أحمد غانم عبدالجليل *

تتظاهر بالنوم، أعرف طريقتها عندما تفقد جدوى الكلام، أخرج من الحمام دون أن أنشّف جسدي جيداً، رغم لسعات البرد المتسللة إلى غرفتنا الصغيرة، فقد اعتدتُ الصقيع. أرتدي ثيابي بسرعة، أحطّ المعطف الصوفي العتيق فوق كتفي، أتركها في سكونها تحت البطانيات الثقيلة التي تلفّعنا بها عاريين لساعات وأغادر إلى حيث لا أدري في هذا الليل المقفر.

رعد السماء ينذر بالمزيد من أمطار كانون الأول، قد يفاجئني هطولها في أيّ لحظة، لتنهك خطاي أكثر، تحثني على الرجوع إلى الدار التي تحرص على تدفئتها ما تستطيع حالَ عودتها من المدرسة القريبة التي انتقلت إليها بعد زواجنا بفترة، أمرّ من أمامها وأرقب النار المستعرة التي يوقدها الحارس خلف بابها الحديدي المرتفع، الكل هاجع في مكانه الذي اعتاد، أو حاول اعتياده، سوى روحي المتململة من كل شيء، حتى منها، ذلك الوجه الذي امتصت البشاشة ومسحات المكياج الفاقعة الوهنَ الذي خلفته فيه سنواتُ جفاف الأسر المضنية..

أزفر في عتمة الطرقات دفءَ جسدها، لفحَ أنفاسها، تلك الومضات المسترسلة من عينين تملّان المداراة في ساعات الضيق العاصفة، ولوعتها المحفِّزة لهيجانٍ لا يخمد... ما عادت تسألني عن عملٍ لا أستطيع الاستمرار فيه أكثر من أسابيع عدة، أتقوقع بعدها في الدار أياماً لا أقوى على فعل شيء، أرقب استقبالها طالباتها المراهقات في الصالة، مجموعة إثر أخرى، تكر فقرات المنهج كآلة تسجيل لا يهترئ شريطها أبداً، أغبطها على ذاكرتها القوية، إصرارها الذي لا يعرف الانكسار أمام عدم انقطاع دورتها الشهرية، إلا أنها تزداد انفعالاً، تستشري فيها وحشية أنثى لا تجد للحياء معنى في مطاردتها رحيق الشباب قبل أفوله..

بصقتْ إهمال الأطباء لنتائج التحاليل الإيجابية وتشبثهم بهذر الكلام عن احتمالية وجود موانع أخرى وهم يتفرسون في تلك البلادة المرتسمة وجه طفلٍ تسوقه إلى عياداتهم سوقاً، معرِّجة على طب الأعشاب، وربما وصفات المشعوذين الغريبة، تحتمل بعناءٍ تأجُّج فحولتي، تختلط لُزوجةُ عرقنا حتى ساعات الفجر الأولى أحياناً، تتحسس بطنها، علّها تهجس حركة تدب فيها فجأة، فأولي حسرات همهمتها ظهري في اشتياقٍ إلى عشق زمننا البعيد.

ابتعدتُ كثيراً، شرودي أضاعني في شوارع المدينة الكبيرة، ذاكرتي كانت موشومة برحابها، أستدلّ على ساحاتها وفروعها ودروبها بعينين مغمضتين، الآن أصبحت غريبة عني هي الأخرى، إن استطعت العودة سأوقظها بصفعاتٍ وصفعات من مُسّ حلمٍ يستلب حبيبتي مني، يسلمها إلى نوبات حنقٍ هوجاء، قد تلقيني عند عتبة باب الدار كقطةٍ ضالّة، ثم تعود لجذبي إلى أحضانها من جديد، عسى أن تحصل على الحياة، وإن كانت منتزَعة من صلب ركامي.

أتذكّر أخيراً عنواني مع أول دفق النهار، تقبض يدي المتجمدة على المفتاح، ينجح ارتعاشها في فتح الباب، بلل معطفي وخصل شعري لا يصدني عن الاستغراق في النوم على «كنبة» الصالة، صوت إشعال المدفأة الغازية وتوجيهها نحوي آخر ما وعيت، بنصف يقظة، والنعاس يطبق جفنيَّ.

الصداع يزعق في رأسي، تثقلني الحمى والدوار، لا شيء يضيء عتمة المكان سوى عين المدفأة الحمراء المنعكسة على وجهي، أتحدّى أغلال جسدي، توصلني عثراتي إلى أزرار المصابيح، يكوي الضياء عينيّ، أنظر حولي، أناديها، أخذ صوتي يعلو حتى خنقته حشرجة القنوط، ترتمي نظراتي صوب ورقة ملقاة على طاولة الطعام، كلما خرجت وأنا أغط في نوم السكارى تترك مثلها لتخبرني بمكان وجودها وموعد عودتها والطعام الذي جهزته لي في المطبخ، هذه المرة كتبت عن يأسها مني ومن ولادةٍ نبدأ بها حياتنا من جديد، هذه المرة قررت هي الفرار من جحيم تلَبّس روحي للأبد.

أفاجئ كلماتها بضحكةٍ صاخبة في أرجاء الصمت، لعلها من علامات الجنون، يقطعها فجأة تصلّب عضلات وجهي، ثم أطرافي.. هويتُ على الكرسي القريب مني أحدِّق في الورقة المضرَّجة بخيبة انتظاري، تشاركني اضطراب نبضي، تَسارع أنفاسي، وتنتفض حروفُها في صدري كما لو كانت من قبضات النزع الأخير.

* كاتب عراقي