أبواب - دكتور كميل موسى فرام

يتكرر الاحتفال السنوي بعيد الأم كلوحة تضحية خالدة ننقش مكوناتها بحروف قلبية مليئة بالتقدير والعرفان، وننسج فقراتها بأوتار تعزف بعفوية سيمفونية الاخلاص والاعتراف بلحن ملائكي لتشكل لوحة الخلود الربانية، تأكيدا لحقيقة نعيشها بدفء سكناها بقلوبنا بحرص ومحبة، فأذكر لأمي وأي أم بفخر أمجاد سهر الليالي وصداقة الصمت مع القمر والنجوم والحرمان لصلاة مستجابة لشمس تشرق بالغد ليوم جديد بأحداثه وأوقاته، حيث حقيقة نعترف فيها وأثرها بأن لا يغفل الجفن وهي تعالج مصائب القدر بدمع صامت قرباناً للسعادة.

الأم بحروفها ومعانيها مسلمة عظيمة كبيرة لا يمكن لمعجم أن يحتضن مفردات ليترجم معانيها، بوصلة للمحبة والعطاء والأمل، أنموذج التضحية والمحبة والمستقبل، ولن نكتفي بتخصيص هذا اليوم للتذكير بفضلها وحبها الساكن في وجداننا لأنها العمر كل العمر، ولكننا نترجم أحرف محبتنا وننسجها بدماء قلوبنا وفاءً وإعترافاً بشعور متبادل لرابط متأصل بين الأصل والفرع يتغذى على الوجدان، فلولا عطاؤها وتضحياتها لما وجدنا فوق بساط الدنيا وهضابها، ننعم بنسائمها ونتغذى برحيقها، خصوصا عندما يحملني منطاد الذكريات لعالمي برحلة العمر فوق تضاريس الطبيعة الرائع المبهج، فأتذكر عبر شريط العمر محطات صعبة ما كنت أتعدى حواجزها لولا البذل والجهد بدون كلل أو يأس منها ومن رحمة الوالد شريك النذر بتحدي الصعاب بسبب الايمان المطلق بعدالة التضحية لبناء عائلة نموذجية تفتح بوابة المستقبل مشرعة بسلاح العلم الذي يزين القناعة والعزم.

حياتنا محطات تتفاوت ظروفها وننتقل خلالها على درجات سلم المجد حيث ننشد لنجتهد كأفراد أشقاء، والعامل الذي يوحدنا بأن أمـي هي القاسم المشترك لتذليل الصعاب وتطويع صخر الأيام، وأتذكر اليوم كما أفراد العائلة جميعا شريط الذكريات للحظات العمر منذ الصغر حيث كل لحظة مرت بنا يدا بيد، وكم كانت تلك ايام جميله وقاسية، وذكريات لن تنسى وناقوس يدق في عالمي الرائع والمبهج، بعد أن كان وجودها سببا رئيسيا لكل مفردات النجاح والاعجاز، ورصيف لخطى الثبات حيث رضعنا من صدرها الحب والحنان والتواضع والانتماء، ونتذكر جميعا أناملها التي رافقت الوجنتين خصوصا بمواطن الاحساس بالخوف والضيق.

أمي الحنونة: أكتب اليك اليوم عرفانا واعترافا لأنك الأغلى، منارة الحبقى كل أيام السنة، الحنونة دائما ونوارة العمر بكل متاهاته الممقتة، بوصلة التيهان في عالم الغربة، مصدر الحنان والرعاية والعطاء بلا حـدود، الجندي المجهول الذي سهر الليالي ليرعي ضعفنـا، الإيثار والعطـاء والحـب الحقيقـي الذي يمنـح بلا مقابـل ويعطـي بلا حـدود أو منــّـة، المرشـد إلي طريق الإيمان والأمان، المصدر الذي يحتوينا ليزرع فينا بذور الأمن والطمأنينة، البلسـم الشافـي لجروحنـا والمخفف لآلامنا، إشـراقة النـور في حياتنـا ونبـع الحنـان المتدفـق، بل الحنـان ذاتـه يتجسد في صورة إنسان، شمـس تضيء ظـلام أيامنـا وتدفـئ برودة مشاعـرنا، وأنت الملاذ الذي يوفر لنا ستارا من براكين الزمن وعواصفه، لأنك صمام الأمان لحياتنا ننطقك ونطلبك بعفوية الفطرة بكل امتحان صعب حيث ظروف الحياة في أتون معركة البقاء. الأمومة من وجنتيك هي تلك المشاعر الإنسانية الفيّاضة التي تستطيع أن تسمو بنا فوق حب الذات فتمنيت لنا أفضل مما تمنيت لنفسك وغدقت علينا بالحب والحنان عونا على مواجهة الصعاب حيث رعايتك لخطواتنا قد ساعدتنا على صعود سلم المجد، فوصلنا بأمن وأمان إلى النجاح الذي ترجم تقاطع أمانينا والذي صنع تلك المشاعر لقلبك أجنحة تحلق فوق تضاريس السعادة فرحا بالانجاز، ودفعت رؤوسنا إلى الشموخ فخرا واعتزازا على حسن التطبيق، ملكت أركان الانجاز وقد حافظت على تماسك أفراد العائلة بالعدالة والمتابعة.

أمي الحبيبة: الكلمات تعجز عن وصفك، ولكنك على العهد بأنك الشمعة المضيئة التي تنير قلوبنا والبهجة التي تثلج صدورنا فأنت قامتنا التي شقت ورصفت طريق المجد، ودعيني أعترف بأن الحياة بدونك مركب صعب لا نقوى على رفع شراعه لأنك صمام النجاة والحضن الدافىء، ليس في صغري بل عندما دخلت معترك الحياة وأصبحت رب عائلة وأستاذ جامعي، فأحتاج منك لنصيحة لأنك الملجأ بكل الصعاب وعندما تضيق الطرقات وتتلبد السماء منذرة بجفاف الغد لأجدك الملاذ يا درة البصر والبصيرة، فلكم ضمتني عيناكِ واحتوتني يمناكِ، وكم أهديتيني القٌبلَ من شهد شفتاكِ لأرقد ملء أجفاني وأرسم حلو أحلامي، وكم أتعبتِ من جسد ٍوأرّقتِ من جفنٍ، وكم ذرفتِ من دمعٍ لأهنأ وأعيش في أمنٍ، ويوم فرحتُ لا أنسى صدق بسماتك وتغاضيك عن آلامك، تضميني إلى صدرك فأسمع صوت أنفاسك، فأدخر نصحك وحنانك لعثرات الزمن لأعيش نشوة العمرِ، وها أنا أسير على دربك مع أبنائي برفقة زوجتي نطبق حرصنا بجهد وصمت.

أعترف لك بأنك نبع قد أثرى حياتي بشريان المحبة والارادة، حيث أمضيت أشهر التكوين الأولى مكرماً معززاً داخل رحمك، فكنت صمام الأمان للتكوين والبدء والنمو، تحملت من أجلي ساعات مخاض وتعب ومخاطرة وتضحية لن أتمكن من تسجيل حروفها أو تدوين أحداثها أو توثيقها، واقعاً لحياة قاسية بظروف اجتماعية تميزت بضيق ذات اليد، واقعاً أثّر فينا كأبناء للعائلة المكافحة وألبسنا تاج الفخر، فكنت أيتها الأم الحبيبة «أم الكريم» سببا لتواجدنا على هذه الأرض الطيبة فما أن ارتفع صراخنا بعد حركة الشهيق الأولى لتدخلين بمرحلة التضحية التالية بطيب خاطر فأرضعتينا حليب المحبة والعطاء، وعلمتينا لرسم الابتسامة عنوانا للبدء حتى بأصعب اللحظات، ايمانك كان مرجعا فأغدقت حياتنا بنسائم الانتماء والصبر لدفن المستحيل بليالٍ سهرتيها رفيقة لماكينة الخياطة التي صنعت رجالاً، عِشْتِ الحرمان دون أن ندرك، ضُقْتِ المر دون أن نتذوق مسارك على دروب الشوك، قصة نفخر بأحداثها المؤثرة والمبكية حيث ابتسامتك عنواناً لحياتنا في ظلمات الليالي فكنت صاحب الاختراع لنظرية الصنع الطيب بمحدودية الخامات، أنموذجا على التصميم والتربية وعظيم الإنتاج.

أمي الحبيبة: بمناسبة الاحتفال، نقدم باقة محبتنا اليوم ونصلي ونذكر بفخر تضحيات والدنا الذي رحل بغير موعد منذ سنوات بقدسية وتركنا ونحن بأمس الحاجة اليه بعد أن اطمأن بدخولنا المستقبل من بابه الصحيح، ونعلن أننا على الوعد والموعد محافظون وملتزمون وكل عام وأنت بألف خير أمي.