نضال القاسم

تأثر الناقد د.إبراهيم خليل في العديد من المدارس النقدية كالبنيوية والماركسية وما بعد البنيوية والوجودية، مما انعكس إيجاباً على تجربته، فهو يزاوج بين التنظير والممارسة في أغلب كتبه. وعادةً ما يبدأ بالعمل التنظيري، ليُرْدِفه بالتطبيقات، وهو بذلك يَختبر ما نظَّر له في معالجة النصوص. وفي أحايينَ كثيرةٍ، يجنح الناقد إلى المزْج بين الأمْرَين مزجاً في نطاق واحد. ويتفاوت حضور التنظير والتحليل قوة وضَعفاً في دراساته؛ ذلك بأن له كتباً يهيْمن فيها التطبيق على التنظير، وأخرى يغلب عليها الهَمّ التنظيري. بل إن له دراساتٍ تسير في ركاب التنظير جملة وتفصيلاً، كما هو الشأن بالنسبة إلى عمله الرائد حول «بنية النصّ الروائي» الذي صدر عام 2010.

وقد دعا إبراهيم خليل إلى التركيب المنهاجي نظرياً، وطبَّقه عملياً في كثير من دراساته، فهو يؤمن أن التعددية المنهجية أصبحت تشيع الآن في بعض المدارس النقدية الغربية، ويرى أنْ لا حرج في النهوض بتجاربَ جديدةٍ تمضي في هذه السبيل بعد التخَمة التي مُنِي بها النقد من جرّاء ابتلاعه المذهب تلوَ المذهب، خصوصاً في هذا القرن، أي القرن الحادي والعشرين. وهو يرى أن تهجين أيّ منهج أمر ضروري لتنشيط أدواته، وتفعيل إجراءاته؛ كيْما يغتدي أقدرَ على العطاء والتخصيب. ويجب ألّا يتبادر إلى أذهاننا أن هذه الهجانة المنهاجية أو القراءة المتعددة مسألة يسيرة، بل إنها محفوفة بالمخاطر والمزالق، إذ تتطلب من مُنجِزها المشاركة في كثير من العلوم، والاطّلاع على زخمٍ من المفاهيم والنظريات والمناهج. ولا مناص من الإشارة في هذا المقام إلى أن التركيب المنهاجي غيرُ التلفيق. فالأولُ يقتضي الجمْع بين منهجين أو أكثر للحصول على مزيج منهاجي مُنْبَنٍ على «توحُّد ابستمولوجي». وهو بذلك يضْمن قراءة النص قراءة شمولية دقيقة. على حين أن التلفيق محصّلة من المناهج والمفاهيم، غير خاضعة لتصور أوّلي ولا لنسَق موحد.

واذا كان ما يميز أعمال إبراهيم خليل الاهتمام الشديد بحرية الإنسان مهما بعدت إمكانية وجود تلك الحرية عن أرض الواقع، فإنه يركز جل تفكيره كذلك على تحليل الفعل والبنى الاجتماعية، أما المصالح المعرفية فتعني عند إبراهيم خليل أننا دائماً نطور المعرفة لغرض معين، وتحقيق ذلك الغرض هو أساس مصلحتنا في تلك المعرفة، والمصالح التي يناقشها الناقد هي مصالح مشتركة بين الناس جميعاً، بحكم أننا أعضاء في المجتمع الإنساني، فيذهب إلى أن العمل الأدبي ليس وحده ما يميز المبدعين عن بعضهم بعضاً، فهناك اللغة أيضاً.

ويعدّ الناقد إبراهيم خليل نموذجاً للمثقف الديناميكي الذي يتفاعل مع حركة المجتمع والتاريخ، إيماناً منه أن النظرية تحتاج دائماً إلى أن تدلل على نفسها كلما حاولت أن تطبق نفسها في ميدان أو آخر.

ويخصص الناقد في كتابه «جبرا ابراهيم جبرا..الأديب الناقد»، لتناول الجانب الابداعي لجبرا من خلال تناول أعماله في الرواية والسيرة والشعر والنقد والقصة القصيرة التي تبدو الحلقة الأضعف في تجربة جبرا، إذ لم تُنشر له سوى مجموعة قصصية واحدة هي «عرق وقصص أخرى» (1956)، وبعد ذلك أعيدت طباعتها مراراً دون أن يكتب مجموعة أخرى.

ويشير خليل في المقدمة إلى أنه يسعى إلى تحليل عطاء جبرا تحليلاً موضوعياً يتوخى فيه النزاهة والتجرد، ذلك لأنه وجد في ما اطلع عليه من كتابات أن الإفراط في الاعجاب بجبرا قاد على الدوام إلى نتائج غير صحيحة في دراسة شعره أو رواياته أو نقده، مثلما قاد التسرع في دراسته إلى أحكام ينقصها الإقناع وتخلو من الإنصاف.

ويخلص الناقد أن جبرا كان أديباً متعدد المواهب، مختلف الأبعاد والجوانب، فقد كتب القصة والرواية والشعر والمقالة والبحث الأدبي والنقد والدراسات الفنية، ومارس الترجمة كذلك. وقد تشعبت الدراسات حوله بعد وفاته نهاية عام 1994 وتناولت العديد من جوانب إبداعاته، في حين تجاهلت بعض هذه الجوانب ولم تعطها حقها من البحث والتحليل. وهو يرى أن قصص جبرا القصيرة دون مستوى رواياته وشعره من حيث جودة السرد وإتقان البناء الفني، فهي تسرف في الطول على حساب التركيز في الزمن، وتعتمد الحوار، لكنه لا يفلح في بعض القصص في جعله عنصراً مساعداً في التشخيص أو بناء الحدث. وهذا لا ينفي أن جبرا يرسم ملامح شخصياته باقتدار جعل من بعضها شخصيات تعلق بذاكرة القارئ، وهو يمتلك ناصية اللغة القصصية التي يقترب فيها من لغة الحديث اليومي. كما إن هذا لا ينفي وقوع جبرا في إشكال لغوي هو الخلط بين لغة الشعر بما يتميز به من رمزية مثلاً ولغة القصة، مما أفسد عليه بناء بعض القصص.

كما يرى أن الغريب في قصص جبرا، مثلما هي الحال في رواياته، أن أكثر شخصياته من الوسط المثقف، وقلّما يختار شخصية من الشرائح الدنيا للمجتمع، فباستثناء سلوم في قصته «المغنون في الظلال»، ويوسف في قصة «الغرامافون»، قلّ أن نجد بين شخصياته من ليس مدرساً أو محامياً أو محاسباً في شركة أو تاجراً أو طبيباً أو موظفاً أو كاتباً. والشخصيات النسائية قلّ أن نجد فيها مربية أو خادمة أو حتى ربة بيت باستثناء أم الياس في قصة «المغنون». وهذا يجعل من قصصه التي تهيمن عليها هموم الطبقة البورجوازية الصغيرة قصصاً تهتم بعرض الأفكار والآراء وتنقل للقارئ بعض ما يؤمن به الكاتب أو يظن أنه يؤمن به. وهذه الظاهرة ماثلة أيضاً في رواياته ولا سيما «صيادون في شارع ضيق» (1960)، و»السفينة» (1974).

أما فيما يتصل بجبرا والشعر، فيعبّر إبراهيم خليل عن أسفه في أن لا يجد جبرا من يتناول شعره بالدراسة والنقد وهو الذي تناول بنقده الكثير جداً من شعر معاصريه أمثال: أدونيس والسيّاب والجواهري ونزار قباني ويوسف الخال وغيرهم. مع استثناء دراسة كتبها د.محمد عصفور وملاحظات سريعة حول شعره. ويرى أن السبب ربما كان لأن النقاد والدارسين تحاشوا شعره إما لصعوبته وبعده عن متناول القارئ العجول وإما لأنه من الشعر الذي وصفه جبرا بالشعر الحر وسمّته نازك الملائكة «قصيدة النثر»، كما يشير إلى أن الكثيرين من النقاد تجنبوا الإشارة إلى شعر جبرا بسبب تحرره من قيود الوزن ورتابة القوافي فلم يحظَ عطاؤه في كتاب «حركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر» لكمال خير بك إلا بإشارة مختصرة جداً ذكر فيها المؤلف أن لجبرا وتوفيق صايغ نمطاً من «النثر» يعده البعض المذاقَ الأول لما يجب أن يكون عليه الشعر الحديث.

لكن إبراهيم خليل يرى أن جبرا يبقى واحداً من رواد حركة التحديث في الشعر، وأن قصيدته تجاوزت القوالب الجديدة التي أحدثها جيل السياب ونازك إلى أسلوب جديد في الكتابة واجه الكثير من الرفض والانتقاد في بادئ الأمر إلى أن جاء الوقت الذي يرد فيه إلى جبرا بعض ما له على الشعر الحديث من دَين، فشرع مؤيدو ما يسمى «قصيدة النثر» يشيرون إليه لا باعتباره رائداً وحسب، بل باعتباره شاعراً قدوةً وضع الكثير من الحلول لمشكلات الكتابة الشعرية في العصر الحديث.

أما في مجال الرواية والنقد، فتشير روايات جبرا كما يرى إبراهيم خليل، إلى أن المدينة مريضة منذ قرون، وأنها بحاجة إلى علاج، وهذا شيء ظهر في رواياته الثلاث الأولى، في حين برزت المدينة الصغيرة ذات الطابع الريفي في روايتي «السفينة» و»البحث عن وليد مسعود» باعتبارها المكان المطلوب، وقد جاءت تعبيرات المكانية في روايته الأخيرة أشبه برموز أو صور مجازية تعبر عن الحقائق الداخلية للشخوص وتتضافر مع السرد الحكائي في تطوير حبكة الرواية ورسم الأشخاص.

كما يتضح من أسلوب جبرا في كتابه «البئر الأولى» أنه أسلوب يقرّبه من الرواية السيرة خلافاً لكتابه الثاني «شارع الأميرات: الذي وإن ظهرت فيه مواقف اعتمد فيها التخيل والسرد القصصي، إلا أن الكتاب يظل أقرب إلى كتب المذكرات، فإذا كان «البئر الأولى» لوحة طبيعية نابضة بالحياة، فإن كتاب «شارع الأميرات» اقترب بالسيرة من فكرة الطبيعة الصامتة في العمل التشكيلي.

ويؤكد الناقد أن لجبرا تأثيراً نافذاً في النقد العربي الحديث، سواء من حيث المهاد النظري بترجماته التي قربت للقراء مفاهيم نقدية جديدة، أو من خلال المصطلحات النقدية التي كان سبّاقاً في استخدام بعضها أو بارعاً في توضيحها أو تقريبها للأذهان، ولم يكن في نقده ذاتياً دائماً وإن ظهرت في أثنائه بعض الأحكام الانطباعية الناتجة عن تأثره السريع بجودة الشعر أو النثر الذي ينقده، وفي مطلق الأحوال يظل نقده خاضعاً لرؤى منهجية أسطورية حيناً وشكلية حيناً ثانياً، وأيديولوجية في أحيان أخرى، ولكنه مع ذلك لم يمتثل في نقده لقواعد منهج محدد، بل آمَن بتفاعل المناهج وتضافر المعارف في سياق النقد الذي يسعى لفهم أفضل للأدب ورؤية ثاقبة للابداع والفن.

وقد شهد المسار النقدي لإبراهيم خليل تطوراً ملحوظاً على المستوى المنهاجي. إذ بدأ ممارسته النقدية انطباعياً تاريخياً، فبنيوياً أسلوبياً، ثم سيميائياً تفكيكياً. بمعنى أنه مرّ بمرحلتين منهجيتيْن؛ أولاهما طور «النقد التقليدي»، وهي قصيرة، وثانيتهما «النقد الحَداثي»، وخلالها ركّز الناقد على النص. وللدارسين أقوالٌ في تحديد الفيْصل بين المرحلتين، على أن كثيرين منهم يجعلون كتاب «النص الأدبي تحليله وبناؤه» (1995) علامة فارقة بين نقد تقليدي وآخر حداثي نصّي في ممارسات إبراهيم خليل النقدية. ويشتمل الكتاب بضع مقالات، وبضعة بحوث، كُتبت على أساس أن تؤلّف بمجموعها كتاباً يسلط الضوء على أساسيات الرواية اعتماداً على التحليل التطبيقيّ، والنقد الوظيفيّ، لا على البحث النَظريّ.

ومن بين الروايات التي اتخذها خليل عينة للتطبيق في دراساته: «أبناء الريح» لليلى الأطرش، و»غريب النهر» لجمال ناجي، و»كلّ أصباح العالم» لـ كينيارد باسكال، و»شقراوات» ورواية لـ جان أشينوز، و»ميوفيولا» لتيسير خلف، و»سبع سنوات» لـ بيتر شتام، و»قشتمر» لنجيب محفوظ، و»ساق البامبو» لسعود السنعوسي، و»أصل وفصل» لسحر خليفة، و»سجاد عجمي» لشهلا العُجيلي، و»مطارح» لسحر ملص، و»الحديقة السرّية» لمحمد القيسي.

وحول نظرته للرواية التاريخية يرى الناقد أنّ ثمة خلطاً بينها وبين الرواية غير التاريخية، ويلفت إلى اقتراب الرواية الحديثة بصفة خاصة من الفيلم (الفنّ السابع) وذلك نتيجة طبيعية لتعاون السينمائي والروائي كما يتضح في روايتَي «ميوفيولا و»شقراوات». ويرى أن السينما بدأت منذ زمن تفرض ظلالاً تعبيرية على السرد الروائي، فيبدو الكاتب كما لو أنه يكتب السيناريو بقناع روائي.

ويرى خليل أن الفن الروائي يمثل نوعاً أدبياً فرعياً من الجنس الذي هو النثر، وأن الرواية لا تمثل في الواقع نوعاً نقياً من السرد النثري، بل هي تشبه ساحة معركة يغير عليها فرسان من أنماط متعددة، فهي تلتقي بالسيرة آناً، وآناً بأدب الرحلات، وآناً بالتاريخ، وآناً آخر بالشعر، والقصة. وقد أكد في كتابه على فكرة تراسل الأجناس في الرواية، من خلال وقفته غير القصيرة إزاء نماذج عليا في هذا المقام، منها «شارون وحماتي» لسعاد العامري، و»الضوء الأزرق» لحسين البرغوثي، و»الحديقة السرية» لمحمد القيسي.

ولأن الرواية تقوم على أركان مثل الزمن، والشخصيات، والمكان إلخ، فقد كان لزاماً على كتابه الذي يحمل عنوان «أساسيات الرواية» إلقاءُ الضوء على الكيفية التي تُصوَّرُ بها، وترسمُ ملامح الشخصية الروائية، مؤكداً أنه وجد في رواية «سبع سنوات» لـ بيتر شتام -وهو سويسري يكتب بالألمانية- نموذجاً روائياً يحتفي فيه المؤلف بشخصياته، ويسلط عليها الضوء أكثر من أيّ ركن روائي آخر، ويجعل من شخصيتي ألكسندر وصديقته البولندية (إيفونا) نموذجين بشريّين يعْلقان بالذهن إلى أمد بعيد، وينتقل من الاحتفاء بالشخوص إلى الاحتفاء باللغة، وهي أداة التعبير الوحيدة التي تضع بين أيدينا عالماً متكاملاً بما في من أشخاص يلغون ويتحدثون ويتحاورون، ولهذا كان فصل «الإشارة والعبارة» فصلاً ضرورياً جداً كونه يلقي الضوء على سيميائيّات الخطاب الروائي.

ولا بد من التأكيد هنا أن إبراهيم خليل لا يعتمد في دراسته هذه على ما يقوله الخبراءُ والمعلّقون المهتمّون بالسرد، ولا على ما ذكره مؤرّخو الرواية أو من كتبوا في نظريّة القصة، وإنما عماده التحليل الذاتي، الساعي لاستنباط النظري من الواقع التطبيقيّ، وليسَ العكس.

ويعد كتابه «بنية النص الروائي» (2008) من الدراسات والكتب النقدية المهمة التي حللت وساءلت تجارب روائية عربية بأدوات التحليل والمساءلة النقدية الصارمة.

وقد أكد في مقدمة الكتاب على ضرورة إغناء وتطوير وعينا وقراءتنا للذات وللنصوص التي تنتج، أيْ بكلمة موجزة إغناء المنهج الذي به نحلل والنص الذي نقرأ. ولا يمكن أن يتأتى ذلك من وجهة نظره إلا عبر التفاعل الإيجابي القائم على الحوار الهادف والبنّاء، من خلال الانفتاح على التراث السردي العربي، وقراءته اعتماداً على أدوات تحليلية جديدة.

وهو يرى أن «معظم المحاولات النقدية لا تتجاوز، في أحسن الأحوال، الاقتباس، والترجمة المباشرة من المصادر، والمراجع الغربية، أو غير الغربية، وتطبيق بعض ما فيها من معايير نقدية على الرواية العربية تطبيقاً آلياً في بعض الأحيان، وجدلياً في أحيان أخرى»، ويضيف أننا قلَّما نجد بين النقاد من ينطلق من النصوص أصلاً بغية الكشف عما فيها من أساليب سردية، ووسائط تعبير، وتخييل، يختص الكاتب العربي ويختلف بها عن غيره من كتاب الرواية.

وقد كان إبراهيم خليل في عمله هذا يراوح بين النظري والتطبيقي، فلا نظرية من دون تطبيق، ولا تطبيق من دون نظرية، لذا نجده لا يفصل الجانب النظري عن الجانب التطبيقي، بل هما متوازيان ويكمل أحدهما الآخر، فهو يتوقف عند بعض أهم الروايات العربية والعالمية، ويشمل هذا أهم المكونات التي ينبني عليها النص الروائي والتي تتجلى في مكون بناء النص ومكون التفاعل النصي ومكون البنيات السوسيونصية، ولقد انطلق في عملية بنائه لمشروعه النقدي هذا من تحديد دقيق بكل مكون من هذه المكونات، مستعرضاً أهم الطروحات النقدية ومناقشة لما ورد فيها من قضايا، رابطاً ذلك بالتصورات الغربية والعربية القديمة حول كل مكون من المكونات خالصاً في النهاية إلى طرح الاقتراح الشخصي له، مبيناً أسباب تبينه من الناحيتين الإجرائية والعلمية.

أما كتابه «تأملات في السرد العربي» فهو لا يخرج كثيراً عن العرض للرواية والتحليل الواقعي والرمزي تارة والاجتماعي تارة أخرى، سواء على مستوى الخطاب، مثل: الزمن والسرد والرؤية السردية، أو على مستوى البنيات الحكائية، مثل: الوظائف والعوامل والفضاء... إلخ.

وعلى مستوى الممارسة النقدية، اشتغل إبراهيم خليل في كتابه هذا على عددٍ من الروايات هي: «رجال في الشمس» لغسان كنفاني، «الصعود إلى المئذنة» لأحمد حرب، «صهيل المسافات» لليلى الأطرش، «مدينة الله» لحسن حميد، «من يؤنس السيدة» لمحمود الريماوي، «عندما تشيخ الذئاب» لجمال ناجي، «سلطانة» لغالب هلسا، «هاوية الجنون» ليحيى الحباشنة، «حنو البير» لعماد مدانات، «الحديقة السرية» لمحمد القيسي، «عرس الزين» و»موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، «ستة أيام» و»عودة الطائر إلى البحر» لحليم بركات، «رحلة السفرجل» لوليد إخلاصي. حيث يحاول استخلاص البنيات المشتركة بين هذه النصوص على صعيد كل من الزمن والسرد والتبئير.

وما يجمع بين هذه الروايات -في رأيه- هو أنها تؤشر على تجربة جديدة في الخطاب الروائي العربي. ذلك أن للأحداث في هذه الروايات منطقها الخاص الذي لا يخضع للمنطق الواقعي كما تعودناه في الخطاب الروائي التقليدي، فهي روايات تعتمد بالدرجة الأولى على تداخل الخطابات، بحيث تنفتح لغة هذه الأعمال الروائية على وحدات أسلوبية مختلفة (سياسية، تاريخية، دينية، مسرحية، شعرية... إلخ). كما يمتاز بعضها الآخر بالبعد العجائبي، وذلك من خلال تقديم بعض الأحداث التي تخرج عن «المعتاد الحكائي»، بسبب طبعها الغريب والعجيب.

وقد قام إبراهيم خليل بتحليل كل رواية من الروايات المذكورة أعلاه على حدة، وذلك اعتماداً على التصور النظري السابق، لينتهي إلى استخلاص أهم خصائص كل تجربة من التجارب الروائية التي تناولها.

ففي حديثه مثلاً عن رواية «رجال في الشمس» يقول بعد العرض للرواية وربطها بالواقع: «وقد تنبه دارسون فقالوا: إن أبا الخيزران يرمز للقيادات التقليدية المتخاذلة التي أضاعت الوطن ومع ذلك تتشبث بمراكز القيادة، وإن الطريق ترمز للبحث عن حلول فردية رومانسية لا تأتي بغير المأساوي والفاجع، وأن الخزان -الفرن- يرمز لاحتراق الفلسطينيين بعد سنوات عشر من النكبة، وأن المقلاة ترمز -هي الأخرى- لهذا النفي الذي هو مرادف آخر للموت»، وينهي حديثه بقوله: «فما الذي تعنيه فكرة إلقاء الجثث الثلاث في مكب للنفايات نتن الرائحة إن لم تعنِ هذه الحقيقة».

وبعد الحديث عن تقنيات السرد وأنواع الرواة في رواية «من يؤنس السّيدة» لمحمود الريماوي يخلص للقول: «يمتلئ القسم الثاني بالتفاصيل الدقيقة عن حياة الناس اليومية، مع لفت الانتباه لكثير من مظاهر الحياة الجديدة التي شُغف بها الجيل الجديد من الشبان، وصغار السن». فالروايات لا بدّ أن تشير إلى الواقع من خلال الأحداث والأشخاص والمكان مهما كانت طرائق السرد وأنواع الرواة.

أما كتابه «نحو النص/ النظرية والتطبيق» (2014)، فقد استهله بمقدمة أشار فيها إلى مضامين الكتاب وإلى التجارب النقدية السابقة التي اشتغلت على الموضوع في العالم العربي، وجاء في مقدمة الكتاب أن القارئ «سيجد في هذا الكتاب امتزاج النظريّ بالتطبيقيّ، والقاعدة بالمثال المناسب، والتعليق بالكشف عن آفاق المفاهيم التي يجري حولها الحديث».

ويَعدّ إبراهيم خليل كتابه «نحو النص» امتداداً وتوسيعاً لـكتابه الصادر عام 1997 بعنوان «الأسلوبية ونظرية النص». ويوضح في مقدمة الكتاب أنه يتعامل مع الاتجاهات التوسيعية بكثير من المرونة، خاصة سوسيولوجيا النص الأدبي، التي تطرح قضايا مهمة حول النص في علاقته بالقارئ والسياق الاجتماعي الذي ظهر فيه.

ويستهل الناقد كتابه بمدخل بعنوان «النص ومعاييره» يحدد من خلاله مفهوم النص، وبعد استعراض آراء مجموعة من الباحثين (بيوغراند، درسلر، محمد العربي الخطابي، براون، يول/ صلاح فضل) ينتهي إلى تقديم تصوره الخاص للنص.

ويرى خليل في كتابه أن النص لا يحمل دلالته في ذاته، إلا في ارتباط بالموضوع الذي يتلقاه: فكما يقوم الكاتب بإنتاج دلالة النص من خلال بنائه، فكذلك يفتح القارئ هذه الدلالات عن طريق إعادة بنائه. وإذا كان زمن النص محدوداً بزمن الكتابة، فإن زمنه في القراءة ينفتح على زمنية غير محددة. وبذلك تتعدد القراءات بتعدد أزمنة القراءة ونوعيات القراء وخلفياتهم الفكرية والأيديولوجية. ومن هنا يمكن عدّ الكتاب عملاً تنظيرياً أكثر منه محاولة للتطبيق.

وقد اتبع إبراهيم خليل المنهج التاريخي في بعض مؤلفاته، على غرار كتابه «مقدمة في علم أصوات اللغة» (2013)، الذي عرض فيه لجهود العلماء العرب والغرب في علم الأصوات عرضاً سريعاً، كما رصد مساهمات علماء الأصوات، وكذلك كتابه «القصة القصيرة في الأردن»، فإضافة إلى المنهج التاريخي نجد ربط الواقع بالتجربة الشعرية والنثرية والتأويل الأسطوري، وكتابه «تيسير سبول من النقد إلى الرواية»، وكتابه «من أدب البلدان في القدس وعمان»، حيث أفاض في الحديث عن الشعراء والروائيين الذين تناولوا القدس وعمّان في أعمالهم الشعرية والنثرية وقد أعانه على ذلك سعة اطلاعه، والكتاب لا يخلو من جهد واضح، إلا أنه عبارة عن أبحاث ومقالات في مناسبات متفرقة وأزمنة متباعدة، فنجده عرضاً مستفيضاً عن القدس وعمّان في الشعر والقصة والرواية، يكاد يخلو من تحليل متعمّق للقصائد الشّعرية، ولعلّ الموضوع هو ما تطلّب منه ذلك؛ لأنه أراد رصد المواطن التي ذُكرت فيها عمّان والقدس في الشعر والنثر المعاصر فقط.

ومن كتبه النقدية المهمّة «النقد الأدبي الحديث من المحاكاة إلى التفكيك» الذي تحدّث فيه عن علاقة النقد بالعلوم الأخرى، ثم انتقل للحديث عن الألسنية وتيارات النقد المعاصرة الأخرى، وأتبع ذلك بأمثلة تطبيقية. وكتابه «في نظرية الأدب وعلم النص» (2010) فيه بعض القضايا النقدية مثل: نظرية الأنواع الأدبية، والجذور المبكّرة والإرث التاريخي لنظرية الأدب.

وعلى الرغم من أن لغة النقد اليوم تعاني كثيراً من استخدام المصطلحات النقدية غير المفهومة التي يقصد منها النقاد الولوج بالمتلقي إلى متاهات دون نتيجة تذكر، إلّا أن الدّارس لإنتاج إبراهيم خليل يجد لغته تميل إلى الرصانة، واستخدام المفردات الأصيلة، مبتعداً عن التعقيد والإبهام والغموض، فأول ما يشدّ القارئ في مؤلفاته، لغتها القريبة للمتلقي، فمن يقرأ كتابه النقدي «النقد الأدبي الحديث من المحاكاة إلى التفكيك» مثلاً، سيشعر بهذا الاتجاه الهادف إلى التيسير والتسهيل لطلبة العلم والباحثين والقراء باختلاف ثقافتهم، وهذا يُعزى لتمكّن المؤلف من مادته العلمية، لذا لن يكون بحاجة إلى الدخول في تلك المتاهات التي لن تكون يوماً أداة توصيل، وهي التي يلجأ لها الجيل الناشئ من النقاد الذي يحاولون اصطناع لغة جديدة هي إلى الإبهام أقرب منها للتوصيل والوضوح.