ويتفتّح زهر اللوز معلنا بدايات ربيع جديد ،ويستفيق العصفور الحالم من سباته لينضم الى جوقة الطبيعة الخلابة وهي تعلن انتصارها على زمهرير شتاء صارم ما فتىء يحاول اختراق هذا الفصل الجميل ببرودته غير المعهودة ، لكنّ البنية التحتية المحيطة تقف له بالمرصاد متسلّحة بدفء ربيعي بدأ يفرض نفسه مطلقا سراح خبايا الأرض مُسْعِدا إياها باندحار «سعودات» شباط من «ذابح» و»بلع» و «سعود» ويبقى «سعد الخبايا « حيث» تطلع الحيايا وتتفتّل الصبابا « متنقّلات بين الحقول لجمع النباتات البرية من خبّيزة وعكّوب وعمطوط.. الخ وكل ما ظهر من باطن الأرض وبان معلنا بداية ربيع جديد..

وبخضم هذه التوليفة الطبيعية الساحرة التي حبانا بها الخالق سبحانه تطلّ علينا احتفائية عيد الأم بأول يوم من ايام الربيع ، لتوقظ مشاعر إنسانية جمّدها برد الشتاء مذكّرا إياها بالأُمّ رمز العطاء والكرامة ورمز الأرض الطيّبة..أُمّ الجميع..

ثلاثيّة أبدية تقف صامدة امام عثرات الزمان بأصالة مضامينها ومعانيها التي لا تُباع ولا تشترى بالمال ، وبدونها لن يكون الإنسان انسانا فهي التي تردّ له انسانيته كلما تخبّط بضياعه تائها بوادي النسيان!

ونتوقف بهذه العجالة عند محطة الأم بعيدها.. سواء قبِلَه البعض ام رفضوه لقولَبَتِهِ بإطار استهلاكي بحت، لاختزال مضامينه متمحورة حول الجانب المادي دون المعنوي..

ومع ذلك فقد غدا مناسبة محببَة مطلوبة بظل هذا الطوفان الديجيتالي بعالَم افتراضي يجتاح إنسانيتنا مجففا منابع الحب الحقيقية عبر أجهزة اليكترونية ،تمتص كل بذرة حُب تحاول النمو والصمود بوجه قحط عاطفي يحرق الأخضر واليابس..

وهكذا بغض النظر عن رفض البعض لهذه الإحتفائية الا انّ للأُم مكانة لا يمكن تجاوزها وتستحق لأن يكون العيد بإسمها عيد الأم MOTHERS ‹ DAY ،والذي استُحْدِث بمطلع القرن العشرين ،ليتم الاحتفال به عالميا مع اختلاف بالتواريخ فالبعض يحتفل بشهر نيسان وآخرون بأيار وهكذا ، ولكن مهما تعددت التواريخ فالعيد واحد..

ونحن نغتنم هذا اليوم يوم «ست الحبايب» لتهنئة كل الأمهات بشهر آذار الحافل باحتفائيات تكرّم المرأة على مدار الساعة: من يوم المراة العالمي وعيد الأم.. والكرامة.. الى يوم الأرض..وهكذا.. ولم لا ؟ فالدنيا ربيع والطقس بديع فدعونا نتفاعل باجواء مرحة متفائلة لنعدل كفتيْ ميزان قلب معاييرها سوء المزاج المتقلب بين لحظة وأخرى!

فدعونا نُظْهر تقديرنا لأمهات يحترقن من اجل انارة الدرب للآخرين من خلال كلمة حلوة.. أوزهرة جميلة تحمل بثناياها استمرارية التقدير لعطاء أُمِ حباها الله ورسوله بمكانة خاصة..» وقضى ربك ألا تعبدوا الا اياه وبالوالدين احسانا»

«والجنة تحت أقدام الامهات»..

ناهيك عن حديث آخر لرسول الله محمد (صلى الله عليه وسلم) عندما جاءه رجل فقال: يا رسول الله من أبر؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أباك

صحيح ان عيد الأم هو عيد غربي بامتياز بدأ بامريكا ويُحتَفل به في غالبية الدول لتكريم الأمهات والأمومة ورابطة الأم بأبنائها وتأثير الأمهات على المجتمع ، اما لماذا ؟ عندما وجد المفكرون الغربيون أن الأبناء ينسون أمهاتهم مقصرين برعايتهم لهن فأرادوا أن يجعلوا يوماً بالسنة ليذكّروا الأبناء بأمهاتهم، ولاحقا اتسعت رقعة المحتفلين به حتى صار يُحتفل به في شتى المدن في العالم وفي الأغلب يحتفل به في شهر آذار او نيسان او ايار.. وفي البلاد العربية ب 21 اذار مع بداية فصل الربيع ،مع ان الأسرة العربية كانت دوما متكاتفة.. ولم تكن بحاجة الى عيد لتذكير الأبناء بفضل امهاتهن وحثهم على تقديرهن.. بل كان هذا يحدث كتحصيل حاصل..

ولكن كان فعل ماضي.. وكل شيء راح راح وانقضى !

اما بالوقت الحاضر ونظرا لزحمة الحياة فقد تداعت أواصر العلاقات ،فطاحونة الأيام نازلة تطحن بنا ،وطغى اللاحسّ واللااحساس بعد ان انصهرنا بمنتجات الديجيتال والتكنولوجيا مبعدين القريب مقرّبين البعيد فقد وصلتنا سموم التطور.. ولم تصلنا نسائمه الإيجابية.. او بالأحرى أسأنا الإختيار.. نختار الأسوأ من التراث نابذين كل فضائله.. و نختار الأسوأ من الحداثة المتطورة نابذين إيجابياتها.. حياتنا غدت كمنتَج سريع بدائرة استهلاكية حولت الانسان الى جسد بلا روح.. وهيكل بدون مضمون.. والحل؟

يكمن باسترجاع كل ما هو مفقود من روحانية إنسانيتنا ولو مؤقتا..عبر عيد يذكّرنا.. يحثّنا..واضعين بأولويات برامجنا الأم اولا.. فالأم وطن يضم بين أحضانه الأسرة والمجتمع بل العالم بأسره..

ولهذا فهي تستحق كل تقدير مستمر بظل هذه المعمعمة «الطوفانية الإعصارية التي تجتاح كل مضمون جميل نعتز فيه لتحيله الى كوم يابس من هشيم متكسّر متقصف يوشك على الاندثار..

فما احوجنا إلى من يذكّرنا بإنسانيتنا ليوقفنا عن الركض واللهاث وراء اهداف برّاقة..خاوية..جوفاء..هي سبب كل بلاء

hashem.nadia@gmail.com