صبحي فحماوي

لا يمكن تلخيص رواية «يالو» لإلياس خوري بكون يالو هو من حي السريان في بيروت، وأنه وحيد أمه غابي، وجده غبريال هابيل أبيض، وهو من مواليد 1961. وأنه لا يعرف أباه الذي هاجر إلى السويد عندما كانت أمه في الشهر السابع من الحمل، وأمه غابي كانت تحب خياطاً تعمل عنده.. وأن يالو التحق بـ «القوات اللبنانية» منذ عام 1979، وصار مقاتلاً حتى أواخر 1989.. وأنه لم يستطع الذهاب إلى «إسرائيل» للتدرب على حرب المظلات، لأن طوله 191 سم. وفي سنة 1989 شعر باليأس من كل شيء، فقرر هو وطوني سرقة صندوق الثكنة العسكرية لـ «القوات اللبنانية»، وهربا إلى فرنسا.. وبعد أيام «قرط طوني المصاري وهرب تاركاً يالو وحده بدون مصروف، فصار يالو شحاذاً ينام في نفق المترو» كما يعترف السارد يالو خلال التحقيق الذي انتزع المحقق الاعترافات منه بالتعذيب الرهيب داخل زنزانة السجن وخارجها..

وفي محطة المترو التقاه الخواجا اللبناني ميشال سلّوم، وعندما عرف أن جده (الكوهنو أفرام أبيض) أخذه إلى بيته وحمّمه وألبسه وأطعمه، وأخذه معه إلى بيروت ليعمل حارساً لبيته ولزوجته رندة وابنته في «بلّونة» فسكن تحت الفيلا.. وهناك ابتدأت الزعرنة.. حيث صار يراقب العشاق في الليل فيضيء عليهم نور بطاريته القوية وهم في أوضاع حميمة داخل السيارة، أو خارجها، في حرش الصنوبر.. ثم تجرأ فصار يسحب عليهم السلاح، ويبتزّ العاشق مستولياً على نقوده، والمعشوقة مستولياً على ما تحمله من ذهب، وتطور هذا النشاط إلى إقامة علاقة مع كل ضحية عشق!

كثيراً ما تساءلتُ: هل كانت الحرب الأهلية اللبنانية مجرد تجربة لمتابعة تنفيذ الخطوة القادمة، وهي الحرب الأهلية في سوريا وفي المنطقة كلها؟

وهل دوافع الحرب الأهلية اللبنانية هي دوافع الحرب الأهلية السورية التي نعيشها هذه الأيام، مع اختلاف الظروف، ما دامت «إسرائيل» هي الخصم والحكم.

لا أريد الحديث في هذه الرواية عن حداثية الأسلوب، التي يقول السارد فيها: «إنه لا يعرف أولها من آخرها»، إذ لا يخضع إلياس خوري للتسلسل الزمني في السرد. ويبدأ سرد الرواية من نهاية أحداثها في مكتب المحقق في مكتب (جونيه- بيروت) حيث يُعتقل يالو بتهم عديدة، منها «زرع شبكة المتفجرات يالّلي هلكت البلد»، وذلك بحسب التهمة التي وجهتها له معشوقته «شيرين رعد» في غرفة التحقيق.

«يستغرب يالو هذه الشكوى من محبوبته التي كان يعشقها وينام معها ويريد أن يتزوجها وكانت هي التي تدفع عنه فاتورة المطعم وثمن المشروب، وتدفع له مائة دولار كمصروف شخصي» (ص47).

أريد التركيز على معالم الحروب الأهلية التي أبدع إلياس خوري رسمها، فجعلنا وكأننا نعيشها هذه الأيام، إذ إن التعذيب إبان الحرب الأهلية يتم بأبشع الصور. يقول السارد: «لا يوجد في الدنيا عذاب يمكن مقارنته ببشاعة القطط المتوحشة التي يضعونها داخل كيس كبير، ويأمرون المجني عليه بأن يخلع البنطال والكلسون، ويقف عارياً داخل الكيس المحصور في داخله قطة، ويربطونه على وسطه كي لا تقفز القطة. ثم يبدأون بضرب المعتقل وضرب القطة من خارج الكيس المربوط».

ومن وسائل التعذيب التي تصورها الرواية، لعبة الظلام التي هي جزء من لعبة الحرب.. إذ يجبَر المعتقلون على السير معصوبي الأعين، فيقعون في طريقهم فيما لا يعلمون.. ويصل التعذيب إلى درجة أنهم يجبرون رجلاً عجوزاً واقعاً يتبرز في سرواله، على أن يأكل برازه.

ومن وسائل التعذيب أيضاً أن «يجد السجين نفسه أمام القنينة، حيث يجبَر على الجلوس عارياً على خازوق قنينة كولا فارغة. وقد تكون القنينة مشروخة الرأس.. ثم يطلَب منه أن يكتب قصة حياته، لتصير الكلمات أشبه بالسكاكين التي تطعن حاملها.. فيعترف المعتقَل تحت التعذيب بأي شيء يريده المحقق.. ويوقِّع عليه، فقط ليتوقف التعذيب».

في الحرب الأهلية تذوب الجنسيات؛ ويتلاشى القانون المدني، وتختفي الحقوق: «يعني مش راح أعتبرك مواطن سوري زوَّر هويته اللبنانية، راح أعتبرك لبناني». وهنا يجوز للمحقق الإرهابي ما لا يجوز لغيره، فهو يمرر من يشاء بغير حساب، ويقتل من يشاء، ويوظف من يشاء لممارسة قتل الآخرين.

وكثيراً ما يتم الاغتصاب في هذه الفوضى القتالية، بشكل مألوف، إذ يسأل المحقق شيرين: «هيدا يا اللي اغتصبك وبعدو لاحقك وعم يبتزّك، وياخد منك مصاري؟».

أما عن الحمل الناتج عن الاغتصاب الذي يزداد حدوثه إبان الحروب الأهلية، فحدث ولا حرج.. تقول شيرين عند المحقق عن يالو:

«لَمّنْ خبرتو إني حبلى، ولازم نتزوج، هرب وقال إنو بيخاف من أمو.. وبعدين دبرت حالي عند الدكتور سعيد ياللي عمللي (الكورتاج)».

الأخلاق هنا بكاملها تكون عرضة للانهيار إبان الحروب الأهلية التي عاشها ويعيشها الوطن العربي حالياً، إذ تقول شيرين أن الدكتور الذي عمل لها كورتاج استغلّها أيضاً: «تركته ينام معي من دون ما أشعر برغبة حقيقية».

وهنا تتكاثر الانحرافات، وكأنها تتم مع أي شخص يطلبها.. إذ يقول يالو في التحقيق إن شيرين التي يحبها وهي مخطوبة لأميل، لم تكن في الغابة مع خطيبها، بل كانت مع عشيق ثالث.

ولا يقف الشذوذ الجنسي على ما ذكره صاحب رواية يالو هنا، بل إنه في الحرب الأهلية يزداد الانحراف المتمثل في اللواط، يقول السارد: «ليك ليك عامل حالو ما بيعرف.. أكيد افتعل فيه متل ما افتعل فينا كلنا». وكلمة «كلنا» توضح مدى الانحرافات التي تتم، ومدى الانفلات الأخلاقي إبان الحروب الأهلية. إذ يقول السارد هنا أن الإنسان يشعر بالسأم وهو محاصَر، فيضطر للانحراف: «عاش الحارس يالو وحيداً في كوخه، وتآخى مع السأم.. وفي أحد الأيام نادته المدام رندة التي يسكن زوجها في باريس.. وبعد طول معاشرة مع رندة، صارت تشعر أن الخيانة هي أجمل شيء، وأنها بدأت تخاف أن تتعود عليه، فلا تشعر معه بلذة الخيانة».

هذا تفسير لفلسفة الخيانة، يوضحه خوري هنا، إذ إن السارد يرى أن الخيانة أجملُ متعة ما دام فاعلها يشعر أنها خيانة مع شخص غريب.. ولكن إذا تعود على هذا الغريب فصار في متناول اليد عند الطلب، قد تزول اللذة القصوى، ويتحول الأمر إلى عادي.

ومن معالم الحرب التي يراها خوري، أن الإنسان في الحرب ينسى الرياضة ويتجاوز طلبه للطعام الصحي، وينسى العادات والتقاليد، حيث «يتلخبط» كل شيء في حياته، إذ يقول السارد: «الحرب أنْسَتْ يالو كمال الأجسام»، وقوله: «نحن نطحن الناس وننطحن». فعندما يقوم الطاحن بطحن المطحون، يكون الطاحن مطحوناً أيضاً.

ويعرِّف خوري الضحك في الحرب الأهلية، حيث تختلف تصرفات الناس عما هي إبان الحياة المدنية السلمية، بقوله: «الضحك هو أن يكون جميع الناس غرباء، ويستحقون أن نضحك عليهم.. الغريب مضحك لأنه غريب.. الضحك يعشش على هامش البكاء». إنه يرى الضحك ببكاء أو القهقهة ببكاء.

وفي الحرب الأهلية اللبنانية، تظهر المرأة مستعدة لدفع كل ما لديها للمُسلّح الذي يهاجمها شرط أن يتركها تهرب.. إذ قالت شيرين ليالو: «خود كل شيء، وإذا بدك أكثر أنا مستعدة أدفع لك، بس حل عني» (ص32). وكلمة (خود كل شيء)، تعني «كل شيء تتخيله».. كل شيء يطلبه المقاتل المتوحش!

وفي الحرب الأهلية العربية يخوض بعضهم في الدماء حتى ركبتيه، يقول السارد في «يالو»: «وفي الحرب خاض في الدم جتى ركبتيه». ويقول يالو لأمه: «إن طعم الدم يشبه طعم العسل» (ص79). والمقاتل المجرم هنا تتفاقم شراهته للدم، فيصبح طعم الدم لدى يالو بطعم العسل!

وفي الحرب يحكي الواحد ويكذب كما يشاء، بلا وازع من ضمير أو ذمة، فالكل يريد أن ينجو بروحه، أو يحقق لنفسه ولجماعته النصر اللحظي. يقول السارد هنا:

«والحرب تُسيِّل الكلمات كما تُسيِّل الدماء. ففي الحرب لم يكن أحد يصدّق أحداً. ويالو لم يصدّق طوني عتيق إلا مرة واحدة، عندما أقنعه بضرورة سرقة خزنة الثكنة العسكرية، من أجل الهرب بالمال إلى فرنسا، حيث سيبدآن حياة جديدة» (ص93).

ومن معالم الحرب الحرب الأهلية المتشابكة، أن أحداً لا يستطيع أن يقيم ميتماً لشهدائه. فإطلاق النار متواصل، ولا يستطيع أحد أن يقطع الشارع ليجلب الخبز والطعام، فكيف يقام ميتم لشهيد أو قتيل، وقد يتم إسعاف الجرحى في البيوت أو ثكنات المقاتلين، كي لا يقع الجريح في التحقيق ثم الاعتقال والقتل.

وفي هذه الرواية يوضح إلياس خوري أن الحرب الأهلية تشجّع كل من تُتاح له فرصة الخيانة على فعلها، سواء كانت خيانة زوجية، أو خيانة القيادة العسكرية من خلال سرقتها؛ «بعد أن سرق يالو وطوني مال الثكنة، وهربا إلى باريس» (ص62)، أو سرقة من يداهمهم البطل في غابة، أو على الشاطىء الأبيض، أو أي مكان آخر، واغتصاب معشوقاتهم.

والملاحظ هنا أن المسروقات لا يحتفَظ بها، بل تباع فوراً بأسعار رخيصة، كي لا تكون دليلاً دامغاً على السرقة عند التحقيق.

وهنا يضطر المتهم أن يعترف للمحقق بما يؤمَر: «اكتب ما تريد وأنا أعترف وأوقّع لك على بياض».

وفي مثل هذه الحروب تجد أن بعض الناس يختفون، فلا تعرف مواقعهم؛ «الكارثة أنهم فاتوا بالحيط، وبعدهم بالحيط..» (ص122). وتتعقد الأمور لدرجة أن بعضهم لا يعرف أين تسكن أمه، إذ يقول المحقق ليالو: «ليش ما بتعرف وين أمك ساكنة؟» (ص42). وعندما يعود أحدهم إلى بيته بعد الحرب ويجده مسكوناً، يجد أن ساكني البيت بالسّطو، يطردونه، فينتقل هو والباقين من عائلته ليرتموا في مسكن بعيد.

ومن معالم الحروب أن الكهرباء قد تنقطع بما يتبعه ذلك من تعطيل وتدمير ورعب: «كانت أفضل بطارية في العالم.. أعطته إياها المدام حين انقطعت الكهرباء».

وفي الحروب الأهلية تجد أن الذئب الذي في داخلك يستيقظ أثناء احتدام المعارك: «التدريب العسكري لا يمكن أن يتم دون إيقاظ الذئب الذي في داخلك»، و:

«- أنتم ذئاب.

قال المدرب.

- لا، نحن تيوس.

صرخ طوني».

في الحرب؛ «النساء أشجع من الرجال يا سيدي.. أنا رأيتهم كيف تخلّوا عن نسائهم بمجرد أن رأوا البارودة». وربما أن السبب في قلّة خوف النساء نسبياً هنا، أن الرجال عادة ما يَقتلون أو يُقتلون عند حواجز أعدائهم.. أما النساء فيتمّ الإشفاق عليهن، والرحمة بهن، لكونهن لسن مقاتلات بالضرورة، وقد يكون لاستخدامهن فيما يريد المقاتلون.

وهنا يفلسف إلياس خوري الفرق بين الخوف والرعب، بكون «المقاتل يخاف لكونه هو الفاعل، أما الإنسان العادي الذي يواجه القتل، فيصاب بالرعب.. المقاتل يقاتل من أجل أن يُرعب فلا يرتعب».

وقد يجبر الخوف صاحبه لممارسة الخيانة الزوجية، إذ تقول غابي والدة يالو لصديقها الخياط: «بدي نام كل الليل حدّك بالتخت، حتى ما حسّ الليل كأنه وادي راح يبلعني».