل النصي ذي القدرة على بثِّ قراءات ودلالات عدة، وعليه فما قيمة النص الآيروتيكي إن وصف لنا غرفَ النوم وما يجري فيها بشكل مباشر ولغة إباحية طينية ماجنة، وهل في هذا ما يثير الدَّهشة اليوم بعد أن شاعت صور العري في الصحف والمجلات والأفلام والمسلسلات والفيديوهات والأغاني حتى فقدت الأغنية وظيفتها الأساسية في منح متعة سمعية والتَّأمل بدلالتها حين تحولت لمشهد بصري عارم بالإثارة والإغواء والملاحقة، دون أن تعرف من يغوي مَن ولماذا؟

ويتناسى كثيرون أن الفنون تفقد قيمتها حالما تفارق القيم الراقية، وأن الجمال لن يكتمل إلا حين يكون مندمجاً بالقيمة كما أكد الناقد الروسي يوري لوتمان. أما بالنسبة للرواية والشعر، والشاعرة والروائية في التعبير عن هذا الموضوع، فيمكن القول إن هذا الرأي مأخوذٌ بعمومية ابتعدت عن الرؤية التحليلية أولاً، وأن الرواية الراقية تشكيلاً ومقاصد كالشعر الجيد لا يقربها غير النخب، وأقرب مثال على ذلك روايات إدوارد الخراط وبعض روايات صنع الله ابراهيم، فقد قُدّر للفن الراقي أن يكون نخبوياً، ذلك أنه ليس مقالة ولا موضوعاً أيديولوجياً وإن اقترب من موضوعات تكتنفها الأدلجة اضطراراً كالموضوعات الوطنية.

أما الرواية التي تُكتب بلغة الصيرورة الأفقية المسترسلة بسردها بعيداً عن كينونة الشعر وكثافته وترميز لغته الشعرية، فقراءتها حتماً ستكون أكثر سهولة واسترسالاً. إن الروائية على الأغلب تبوح أفقياً مما يجعل بوحها واضحاً، ومدرَكاً بيسر، بينما لا يبوح الشعر الأصيل إلا بلغة شعرية تَتخفّى وتُخفي، وقد يحجب النصُّ الشعريُّ أسرارَه حتى عن مبدعه أحياناً، مما يجعل قراءته بحاجة لمعارف ولأفق ثري وجهد قرائي يبحث ويتأمل ويؤوِّل ليفكَّ التَّشكيلات التي تحيل على مقاصد النَّص ودلالاته، وهنا نجد الشاعرة قد قالت كل شيء بإيحاء اللغة الشعرية، وعلى المؤول أن يتوقف ليكتشف.

ومن جهة أخرى، فإننا نجد نموذجاً آخر من شعر الآيروتيك يبوح بصراحة حسية تمنح المتلقي كل دلالاتها دون عناء، وقد صار لهذا الشعر وحسيته وكشفه مواقعُ ومنتديات ومشاهد تلفزيونية وأخرى على شبكة الإنترنت، لكن النقد أحياناً يستسلم لأحكام جاهزة تجعله يغادر عناء البحث عن الحقيقة في قراءة النصوص والتنقيب في المجموعات الشعرية والعمل على الحفر في الرمز والأسطورة، وفي التناص كذلك. وقد يجد المستوى التأويليَّ لهذا البوح في الشعر الصوفي الذي كتبته وتكتبه الشاعرة العراقية والعربية.

ولأني مع منْ يرفضون الكشف والعري ولغة المجون أرى أنه لا يمكن للأدب الأصيل ذي القيمة الفنية العالية أن ينزلق في مادية طينية مطلقة بعيداً عن محور ارتكازه الروحي والقيمي.

إن رحلة التعري الجسدي في الغرب رافقها تعرٍّ وتسطيح للكتابة، لأن التَّعري والمباشرة يسلبان النص طاقته الإيحائية ويوقفان تعدد الصور التي ترسمها المخيلة بتأثير الإشارات التي يرسلها النَّص، فإذا كف النَّصُّ عن إرسال إشارة أو علامة أو رمز أو تشكيل شعري يتسم بغلالة الغموض كفَّت المخيلة عن الإيحاء، والإيحاءُ جوهر الأدب وروحه النَّابضة، وحين شعر الأديبُ الغربي بما آلت إليه الحرية المطلقة وعريُها من خسارة التخيل والتطلع والتشويق، عاد إلى «السترابتيس» (قطعة قماش لتغطية مناطق من الجسد)، وأدرك أهمية الحجب الذي يبعث على الإيحاء والتوق والإثارة، ومن ثم إلى متعة التخيل والحلم وضرورة التأويل. ففي الحَجْب غموضٌ يعمل على تشكيل طاقة تأويلية، وفيه تطلُّعٌ نحو الكشف لإشباع رغبة المعرفة، وهذه كلها من متطلبات الشعر والآداب والفنون.

تُرى، هل فِي ذلك الكشف الحسي والإباحي المباشر، وأحياناً الماجن، موقفٌ توجيهي ومهمات تربوية، أم هو لغة الهبوط بالأدب وإشعال الغرائز وافتقاد القيم وفي طليعتها القيم الجمالية؟ ومن ابتكر هذه اللغة المكشوفة؟ هل ابتكرها الرجال لإشباع حاجاتهم، وتناولتها الأنثى لإيقاع الرجل بها، أم ابتكرتها المرأة ثأراً من سلطة الرجل ومن عصور الكبت والحجر والحرمان لتسقط معها في مهاوي الإفراط والتفريط؟!

ففي بعض روايات المرأة العربية لا تتمكنُ من مواصلة قراءة الرواية، لأنك لن تجد في أي رواية عالمية قرأتَها ما تجد في الرواية العربية من إسفاف ومجون وسقوط، ولأنكَ لن تجد فيها أدباً ولا قيماً ولا مشاعر أو معاناة إنسانية ولن تجد فضاءً روائياً ولا حركة شخصيات، بل تقرأ امرأة تعاني من هستيريا شبقية همجية مجنونة، تركض وراء رجل ما إن تلقاه حتى تخلع ثيابها دون مقدمة ولا حوار ولا سيمياء.

ويمكن هنا الاستشهاد بمقولة للمستشار الرئاسي الأميركي «باتريك جيه بوكانن» بعد أن استهجن مجون الشعب الأميركي وإباحيته وسقوطه الأخلاقي وأدانَ العلاقات الجنسية خارج الزواج، وبعد إدلائه بإحصائيات عن معدلات الخصوبة الهابطة في أميركا وتناقص السكان، إذ قال: «إنّ هذه إحصاءاتُ مجتمع منحطّ وحضارة تموت، وإن الموت الأخلاقي هو صانع الموت البيولوجي، وإنّ بلداً مثل هذا لا يمكن أن يكون حراً، فلا وجود للحرية دون فضيلة، ولا وجود للفضيلة بغياب الإيمان».

فماذا سنقول نحن أهل الفضيلة ودعاة الإيمان!

* كاتبة وأكاديمية عراقية