أشرف أبو اليزيد *

الغربة صعبة. تشبه نَمْلاً يأكل الأجسام الباردة والوحيدة، لكن «أبو مينا» عنده علاج للأبدان الباردة.

هذه المفاتيح أمامي هي التي تحل بوابات الفردوس للمعذورين في ليلة دافئة يقاومون بها صقيع حياة بلا قلب. لا تعتقدوا أنني أدير ماخوراً، فالأماكن محدودة، والزبائن موثوق بهم، وبهن. أنا –فقط- أعد ما يمكن أن يكون بيتاً ثانياً. لا أفتح صفحة جديدة إلا بعد أن أتأكد من العميل، ولا أتركه في الخُن إلا بعد أن يترك معي بطاقته المدنية. على العميل أن يتأكد أن حمايتي وسريتي جزء لا يتجزأ من علاقة العمل الذي أديره.

«أبو مينا» لا يترك للصدفة مكاناً. والفضل لكاتمِ سرّي؛ «ناجي»، ابن اختي، وهو ذراعاي اليمنى واليسرى معاً. العمل وحيداً صعب، أن تكون حارساً لبناية في السالمية بها اثنا عشر طابقاً، في كل طابق أربع شقق، يعني أنني أدير أمور دولة، أترأس جميع وزرائها، وأشكل مجلس نوابها، وأوزع على الشعب الساكن صكوك مغفرتي وعطاياي... حين أكون راضياً عنهم.

حالياً ليس لي في هذه العمارة الطويلة العريضة إلا خمسة أماكن حرة، يمكن في أي وقت أن يأتي مستأجر ليشغل أحدها، ولكن سيعوضنا الرب بمكان آخر حين يغادر ساكن قديم، وما بين الإشغال والإخلاء حياة أخرى.

صحيح أن الشقة المستأجَرة مفيدة لنا؛ فكل مستأجِر عليه مطلع كل شهر خمسة دنانير لكي نأخذ قمامته من بئر السلم، إلى الحاويات عند ناصية الشارع. علينا أن نفعل ذلك ما بعد منتصف الليل حتى قبيل الضوء الأول للصباح، ففي الظلام وحده تأتي عربات النظافة لتعيد كل شيء كما كان.

ويا سلام لو أن المستأجِر لديه سيارة، هذا يعني خمسة دنانير أخرى لنظافتها، شهرياً. ثم قد يحتاج أنبوبة غاز، وهذه عمولتها ديناران على الأقل، وهندية لتنظيف الشقة، وهذا يعني عمولة لكل مرة، منها ومنه، كما يحدث مع السباك، والكهربائي، وعامل الستالايت. ومن يعمل نفسه ناصحاً من المستأجرين، فعليه أن يتحمل النتيجة، فنحن أدرى بتعطيل كل شيء أكثر من إصلاحه.

بعض المستأجِرين كسالى لا يذهبون إلى الجمعية لشراء حاجاتهم بأسعار أفضل، وهم يعتمدون على البقالين، وهؤلاء عليهم أن يكرمونا، حتى لا يتعطل المصعد وهم يحملون صندوق المياه المعدنية على ظهورهم لساكن في العاشر مثلاً.

هكذا، الشقة الواحدة قد تدر دخلاً شهرياً فوق العشرين ديناراً، آخذ خمسة عشر ديناراً، ويأخذ «ناجي» الباقي. ولكننا لا نلمس قذارتهم، ولا ننظف سياراتهم، فما أكثر الهنود المستعدين للعمل مقابل حفنة دنانير كل شهر. هؤلاء يؤدون العمل كله، بإتقان وإخلاص، وأهم شيء... في صمت.

نحن أمامنا مهمة أخرى، مهمة مقدسة؛ إسعاد المستوحشين، والتسرية عن التعساء، ومسامرة الوحيدين. نؤجر المكان في الليلة الواحدة مقابل ما يمكن أن نحصل عليه من مستأجر في شهر. نوفر المكان، وغالباً هناك أثاث يكفي، فما أكثر السكان الذين يتخلّون عن آثاثهم حين يغادرون العمارة.

سنتبادل أنا و»ناجي» الوقوف عند الناصية. سيطلبني إذا شكّ بدورية قادمة للتفتيش، وهو أمر لم يحدث أبداً. ولم يحدث أن اشتكى ساكن من صراخ أو تأوهات، قد يسمعها حين تشتعل الحمم بين رجل وامرأة ربما يلتقيان في علاقة شهوانية للمرة الأولى، فالجميع يظن أن هذه العمارة، كما أقول لكل ساكن، للعائلات فقط، وعندي حوالي عشرون جنسية، ألم أقل إنها دولة، وأنا كوفي عنان الأمم الساكنة في العمارة!

لستُ قواداً، فأنا لا أدير شبكة، وللعلم، مصير تلك الشبكات في النهاية -مهما طال- هو الوقوع في مصيدة الداخلية، حين تتعارض المصالح، أو حين تنتهي فائدة أحدهم. بعضهم يبلغ عن تلك الشبكات من تليفون المطار المجاني، ثم يركب الطائرة، ويقلع، ويترك الفأس تقع في رأس الشركاء، أو من تعامل معهم مرة أو أكثر. بل دخلتْ شبكات الدعارة العالمية على الخط، والزبائن تتصل بأرقام محددة لتأمين فتيات تحت بند الحصول على فيزا، عبر الاتصال برقم في جزيرة ما.

على الطرف الآخر، وبعد تحديد لغة الحديث، تسأل الموظفة عن الاسم والعمر ونوع الخدمة، ثم تبدأ بسرد قائمة الأسعار، الساعة 100 دينار، واليوم 200 دينار، يا خسارتك في السوق المحلية يا «أبو مينا». المهم أنه عند الاتفاق وتسديد القيمة المتفق عليها للخدمة المختارة يتم إرسال العنوان برسالة على البريد الإلكتروني أو رسالة قصيرة بالهاتف، توضح العنوان، ومعه بيانات العمارة والشقة.

أستطيع من نظرة واحدة أن أدرك إذا كان الذي آراه فخاً، أم إنهما طائران يبحثان عن عشٍّ غراميّ. إن أفضل من تتعامل معي هي «ڤيكي»؛ الفلبينية الحسناء:

«مساء الخير، مستر أبو مينا!».

«مساء النور، ميس ڤيكي».

«أحب أعرفك على زميلي في الشركة، مستر سامر، هو يبحث عن سكن. وأنا أخبرته عن قيمة الإيجار هنا، هل يمكنه أن يعاين الشقة؟».

أطالعُ الذي تدعوه زميلها، وهو زميل جديد -غالباً- في كل مرة. زبائنها نظيفون، ومهندمون دائماً:

«عندي شقة خلت في الدور التاسع. هل آتي معك، أم تشاهدانها، وتعيدان المفتاح بعد ذلك؟ عندي بعض الأمور لأنجزها».

«لا نريد أن نتعبك، مستر أبو مينا، سنأخذ المفتاح».

تمد يدها، التي تشبه كفها وأصابعها ملعقة بورسلين دقيقة، تسلمني البطاقتين المدنيتين الخاصتين بهما ومعهما لفة من ثلاث ورقات نقدية كل منها عشرة دنانير. شُغل على نظافة، تسليم وتسلّم. تغادر «ڤيكي» مكانها عند باب الغرفة وتقف أمام العمارة وهي تتظاهر بشرح مزايا البناية للساكن الجديد.

أتأمل كرتي مؤخرتها الصغيرة ترتجّان، كأنهما تستعدان للرقص على إيقاع ما. تلتفت ناحية وقوفي فأرى قميصها مفتوحاً عند الصدر. في كل مرة تحمل تلك الحقيبة الصغيرة وبها كل شيء لزوم الأنس والتطهر من الآثار. رأيت الرجل معها يشير إلى المصعد، كأنه متلهف ليرى كل شيء!

لكن ماذا أفعل في شقة الأستاذ «محسن»؟

هو معتاد أن يدفع الإيجار بعد نزول الراتب الحكومي في البنوك، أي في يوم 25 تماماً. لكنه لم يستطع هذا الشهر، وربما لن يستطيع الشهور التالية. هل أعتبرها شقة خالية، فأبلغ مالك العمارة عنها، حتى لا أدفع إيجارها من جيبي، أم أضيفها إلى قائمة الأماكن الحرة.

اعتاد الأستاذ «محسن» أن يترك لي نسخة من مفتاح شقته لآتي بمن تنظفها له، في غيابه، أو عندما يقترب موعد قدومه من سفر هنا أو هناك، وحين يذهب إلى العمل يترك لي مهمة إحضار الملابس من المغسلة، وصناديق المياه المعدنية، وكان سخياً.

حين عرف أني خريج آداب، دهش كثيراً. ربما تصور أني جاهل أو أن معي مجرد شهادة دبلوم. قلت له:

«رمانا المُرُّ إلى هنا. لو وجدت شغلاً يؤكلني العيش الحاف ما سافرت».

استمع إلى قصتي باستغراب شديد وأنا أخبره أنني استدنت سبعة آلاف جنيه حتى أدفع قيمة التأشيرة التجارية للقدوم، ولم أسددها إلا بعد عامين من وصولي، وأنني عملت سائقاً، وسرقني صاحب الشركة، وعملت في مخبز، قبل أن يطردني مديره لجهلي بالعمل، حتى لقيت أن البواب مهنة من لا مهنة له.

أجابني –ساعتها- وهو يضحك، بهدوئه المعتاد:

«مهنة مَن لا مهنة له أصبحت شعاراً هنا لكل المهن، أنا رأيت –مثلاً- صحافيين معظمهم لم يدْرس صحافة، ولم يعرف عنها شيئاً قبل أن يصل الكويت. هنا كثرت الصحف وتناسلت، وأصبحت مثل الجراد، الذي أكل الصحافة الجيدة التي عُرفت بها الكويت منذ عقود، ولو تأملت صحفها اليوم لوجدتها جميعا متشابهة. الآن يملكها التجار، والسياسيون، والمتصلون برجال الدين، كل صاحب جريدة يأتي بشخص له خبرة ما، ويشترك في وكالتين للأنباء، ثم يملأ الصفحات بأعمدة الرأي، والإعلانات، وصور الاجتماعيات، والفضائح. خلطة سرية، يقوم عليها حفنة من الجهلاء الذين اشتغلوا بالصحافة لأنها أصبحت هنا ـ بالفعل ـ مهنة من لا مهنة له».

«حضرتك خريج صحافة؟».

«لا، أنا خريج كلية الألسن. وأعمل مترجماً في المؤسسة العربية للترجمة، قريباً من السالمية، بشارع الخليج العربي.. تعرف يا أبو مينا، حتى في الترجمة التي تحتاج متخصصين وحسب، دخلها المتطفلون، واستخدموا جوجل للترجمة، وأصبحت الترجمة، كذلك، مهنة من لا مهنة له، مثل مهنة البواب تماماً!».

قبل غيابه عن الشقة، كان قد اتفق معي على إحضار كهربائي، لعطل بمفتاح السخان. أحضرت الكهربائي في اليوم التالي، صعدت مساء في الموعد المتفق عليه، وخبطت الباب، ولم يرد أحد. كانت ابنته قد سافرت قبل أيام، وأعلم أنه وحيد، فقلت لنفسي لعله يشتري شيئاً، وسيعود، لكنه لم يعد، بل ولم ينم الليلة في شقته. لم أرغب في فتح باب الشقة أمام الكهربائي، فهذا سر بين صاحبها وبيني.

الرجل لا يلعب بذيله، ولم أرَ أحداً يزوره إلا نادراً، فهل حدث شيء له؟ الأخبار السيئة تنتشر سريعاً، ولكن لا أخبار في الصحف، في الأيام التالية لغيابه، إلا عن حل مجلس الأمة، والقبض على شبكات للدعارة، وشكوى من الطرق التي لم تتم، والاستاد الرياضي الذي يبنى منذ سنوات دون أن يكتمل... بحثت في حوادث السيارات، وما أكثرها، فلم أجد اسمه.

ذات صباح رأيت صورته في الجريدة، ومعها خبر، ما أزال أحتفظ بقصاصته، عن نقله من مستشفى مبارك الكبير إلى مستشفى هادي:

«ما يزال المترجم والكاتب المصري الكبير الزميل محسن حلمي في غيبوبة مرضية، منذ أصابته جلطة في مركز التحكم بالدماغ، منذ نحو ثلاثة أسابيع.

وقد نُقل صباح أمس من غرفة العناية المركزة في مستشفى مبارك الكبير، إلى غرفة العناية الفائقة في مستشفى هادي، كما أعلن الدكتور مدحت صفوت أخصائي المخ والأعصاب بالمستشفى.

قبل إصابته، عمل محسن حلمي في المؤسسة العربية للترجمة، رئيساً لقسم الأبحاث بها، وقد أنجز مشروعات ثقافية أهمها نقله لأكثر من 30 مرجعاً فكرياً وموسوعياً وأعمالاً أدبية إلى اللغة العربية.

وتدعو أسرة الجريدة للزميل العزيز بالشفاء، ليعود كما عهدناه خادماً للثقافة العربية المعاصرة، ومساهماً في رفد مكتبتنا بأمهات الكتب».

لقد احترت ساعتها، وشعرت بغصة مؤلمة!

فهذا الرجل لم تفارق الابتسامة وجهه، وكان يفيض حناناً، وقد أصبح وحيداً بعد سفر ابنته... فهل يستحق ما جرى له؟

فجأة تشظت الأسئلة خارجة من دماغي: هل أبقي على شقته، ربما يشفى فيعود، ليسدد إيجارها دفعة واحدة؟ أم أخبر المالك، ونأخذ حكماً بإخلائها؟ أو أحولها إلى منطقة حرة؟ الأمر صعب، فلطالما اعتبرته أخي الكبير، ولن أنسى حين اتصل كي يوصي أحد الأساتذة من أصدقائه الدكاترة على «مينا» في جامعة أسيوط.

«ماذا تفعل يا أبو مينا؟».

دخلتُ الشقة، التي كانت مباحة بعلم صاحبها، وبالسماح منه، لكنني أحسستُ، للمرة الأولى، أنني أدخلها مثل لِصٍّ، دون وجه حق.

أغلقت الباب ورائي، كأني أريد أن ألّا يراني أحد من الجيران، ولو بالصدفة. الرعب الذي سرت رعدته في جسدي أقوى من تلك الرعشة والقلق اللذين أحسُّ بهما وأنا أنتظر مرور الساعات، حتى تعيد «ڤيكي» المفتاح، وتأخذ البطاقات المدنية.

في العامين الأخيرين اكتفيت، في إدارة أكثر الشقق الحرّة بالعمارة، بالتعامل مع «ڤيكي» وصديقتها «روز»، لأن تعاملهما المريح جعل حدة ذلك التوتر تقل. مهنتنا صعبة، وتقصّر العمر.

رأيت أكواماً من الكتب! لا أعرف متى اقتناها الأستاذ محسن؟... إنها بالمئات... كنت أدخل الشقة بعين عابرة فلم ألحظ هذا الكم... لكنني الآن أشعر أنني في مكتبة بداخلها شقة.

في المطبخ رأيت الطبق الأخير الذي تناول به إفطاره. باقي ساندويتش به آثار جبن، وقشر برتقالة، وكوب شاي نما الطحلب الأخضر على وجهه لأنه لم يجد من يغسله. تسلل إلى سمعي صوت موسيقى خفيفة. اتجهت ناحية غرفة النوم المغلقة. وجدت الراديو مثبتاً على محطة «مارينا إف إم». فجأة، تغيرت الموسيقى الهادئة إلى أخرى صارخة، فأصابني الرعب، وضحكت من ملامحي المرتعبة التي فاجأتني في المرآة آمامي.

جلست على حافة السرير أتأمل شكلي في المرآة أمامي؛ أشعر أنني هنا منذ قرن، صورتي في المرآة بغرفة نوم الأستاذ محسن غير تلك الصورة التي أراها في مرآة الحمام بغرفتي. هكذا هي المرايا؛ نساء حنونات على أصحابها، لكنها لا تكذب على الغرباء. بدا نحول الشعر يأكل جانبي الرأس. ماذا أفعل بالشعر، ليذهب كله، وليتساقط كما تتساقط الأيام من أغصان شجرة العمر. حتى ذلك الكرش اللعين، نما حيث لا حركة إلا بين شقة مسكونة وأخرى حرة، مَداري محدود في حفنة أمتار، أين ذلك الرياضي الذي كان يصعد النخلة بخفة قرد، ليهز أياديها بقوة، فترقص أيدي الأطفال حبات الثمار المحببة حمراء اللون؟

كل ذلك راح، وراحت معه وصايا الأنبا..

لكننا يا أبانا لا نسرق، ولا نكذب، مجتمع مليء بالموبقات، ونحن لم نأتِ هنا لنعدل الكون. نحن عابرون، متفرجون، وراحلون ولو أقمنا عمرنا كله، وما نبنيه ليس لنا، وأحسب أنك لن تحاسبنا، لأننا حين نترك هذا البلد، سنترك وراءنا كل ذنوبنا.

رغم تكدّس كل شيء بالشقة، بدا النظام الصارم لتقسيم الكتب وتوزيع الأثاث وصف الصناديق واضحاً، غادر الأستاذ محسن الشقة من ثلاثة أسابيع، إلا أنني أحسست بأنفاسه تتبعني، بل وما يزال عطره الخاص يفوح هنا وهناك.

عليّ أن أعود إلى الشقة مرتين أو ثلاثاً، قبل أن آخذ قراراً نهائياً. هذه الأشياء هنا أثمن من أن ترمى في الحاويات القذرة، وأكثر قيمة من أن تباع كأثاث مستعمل، أو كتب بالكيلو، أو أغراض مهملة. من يدري... ربما عادت ابنته حين تعلم بما جرى له، فأخبرها بموضوع الإيجار، وربما أرتب معها بيع أشياء أو شحن أخرى إلى مصر.

سأنتظر شهراً، لا أكثر، إن لديه عندي رصيداً من الخير يكفي تلك المحاولة، وسأدفع أجرة هذا الشهر، بدلاً منه. ربما تكثف «ڤيكي» وصاحبتها نشاطهما، فأعوض تلك الخسارة الجسيمة. لن أخبر «ناجي» إلا بعد أن آخذ القرار المناسب.

وجهك المرسوم هنا في تلك اللوحة يا أستاذ محسن يحمل تلك النظرة التي كنت أسأل نفسي عنها، هل هي نظرة أسى، أم ندم، أم إنها نظرة استرخاء؟

الآن، لا عليك، استرخِ، ولكن عليك أن تعذرني حين أعود بعد شهر، سأنقل كل أغراضك الخاصة إلى غرفة واحدة، فأكدسها، ليتحرر المكان. أنت ترى الآن الحياة لا تستحق كل هذا العناء، وهم ينقلونك بين مستشفى وآخر، كمجرد رقم، أو مجرد ملف طبي، ولست بالنسبة إليهم سوى فعل من الماضي. لعلنا نستفيد من درس الطعنة التي نالتك.

سأسمح لنفسي الاحتفاظ بشيء يذكّرني بك. عرفت من الصحيفة أنك مترجم وكاتب كبير، لكنك لم تهدني أحد كتبك، ولعلك قلت لنفسك:

«من هذا البواب الذي سيقرأ؟».

آه لو عرفتني أثناء الدراسة، وأنت كما رأيت في بطاقتك المدنية في مثل عمري، إلا أنني تزوجت مبكراً، كنت ستعرف أني دودة كتب. عندي نظارة، لا أرتديها إلا عند القراءة، وكانت عندي مجموعة من الكتب في بيت والدي. وكنت أظنك مثلي قارئاً، لكنك لست دودة كتب، وحسب، أنت الشرنقة التي تطير منها الكتب.

حين سافرتُ قالت لي زوجتي أنني لست بحاجة إلى كل تلك الكتب. باعتها بالكيلو لرجل الروبابيكيا، فكل شيء في مصر أصبح يباع بخساً، كما تعرف. شعرتْ أنها انتصرتْ حين اشترت بقيمة الكتب ملابس داخلية لها.

* روائي وشاعر مصري

* مقطع من رواية مخطوطة بعنوان «الترجمان»