د.عماد الضمور

تحمل مفرداتُ اللغة طاقاتٍ إيحائية بالغة التأثير في المتلقين، إذ إنّها بتوظيفها في النص الشعري، تتحول إلى حالة أخرى، تختفي فيها سياقاتُها المعجمية لتتلبس بأبعاد جديدة، تفصح عن مكنونات مبدعها وحالته النفسية، وتنقل التجربة إلى المتلقي بأساليب فنية مختلفة.

ولعلّ تفكيك اللغة أو المستوى اللغوي قادرٌ على استجلاء معالم النص، إذ إنّ اللغة تستلزم المعنى، والعكس صحيح، مما يجعل النسيج الشعري يقع داخل البنية المطروحة للتلقي، وهو وجه من وجوه القراءة، ينهض على التأويل ويُفضي بجمالية التراكيب اللغوية، ودلالتها المعنوية.

يعدّ المتلقي أحد أهم أركان العملية الإبداعية، يمارس فعل القراءة بوصفه يقوم على «نشاط مكثف، وفعل متحرك، وتوليد يحاول معه القارئ استكشاف وسبر أغوار النص وهي تسير في اتجاهين: من النص إلى القارئ، ومن القارئ إلى النص» كما يرى حافظ إسماعيل علوي.

إذ تقوم القراءة بملء فراغات النص، والإفصاح عن المسكوت عنه، بعدما تسربت من ثنايا اللغة بعض مكنونات الشاعر، وانفعالاته الشجية.

لعلّ أهم ما ساعد في إبراز دور المتلقي، هو طبيعة شعر الحداثة الذي يقوم على الغموض، ممّا يحتاج إلى منهج خاص لتلقيه، فهو شعر «صعب ومبهم، ومشتت دلالياً، ونصه يبدو متشظياً مليئاً بالشروخ والفراغات والمساحات البيضاء التي تنتظر من يملؤها» وفقاً لعبدالرحمن القعود.

وهذا يلقي على كاهل المتلقي عبئاً جديداً، يتطلب منه مهارة نقدية، وقدرة لغوية عالية، تعينه على الإمساك بخيوط النص الإبداعي، وفهم دلالته التركيبية وقيمه المعنوية، ممّا لا يتأتى إلا في ناقد يمتلك أدوات تنطلق من التراث النقدي، لتمسك بمفاهيم الحداثة وتلم بآفاق المتغيرات الاجتماعية والثقافية.

وعند محاولة تطبيق رؤى نظرية التلقي في دراسة النص الشعري، يتضح ما يمكن أن تقدمه القراءة النقدية من استشراف حالم لرؤيا شعريّة، واختراق صريح لمكنونات المبدع، وكشف لعوالمه الخفية.

وقد جاء اختياري لمجموعة «مقام المليحة» لـعبدالله رضوان (دار اليازوري، عمّان، 2004) تجسيّداً واضحاً لما يمثله فعل القراءة من دور في عملية إعادة إنتاج النص برؤى جديدة، تختلف من قراءة لأخرى.

إنّ قراءة المجموعة قراءة منتجة، ومتفاعلة مع أجوائه النفسية ومضامينه الفكرية، قادرة أن توضّح لنا الأسباب التي دفعت الشاعر إلى طرق موضوعات محددة دون غيرها، وإلى اختيار بعض الصور والتشبيهات، وإلى صياغة أسلوبه بشكل خاص.

ننطلق في قراءة المجموعة من الدوافع والرغبات، مما يلبّي كثيراً من حاجة النفس المتلقية للشعر، إذ إنّ كثيراً من الدوافع والرغبات والميول التي تنشأ مع الطفولة، تتعرض للتغيّر أو الاختفاء، أو تظهر بطرق أخرى تحت تأثير الضغوط الاجتماعية المختلفة، مما يجعل هذه الرغبات تنبثق في النص الشعري على شكل انفعالات، تلامس جانباً مهماً من وجدان المتلقي، وتذهب به بعيداً إلى حالة عشق، تصعّد من فاعلية القراءة، ورغباتها في استيعاب انفعالات الشاعر، وأشجانها المستمرة.

الغلاف

يشكّل غلاف الكتاب إحدى عتبات النص المهمة، مثلها في ذلك مثل العنوان، والإهداء، والمقدمة، وتعليقات المبدعين على النص، وغيرها مما أُطلق عليه بالنص الموازي، أو النصوص الموازية، مما يبرز أهميتها؛ لارتباطها الوثيق بالنص الإبداعي.

تعكس صورة الغلاف بنيّة ظاهرة، ونوايا معلَنة، ما تحمله قصائد المجموعة من حالة توهج فكري، ودفء في المشاعر، تُفصح عن مكنونات الشاعر وانسيابية ألفاظه، وسواء أكانت صورة الغلاف من اختيار الشاعر أم من تصميم فنان، فإنها –ومن دون شك- تنطق بلغة الحبّ، وتكشف عن انفجار مخزون الشاعر العاطفي، واستسلامه للحظات بوح خاصة.

وبالعودة إلى غلاف «مقام المليحة»، نجد أنه يحمل ملامح مهمة لرؤيا الشاعر الفكريّة، وحالته النفسية، فهو بداية ينطق بأجواء تراثية واضحة، تبوح بها صورة المرأة الجميلة التي تملأ مساحة بارزة من الغلاف، فملامح الوجه، وقسماته الناطقة بما تبعثه المرأة في النفس من ارتياح، وما تمنحه لعاشقيها من طمأنينة، تكاد تشبه صورة شهرزاد في حكاية ألف ليلة وليلة، تلك المرأة التي شكّلت مثلاً واضحاً للحكمة والتضحية والفداء.

وممّا زاد من أجواء الغلاف التراثية، وروحه العذبة، ما تحمله المرأة -ذات الثوب التراثي الموشى- في يدها من طاؤوس جميل، ينظر إلى شكل هو أقرب إلى صورة القلب منه لأيّ شكل آخر، مما يمنح الغلاف حالة توهج رومانسي وانبعاث عاطفي، تفضح نوايا الشاعر المعلنة وغير المعلنة، وتقود المتلقي إلى فهم مسبق لما سيواجهه من نصوص.

لم تكن صورة المرأة «المليحة»، ذات الشعر الأسود الطويل، وحدها كافية لاستنطاق إيحاءات صورة الغلاف، بل إن لون ثوبها الأحمر، والمزخرف باللون الأصفر، عامل انبعاث عاطفي آخر في الغلاف، واستثارة مبكرة لخيال المتلقي، وقدراته التأويلية، التي يزيد امتدادُ ريش الطاؤوس فوق شعر المرأة من جماليتها، وامتدادها الزمني المطلق، لتمثل بشكل أو بآخر حالة من حالات الروح وجموحها نحو المطلق.

هذا الانبعاث الوجداني الذي يعكسه غلاف المجموعة، تعكسه القصائد بصورة واضحة، حتى إن الشاعر يكاد يرسم في كثير من قصائده صورة لهذه المرأة الملهمة، حيث يقول مندهشاً من جمال المليحة:

«يا ميمتي لا تْندهي

... الدُنيا غُروبْ

هايْ المليحةْ تشَلّحَتْ

تغْسل الثوبْ

ريتْي شمَسْها

شَعَرْها غطّى لذنوبْ

وابنكْ يا ميمَه

تلوّعتْ عليه القلوبْ» (ص69-70).

وهذا يجعل من غلاف المجموعة بؤرة إيحائية ذات أهمية في الكشف عن مغزى العمل الأدبي، وفهمه من الداخل، وقراءة مضامينه قراءة مبكرة، تجعل من إمكانية التوقّع عند المتلقي قائمة، وجاهزة لاستيعاب انفعالات الشاعر، ورؤاه الفكرية.

العنوان

يشحذ عنوان المجموعة «مقام المليحة» ذخيرة المتلقي باتجاه رسم صورة مثالية لامرأة خارقة، تمتلك كل مقومات الأنوثة، وتحلّق بخيال الشاعر في عوالم واسعة، تخترق الآفاق، وتختزن في داخلها كلّ ما يتمناه الشاعر في معشوقته.

يحمل العنوان بعداً مكانياً واضحاً لا يخلو من ملمحٍ زماني؛ فالمقام مكان يختلف عن غيره من الأمكنة، يحمل معاني السمو والابتهاج، فضلاً عن اعتلائه المطلق، وهو ببعده المكاني يعكس بعداً زمانيّاً، يعود بالمتلقي إلى ماضٍ عريق، وإرثٍ حضاري خصب، يخترق أجواء الزمن المعتم عبر بنىً نصية، تستدعي نبرة الفخر المستمدة من عمق المرجعيّة التراثية، التي تعلي من شأن المكان، وقداسة ساكنيه.

نستشعر من العنوان عبوراً مباشراً للنص الشعري المتوهج بفضاءات الانطلاق والمفعم بأجواء الحبّ؛ فإضافة كلمة «مقام» إلى كلمة «المليحة»، يُفصح عن طبيعة هذا المكان، وخصوصيّة ساكنيه؛ فالمليحة امرأة غير عادية، تختزن في عوالمها سحرَ عالم متخَيَل، يفسّر سبب اعتلائها لهذا المكان، الذي فضّل الشاعر الابتداء به؛ ليصبح منطلق أفكار الشاعر، ومبعث إلهامه.

وللمقام مكانة خاصة في الفكر العربي؛ لذلك جاء اختياره جزءاً من عنوان المجموعة إعلاءً لقيمته الأدبية، وتعبيراً عن حالة توهج فكري، أشبه ما تكون بهوية النص، وإشهاراً مبكراً لعلاقة حميمة مع القارئ.

تحمل كلمة «مقام» من القداسة ما يكفيها للتميّز عن أيّ مكان آخر، فقد ورد في النص القرآني قوله تعالى: «ولمن خاف مقام ربه جنّتان» (الرحمن: 46)، وهذا تعبير واضح عن قدرة المكان على الاحتفاظ بسمات مميزة له، كما إنها ترتبط بأضرحة الصحابة والأولياء، فنقول: هذا مقام النبي كذا... إلخ.

والمقام بوصفه عنواناً، يفيد من حمولاتٍ تداوليةٍ في التراث العربي؛ فهو مكان الإقامة، ومبعث الاطمئنان، إذ اشتقت منه كلمة «مقامات»، وهي فن نثري قديم، أبدعه العرب ليعبّر عن حالة فكريّة خاصة، تحتضن قصص الماضي ورؤى الحاضر في قالب فني مبدع.

والمقام في الفكر الصوفي، يحمل درجة عالية من الرفعة؛ فهو بغية السالك الذي ينبغي الوصول إليه بالمجاهدة، وتربية النفس؛ ليدوم هذا المقام، ويصبح ملكاً لسالكه، وصولاً لطاعة الله كما يبيّن حسن الشرقاوي.

ولا تخلو كلمة «مقام» من فكرٍ أسطوري واضح، فهي بحسب ناجح المعموري، تحمل في الخطاب الأسطوري والمرويات الشفاهية دلالة مرتبطة بشكل وثيق مع الألوهة شبه المذكّرة، والنبوة المقترنة مع اليأس في الديانة اليهودية و»جرجيس» في المسيحية، و»الخضر» في الديانة الإسلامية. والمقام مكان مقترن بالنبي الحي الخالد إلى الأبد؛ كما إنه مرتبط بالألوهة الشابة ذات العناصر الخاصة بمنظوم الإخصاب/ ديمومة الحياة واستمرارها. والمقام هو المكان الذي حطّ فيه الرجل الولي/ الصالح والنبي، وتحوّل إلى مزار خضع إلى منظومة فكريّة خاصة، صاغته العقائد/ الطقوس/ الشعائر.

أمّا كلمة «المليحة» فهي تعبير شعبي عن عفوية المرأة وبراءتها، وصدق كلامها، وعذوبة صوتها، ونقاء سريرتها، وحُسن صورتها، مما يجعلها أثيرة بمقام طالما حلم به الشاعر وهفت إليه القلوب.

لقد شكّل عنوان المجموعة نسقاً بنائياً واضحاً أسهم في منح النصوص معنىً محدداً، تمكّن من خلاله الشاعر من توصيل رسالته إلى قارئ وجد عنواناً يحمل ملامح قصة عشق خالدة، وكأنه نص صغير انبثقت منه نصوص أخرى كبيرة، مكملة له، ومفسرة لإيحاءاته المختلفة، فكان مقام المنخّل، ومقام الهوى، ومقام النبع، ومقام الإطفاء.

الإهداء

وهو إحدى عتبات النص المهمة، التي ترصد توجهات الشاعر الفكريّة وحالته النفسية، مما جعل من الضروري الوقوف على الطبيعة الفكرية للإهداء، ومدى مناسبته لمضامين المجموعة، فقد يكون ذا صلة بالبناء الفكري للقصائد، أو يحمل رغبة مخزونة في مكنونات الشاعر ووجدانه الملتهب، وقد يكون منبتّاً عن مضامين المجموعة، يعبّر عن رغبة خاصة، هي أقرب لكلمات الشكر والتقدير منها إلى الإهداء، أو التمهيد لمحتوى المجموعة.

يشكّل الإهداء في «مقام المليحة» مفتاحاً نصيّاً مهماً، يجذب القارئ إلى قصائد المجموعة، إذ جاء الإهداء واضحاً معبّراً، متّسقاً مع الغلاف والعنوان، يحمل رؤية فكرية واضحة، ويقود إلى بناء فني رفيع:

«إليها في تجلياتها السبعة

معشوقة وعاشقة

أماً وأختاً

زوجة وصديقة... ووطناً..

إليها في فتنتها...

وجنونها العالي».

هذا الإهداء يمثل خطاباً موجّهاً إلى أنثى تحتل مساحة مهمة من حياة الشاعر، تمتلك الخصب والجمال، وتمنح السعادة والدفء، وتتسع لكلّ ما تحمله من معاني السمو والانبعاث، فهي معشوقة وعاشقة أولاً، ثم تأتي أماً وأختاً، وزوجة وصديقة، ليكتمل وجودها بوصفها وطناً، يحتضن الجميع؛ ليمنحهم الأمن والاستقرار.

ويرسم الإهداءُ ملامحَ امرأة غير عادية، تحمل أبعاداً أسطورية واضحة، فهي لا تكون كذلك إلا في حالة الفتنة والبهاء التي لا تكاد تعرف حالة غيرها، ومما يـزيد من تفردها ما تمتاز به من جنون غير مألوف، يخرجها عن صفتها البشرية؛ لتكتسب ملامح امرأة متخيلة، صهر الشاعر في داخلها كل ما يعتري وجدانه من انفعالات، وما يتمناه في محبوبته من صفات.

ومن الملاحَظ أن الإهداء لا يقصد امرأة بعينها، بل ينبعث ليعـكس حالة شـغف وجداني في البحث عن امرأة ملهمة، تحتوي في داخلها آلام الشاعر، وتحقق أمـاله، ومع أن الشاعر قام بتقديم المرأة المعشوقة والعاشقة، إلا أنّه في قوله: «إليها في تجلياتها السبعة» يصهر كلّ هذه الصفات في امرأة واحدة، تكاد تتفق مع المفهوم الشـعبي الذي يجعل من المليحة امرأة جميلة، منـتمية للأرض، ومخـضبة بإرث حضاري واجتماعي خصب.

وقد جاءت نقاط الحذف التي تركها الشاعر بين دلالات امرأته المختلفة؛ لتمنح المتلقي القدرة على استيعاب صفاتها الملهمة، وانبعاثاتها المبدعة، مما يسمح له بإكمال هذه الفراغات كيفما شاء، وبما يتفق مع حالاته الانفعالية، ويقوده إلى فهم واضح لأجواء النصوص، ويهيئه للاقتراب أكثر من وجدان الشاعر، والإمساك بجذوة الإبداع.

لقد شكّلت مجموعة «مقام المليحة» للشاعر –الراحل- عبدالله رضوان، محاولة جادة لرسم معالم رؤيا شعريّة، تتخذ من حركة النفس بؤرة للانطلاق نحو فضاءات نصية واسعة، تتجاوز الواقع إلى رسم عالم متخيل، يسوده الحبّ، وتشكّل فيه المرأة كياناً مستقلاً، ومظهراً هروبيّاً في تجربة الشاعر، حيث يلتقي بالطبيعة بظلالها الوارفة، إذ يتنصل لحظة الكتابة من سيطرة الواقع القوية والمتأزمة في داخله، متشبثاً بالخيال، ومتكئاً عليه، ممّا يقود إلى أن المليحة في المجموعة ما هي إلا صورة من صور الحياة المأمولة، أراد الشاعر من تشكّلها في سياقات مختلفة التعبيرَ عن انبعاثات الحياة في نفسه، بعدما أصبح بالإمكان النظر إلى النص بوصفه بناءً متصوَّراً، وليس معنى جاهزاً.