خالد التوزاني *

قد لا تحتاج القراءة لإبراز أهميتها وقيمتها، فالجميع يؤكد دورها وضرورتها، إذ لم ترتقِ الشعوب إلا بالقراءة ولا يمكن أن تنمو معارف الفرد ومهاراته إلا بهذا الفعل الذي هو فعل وجودي وحضاري، ومن ثم لا نستغرب افتتاح نزول الوحي بآيات تلحّ على القراءة في قوله تعالى: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ» (العلَق: 1-5)، حيث ربط الحق تعالى بين القراءة وفعل الخلق وعِلْم الإنسان ما لم يكن يعلم، وهكذا، كانت القراءة سبيلاً لتحقيق الوجود الحقيقي للإنسان وإدراك المعنى وراء وجود المخلوقات.

تعني القراءة بمعناها البسيط تلك القدرة على التعرف إلى الحروف والكلمات، والنطق بها على الوجه السليم، ولكن هذا المعنى تطور بفعل تقدم العلوم الإنسانية، لتتحول القراءة إلى عمليات نفسية معقّدة، تشمل مجموعة من السيرورات الذهنية التي تتدخل بشكل متكامل ومنسجم، مثل الإدراك والتذكر والاستنتاج، ثم التحليل والتأويل والمناقشة والحكم، وبذلك أصبحت القراءة عملية تفكير لا تقف عند عتبة استخلاص المعنى من النص المقروء، ولا عند تفسير الرموز وربطها بالخبرات السابقة، ولا الفهم فحسب، وإنما تتعدى ذلك كله إلى حل المشكلات وتطوير العقل البشري ليكون مؤهلاً لقراءة كل ما يراه، فيرتقي فعل القراءة من قراءة النص المسطور -أي المكتوب بالحروف والعلامات- إلى قراءة النص المنظور -أي مظاهر الكون والوجود المرئي والمشاهد.

ولذلك أُمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقرأ على الرغم من أنَّه كان أُمّياً لا يعرف الحروف والعلامات التي لها صلة بالكتابة والرموز الخطية، وكأن معنى فعل القراءة لكي يكون فعلاً خلاقاً ونافعاً ينبغي أن يرتقي من فك رموز العلامات الخطّية (الحروف) إلى فك رموز العلامات الكونية لتحقيق انسجام مع الموجودات.

وهكذا أصبحت القراءة عملية عقلية انفعالية دافعية تتجاوز تفسير الرموز والعلامات التي يتلقاها القارئ عن طريق عينيه، واستخلاص المعاني وتذوقها، إلى امتلاك مهارة حل المشكلات وابتكار حلول جديدة اعتماداً على خبراته واستعداداته الفطرية.

وإذا كانت غاية القراءة هي بلوغ مرحلة القدرة على حل المشكلات، من خلال تطوير كفاءة العقل البشري، وجعله يفك الرموز والعلامات الكونية، فليست النصوص المكتوبة سوى مرحلة أولية، لتدريب العقل وتحضير الإنسان ليمارس دوره في الخلق والابتكار، فلا قيمة لفك رموز دون تجاوزٍ للمرموز ورغبةٍ في ابتكار الجديد وتجاوز القديم، وبذلك تعمل القراءة على جعل الإنسان يتقدم في العِلم والخَلق، كما أشارت إلى هذا المعنى الآية الكريمة: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ»، لتعطي للإنسان خريطة طريق مستقيمة نحو تحقيق معنى وجوده السليم، وهو الخَلقُ والابتكار.

ومهما بلغ المرءُ درجاتٍ مُثلى مِن هذا الخَلْق، يظل معترفاً بأن الخالقَ الحقيقي هو الله عز وجل، بما وفّر للإنسان من أدوات القراءة ووسائل التعبير عن المقروء وآثار هذا الفعل، قال تعالى: «أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْن، وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ، وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ» (البلد: 8-10)، كما إن التعبير عن القراءة ينبغي أن يكون مطابقاً لما في الواقع، أي أن يتحقق فيه صدق المعرفة ونُبلها وإنسانيتها، لا أن يخبر المرء بما ليس له به عِلمٌ أو دراية فيدّعي ما ليس موجوداً أو أن يزيّف الحقائق الكونية، حيث حذّر الله من القول بغير علمٍ وحمّل الإنسان مسؤولية ما يترتب عن توهُّم معرفةٍ ما غير خاضعة لقوانين العِلم ومناهج القراءة، قال تعالى: «وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولا» (الإسراء: 36)، وهي الآية التي فسّرها بعضهم بِـ: لا تقُل رأيتُ ولم تر وسمعتُ ولم تسمعْ، فإن الله تبارك وتعالى سائلك عن ذلك كله كما جاء في «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، وكأنها إشارة ضمنية إلى مسؤولية الإنسان عن نتائج قراءاته التي ينبغي أن تكون قراءة جيدة، أي أن يستنبط الفهم السليم، وإلّا سيحاسَبُ عن أي تزييف أو تزوير للحقائق.

من هنا، ندرك خطورة فعل القراءة في الثقافة الإنسانية، وخاصة في الأديان السماوية، حيث اختار الله عز وجل أن يخاطب الإنسان بالكتب، لتكون «القراءة» مفتاحاً للتواصل بين الخالق والمخلوق، فكان الإنجيل والزبور والتوراة ثم القرآن، لتغدو القراءة منهجاً في الحياة والوجود والإيمان، وليس فعلاً بسيطاً مرتبطاً بالتعلم أو الدراسة والبحث فحسب، ومن ثم تأخذ القراءة أبعاداً كونية، وضرورة إنسانية لا بد منها، لاستكمال إنسانية الإنسان.

فبدل أن يُقال: «الإنسان كائن ناطق»، يصبح القول الأكثر انسجاماً مع هويته الحقيقية: «الإنسان كائن قارئ»، فبالقراءة يتعرف على نفسه وعلى الآخر ويتواصل مع الكون والخالق، ولذلك لا بد من القراءة باعتبارها فعلاً وجودياً وعملاً أنطولوجياً، حيث يصبح الكوجيتو الديكارتي «أنا أفكر إذن أنا موجود» متجاوزاً عندما نستحضر الأبعاد الخفية في القراءة، فنقول: «أنا أقرأ إذن أنا موجود»، أي أن القراءة هي التي تحقق للإنسان وجوده ويثبت بها أهليته للخلافة في الأرض وتعمير الكون وبها يستحق أن يكون إنساناً، وربما في تسميته «الإنسان» إشارة خفية إلى طبع النسيان الذي ينبغي أن يُعالَج بكثرة القراءة، فمَن كان قارئاً لم يكُن ناسياً، أي كان حاضراً فاعلاً في الوجود تاركاً بصمته في الكون، بما أن النسيان يعني الغياب بكل يحمله من معاني الابتعاد والنفور والإهمال.

ولذلك لا عجب أن يخاطب اللهُ نبيه المصطفى قائلاً: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ»، وكأنها دعوة للاقتراب، ولذلك عندما أجاب النبي الكريم قائلاً: «ما أنا بقارئ»، ضمّه إليه جبريل ضمةً وصفها النبي بقوله: «فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق».

إن فعل القراءة هو اقترابٌ من الحق، وإذا قرأ الإنسان، لم يرتقِ فحسب وإنما اقترب أيضاً، ليقتبس من النور ما يجعل منه إنساناً يستحق ما نفخ فيه الحق من روحه.

هكذا فإن للقراءة أبعاداً وجودية عميقة تتجاوز المألوف وتستحق من الباحث المدقق أن يتوقّف ليقرأ القراءة قراءة أخرى مغايرة، قد تجعل من هذا الفعل فعلاً خلّاقاً يخلق وجوداً جديداً غير مسبوق، لكنه مهما كان مبدعاً، يظل في البدء والختم، من وحي الخالق: «ربّك الذي خلق». فاقرأ باسمه لتقترب منه.. وبذلك تنفتح القراءة على عوالم وجودية وأنطولوجية لها دلالات روحية وإنسانية عميقة وسامية وحضارية.

• ناقد وكاتب مغربي