نصار إبراهيم *

«سأكتفي بعينيك قمحاً للطريق» هي المجموعة الشعرية الثالثة للأردنية غدير حدادين (الآن ناشرون وموزعون، 2017)، إذ أصدرت الشاعرة سابقاً: «أحلم كما أشاء» (2012)، و»أشبهني» (2014).

وقد سبق أن قدمت قراءة سوسيولوجية تحليلية لمجموعة «أشبهني»، تعرضتُ فيها لبعض الأبعاد والخوافي التي شكلت نقاط الارتكاز في تجربة حدادين... وكانت فرصة لإضاءة عدد من الأفكار التي تتعلق بالإشكاليات الاجتماعية التي تعيشها وتواجهها المرأة العربية وتعبيرات ذلك في النص الأدبي.

وأثناء قراءة «سأكتفي بعينيك قمحاً للطريق» كان يدور في رأسي مجموعة من الأسئلة: ما الجديد الذي جاءت به الشاعرة في هذه المجموعة؟ وهل ما زالت تدور حول الأسئلة والتأملات نفسها؟

ما تتناوله هذه المقالة من أفكار لا يشكل قراءة تشريحية للنصوص بقدر ما هو محاولة لفهم جدلية تجربة حدادين الشعرية، وهي تجربة قيد التشكل والتبلور. وبالتالي تركز هذه القراءة على وعي التجربة أكثر مما تمثل تقييماً نقدياً، أي أنها تتجه نحو التحليل الاجتماعي للنصوص.

ولا بد أولاً من الوقوف أمام عناوين المجموعات الثلاث للشاعرة حدادين، وذلك بهدف الإمساك بالخيط أو الحبل السُّري المضمَر الذي يربط ما بينها. ففي «أحلم كما أشاء» بدأت الشاعرة من نقطة انطلاق متحركة، كانت حينها تتعرف على أحلامها وتحاول أن تحدد ملامح تلك الأحلام وأنساقها، لهذا كان العنوان «أحلم كما أشاء»، بمعنى أنها كانت تطلق العنان لأحلامها بصرف النظر عن اللحظة وإمكانية التحقق، كانت تقوم بتحديدها وصياغتها لتعيها بدقة.

وفي المرحلة الثانية، أي بعد أن حددت أحلامها وأطلقتها بحرية، توقفت الشاعرة لتنشغل بمستوى آخر في التجربة، ركيزته الناظمة تكمن في الإجابة عن سؤال: كيف يمكن ربط تلك الأحلام بالواقع؟ بمعنى كيف يمكن إقامة جسر ما بين الأحلام المحلّقة في فضاءات الوعي والواقع بما هو ذات ومحيط اجتماعي وشروط ثقافية ووجدانية، وأيضاً بما هو ممكنات وقيود

فبعد أن راقصت أحلامها كما تشاء في مجموعتها الأولى، جاءت اللحظة التي تفرض عليها عملية الهبوط إلى الواقع، فجاءت مجموعة «أشبهني» لاختبار تلك الأحلام وفق شروط ومعادلات الحياة المتشابكة والمعقّدة، وهنا كان لا بد من مواجهة أكثر الإشكاليات دقة وحساسية، المتمثلة في معرفة ووعي الذات ومحاولة اكتشافها وتقديمها كما هي بكل شجاعة بقوتها وضعفها.

لهذا، فإن السؤال المضمر الذي حملته مجموعة «أشبهني» يمكن أن يكون كما يلي: هل أحلامي تشبهني؟! هذا السؤال يتجاوز كاتبة للنصوص ليصبح سؤالاً اجتماعياً نفسياً وحياتياً بامتياز.. بمعنى: هل أحلام الإنسان تشبهه، أو هل يشبه الإنسان أحلامه!؟ وفي أيّ شروط وضمن أيّ معايير سيشبه الإنسان نفسه؟ وكيف يمكن تحقيق التناغم ما بين الأحلام والذات والواقع؟!

الإجابة عن هذه الأسئلة كانت تفرض بالضرورة الاشتباك مع الذات، وفي اللحظة نفسها دفع الذات للاشتباك مع محيطها بهدف اختبار تلك الأحلام أو الطموحات أو الآمال في الواقع... لهذا تنهي الشاعرة مجموعة «أشبهني» بما يشبه البيان: «الحب ثورة»! ومن هذه النقطة تابعت حدادين التجربة، فكانت مجموعتها الثالثة «سأكتفي بعينيك قمحاً للطريق».

إذن، نحن أمام ثلاث حركات أو انتقالات لها نواظمها المضمرة: الأحلام المطلقة، ثم النزول بتلك الأحلام إلى الذات والواقع، ثم محاولة ربط الأحلام والذات بالممكن والواقعي.. كل هذا يتكثف في «سأكتفي بعينيك قمحاً للطريق».

في هذه المجموعة لم تقطع الشاعرة مع التجربة، بل بقيت ملتزمة بأسلوبها الخاص الذي يتسم بالتحرك في داخل المفردة والجملة الشعرية، والأهم أنها بقيت ملتزمة بالتعبير عن نبض الحالة في اللحظة إن جاز التعبير، ومن هناك تقوم بتحريك المعنى وبناء الصورة الشعرية، لهذا نلاحظ أنها تواصل الانشغال بالأبعاد النفسية للحالة (الحوار الداخلي، البوح والاعترافات، استقراء الذات والآخر).. إنها تواصل البحث عن الذات ولهذا تقول بإصرار: ما زلتُ «أبحث عني» (ص50).

وفي سياق الإمساك بحالة اللحظة الكثيفة، تحتل الذات مفهوم المكان الأشمل، سواء الذات الخاصة أو الذات كآخر أكان فرداً أم مجتمعاً، لهذا قلّما نجد حضوراً للمكان بمعناه المحدد إلا في حالات نادرة: عمان، بيروت، الوطن بمعنى الانتماء والالتزام، «عمّان يا عطف أمي.. يا كحل جداتي وحناء التراث.... يا كل الذي في خاطري.. يا محطات اكتمالي» (ص65)، «عمّان أكثر من وطن» (ص69).

وأحياناً يحضر المكان في سياق حركة الذات كمفهوم عام: مدينة، بحر، سماء. أي يكون المكان فكرة وليس محدداً.

أما على صعيد الزمن، فإن النصوص في غالبيتها العظمى تتحرك في الزمن الحاضر، وهناك نصوص قليلة جداً جاءت بصيغة الماضي: «غنيت لثورتي الأولى» (ص7)، «كل شيء كان هادئاً... ينتظر مني أن أكتبه» (ص8)، أما المستقبل فيحضر بصورة أقرب للأمل والرجاء: «سأغنّي للنهاية... وأن أوغل في التجربة... علّني أغنّي يوماً دون وشاح الخوف.... سأغنّي للطريق» (ص24-25)، «ربما في الغد فرصة للشفاء... فلا بأس علينا سننتظر» (ص34).

في هذه المجموعة تتحرك خوافي الشاعرة وأحلامها في سياق حركة وعي العاطفة المسكونة بالخيار الحر ما بين الذات والآخر، وأحياناً ما بين الذات والفكرة والشعور، لكنها في كل الأحوال بقيت ملتزمة بمعادلة أو ثنائية أنا-أنت في الغالب ووجهاً لوجه، معادلة الأنثى المتكلم والرجل المخاطَب، وهذا الالتزام والإصرار يحمل شحنة خاصة تتميز بها نصوص غدير حدادين، إنها لا تتخفى بالأنثى كشخص افتراضي غائب، بل تواصل الاندفاع والتحدي بذاتها، تواصل التأكيد على ذاتها، بمعنى الإصرار الجريء على إعلان أحلامها ورؤيتها، وأحياناً إضاءة همومها وأحزانها وخيباتها، وأيضاً آمالها وأفراحها وأمنياتها الراهنة والمؤجلة: «في شعري غرائز يابسةْ... وفي شعري ألتقي ذاتي» (ص11)، «اليوم أنا ذات المرأة، لكن بأناقة أخرى وشعور أغرب!» (ص12)، «أخاف الرجوع إلى النهايات المسطّرة بالضباب... أخاف الوقوع في قاع القصائد الفارغة» (ص16).

وفيما هي تقوم بهذا التأكيد والصقل، فإنها تلحّ على قطع الطريق المتعب ما بين اللحظة أو الواقع نحو فكرة جميلة تستحق التعب: «تستهويني الطريق المؤدية إلى القصيدة... ينطفئ السؤال الذي يسند ضوء الحروف، أسند بالقلم فكري» (ص21).

إذن، يمكن القول أن حدادين في تجربتها الشعرية تواصل التعبير عن اللحظة في سياق الحالة الأشمل، إنها تقوم بتجزيء الحياة إلى لحظات تفصيلية دقيقة، عبر مواجهة إيجابية بين الأنثى والرجل، ولهذا نجد أن الكثير من النصوص هي تعبير عن حالة انفعالية، أو عن مزاج الإنسان العاطفي في لحظات يومه صعوداً وهبوطاً، لهذا فإن الشاعرة تصعد أحياناً في نصوصها إلى ذروة الفرح والتحدي: «في مهب الأمنيات... سأبحث عن وسائد لا يبللها الحنين... سأرتدي ثوباً حاكه انتظار الياسمين... في مهب الأمنيات سأخيط ثقوب السماء بإبرة الأمل... وأغزل بمغزل الطبيعة وجهاً آخر للطموح... سأعيد إحياء الطوفان... سأستعين بالغابات قبل سقوطها.... سأعد النجوم... سأبكي على امتداد ذراع الوقت» (ص39)، و»أنا امرأة تعانق القمر... كي تنجب القصيدة» (ص104).

وأحياناً تتجلى اللحظة على شكل ألم أو حزن أو فراغ عميق: «لا شيء لي في جعبة البريد... لا موعد لي إلا مع الحظ» (ص17)، أو حين تقول: «أقف في فراغ الدهشة.. أتبادل معها التحية» (ص23).

في سياق عملية الحوار مع الذات بهدف وعيها بصورة أعمق والتعبير عن مزاجها المتحرك في اللحظة المحددة، تواصل حدادين في نصوصها الضغط لوضع الآخر في مواجهة الأسئلة والخيارات، تحاول أن تجبره على الوضوح، بل وأحياناً تستفزه بسخرية: «أينك مني وكلي أنت.... أنت اكتمالي، ولا شيء أنت» (ص10). إنها أحياناً تشاغب وتشاكس وتستفز، لتدفع الآخر ليرتقي إلى مستوى الأحلام والأمل المنتظَر.

بالرغم من ذلك يبقى الأمل هو الناظم، ويتجلى هذا في النصوص على شكل حالة انتظار إيجابية، أو رهان على أن الحياة تمضي، وفي أنهارها تحمل أملاً ما بأن يتغير الواقع المختل ذات يوم: «أيتها القصائد المعلّقة... لا تلتفتي للوراء وتسرعي في المسافات» (ص29)، « أرخي أشرعة العمر المتفلِّت... لا شيء يظل على الحال الأولى» (ص46).

تمثل نصوص هذه المجموعة لحظات عاطفية وشعورية متحركة باستمرار، لكنها لا تغادر الفكرة التي تؤكد أن الحب في جوهره هو خيار حر تماماً، ينتهي دائماً إلى التكامل والاكتمال. وانطلاقاً من هذه الفكرة الناظمة، تعبر اللحظة عن نفسها، فهي مسكونة بالأمل والانتظار والتوقع، وأحياناً تكون حيادية وحزينة، لكنها في سياقاتها العامة تذهب باتجاه مضيء... لهذا لا تسقط النصوص في مصيدة الشكوى والتذمر رغم الكثير من لحظات الألم والخيبة، بل تستفز وتتحدى: «يحدث وأنا أشرب صحوي عند شباك الصباح... أن أقف على أرصفة الصباح... أعيد برمجة المدينة» (ص29).

ربما لهذا السبب أو الخافية المضمرة في أعماق الشاعرة، أي خافية الأمل التي تلح عليها في شعرها ونشاطاتها الاجتماعية، اختارت جملة «سأكتفي بعينيك قمحاً للطريق» من قصيدة «عيناك» (ص57) عنواناً لمجموعتها هذه... وكأنها بذلك تريد أن تقول: مهما كان الواقع، يبقى الأمل قضية تستحق المحاولة، ومن دون ذلك ستفقد البوصلة اتجاهها، وتفقد الحياة ما يغري بالاستمرار.. والأمل هنا له معنى الوعي والموقف، الفكرة والموهبة.. لهذا جاء نص «عيناك»على شكل أمنية شاملة تقودها «ليتني» من على قاعدة الاستعداد الشجاع للعطاء ودفع الثمن الذي عبّر عن نفسه بإلحاح الفعل «خذْ»:

«ليتني أكتبك فتقرأني من دون ضباب

ليتني أعيش الزمن بذكرى واحدة وأعوام منك

ليتني أعانق أسراب الحزن التي تمضي معك دوني!

خذ شيئاً من حنيني لتلمس وحشة الانتظار

وبرودة المساء!

خذ من شطآن الغياب

قُبَلاً لم ترحل معها مراكب الذكريات..

خذ ورد اشتياقي وتَشمَّم عطر أطيافك الذائبة

خذ وجعي مني ولا ترحل،

سأكتفي بعينيك قمحاً للطريق» (ص57).

في النهاية تصل الشاعرة إلى ما يشبه التنفس العميق: بعد أن نحاول ما استطعنا من أجل أن نحرس الأمل والأحلام لا يهمّ ماذا سيكون بعدها... حينها» سأكتفي بعينيك قمحاً للطريق»!

• كاتب فلسطيني