ملك يوسف التل

قليلون هم الذين يعرفون أن لدينا في وادي رم فراشة تخرج من عندنا مرة في السنة وتطير إلى ميلانو في ايطاليا. هناك تقوم بالتفقيس ثم تموت. خلفتها تعرف طريق عودتها إلى وادي رم.

هذه واحدة من الشواهد التي تستخدمها الفنانة هند منكو ناصر. لتأكيد قناعتها بحجم الحاجة للثقافة... الثقافة بمعناها العريض الذي يقوم على إعمال العقل وإتقان العمل والقدرة على الإبداع والتجديد والمواكبة.

تقبل هند منكو أن نُسميها «ناشطة ثقافية»، لكونها كرست من حياتها أربعة عقود للتنوير بمختلف تجلياته وأدواته. درست في الجامعة الأمريكية في بيروت التاريخ والسياسة لكن والدها إبراهيم مانكو لم يسمح لها أن تعمل في السياسة. اتجهت للتعليم واكتشفت ما في دواخلها من مواهب في الرسم وتتلمذت في ذلك على يد الأميرة فخر النساء. الوعي السياسي، والعمل التربوي المضاف له جهد تطوعي حقيقي، طويل المدى في رعاية الأطفال وفي إعادة اكتشاف التراث، جعل من أم ناصر ليس فقط ناشطة ثقافية رائدة وإنما ايضاً نموذجاً في القدرة على شحن الآخرين بالتفاؤل، حتى في أصعب الظروف كالتي مرّت هي بالكثير منها.

من يسمع قصة هند منكو مع المتحف الذي أمضت تسع سنوات في التجهيز له بدون أن تكلف الدولة قرشاً وكيف دخلت الحكومة وأخذته وسلمته للبيروقراطية التي أمضت 11 عاماً دون أن تنجح في افتتاح المتحف... من يسمع هذه القصة يعرف لماذا لا يستطيع كل تفاؤل هذه المرآة أن يخفي نبرة أسى تتجول في بعض طيات ذاكرتها المشتعلة بالإنجاز.

الأميرة فخر النساء درستنا أصول الرسم، بطريقة المدرب وليس بطريقة المدرسة أو الجامعة

كان للأميرة فخر النساء فضل كبير عليك طالما اعترفت به وأثنيت عليه. كيف حصل ذلك وساهم في تشكيل صورة الفنانة هند منكو؟

تعرفتُ على الأميرة فخر النساء في السبعينيات، وهي التي أدخلتني مجال الفن، وكم أنا ممنونة لها رحمها الله وسأبقى لآخر يوم في حياتي مدينة لها، حيث بدأنا معها في عام 1976، وأضحى لدي في نهاية السبعينيات مجموعة من الأعمال لغاية الآن أعتز بها، ومنها ما تم بيعه، وواحدة معروضة في فرنسا في متحف القصر الكبير، وهو من أهم متاحفها.

مع الأميرة فخر النساء قمنا بعمل أول معرض، وكانت فترة التدريب مهمة جدا. كنا نذهب مرة في الأسبوع للتدريب والعمل معها، وبعد الانتهاء من العمل، نذهب لغرفة صغيرة، وأمامنا لوحة حجمها تقريبا نصف متر في متر، لنمارس ما تعلمناه. وكنا بعد الانتهاء من اللوحات نجلس مع فخر النساء ونعرض عليها أعمالنا، وتقوم بعمل نقد فني عليها، ومن خلال نقدهاعلمتنا أصول الفن، واستمررنا هكذا لمدة أربع سنوات. وأذكر عندما اختارتنا لأن تعطينا الفن، وهي التي درست أصوله، تلقيناه بطريقة المعلم وليس بطريقة المدرسة أو الجامعة.. فخر النساء كما عرفتها وعرفها كل من تعامل معها، فنانة معطاءة جدا، واضحة جدا مخلصة جدا لم تُخفِ أو تبخس عنا أي شيء.

اذكر أول درس طلبته منا أن نمسك ورقة وقلما ونقوم بعمل أشكال.. بهذه الطريقة بدأنا معها، وبعد ذلك قامت بإعطائنا الألوان، لنوزعها على الرسومات بطريقة جيدة وتكون متوازنة للوحة، وبقينا في هذا الإسلوب فترة، وبعد ذلك كانت تقوم بتقييم أعمالنا. ثم علمتنا رسم الوجوه بالفحم.

هذه الأميرة الفنانة الرائعة جاءت إلى الأردن وعمرها 75 سنة، لكن ما قامت بعمله خلال 15 سنة في الأردن هو أنها خلقت جواً فنياً في البلد أصبح تحديا بين الناس وبيننا. كان التحدي أنهم يقولون بأننا فنانون أم هم الفنانون، و يتساءلون من أين أتيتم.

جاء بعد ذلك مشروع سهى شومان الذي كان له فضل كبير مع أنه لا يذكر دائماً للأسف الشديد, كما وأذكر أن الأميرة وجدان تواجدت لفترة معنا ودربتها الأميرة فخر النساء لفترة طويلة.

أول معارضك؟

كان ذلك في نهاية الأربع سنوات تدريب مع الأميرة فخر النساء، عندما قررت أن تقوم بعمل معرض معنا. هي التي جاءت من عالم الفن، من أوروبا، وفرنسا والتي كانت في الخمسينيات والستينيات مركز الفن في العالم، حيث عايشت هناك وقامت بعمل معارض في معظم عواصم ومدن أوروبا وأميركا، وأذكر في معرضنا الأول أنه حضر كثير من الناس ليشهدوا نتاج العمل الذي قمنا به خلال أربع سنوات. كان عددنا عشرة، وبعد ذلك تقلص العدد بعد ان اختارت كل واحدة منا اتجاها معين، وغالبيتهن في مجالات يغلب عليها طابع الثقافة والفنون. طلبنا في معرضنا رعاية الملك الحسين والملكة نور، وعرضنا لوحاتنا الفنية في قصر الثقافة. ما أريد قوله اننا لم نصدق ان أعمالنا كمبتدئات وضعت مع أعمال فخر النساء وكان هذا حدثا كبيرا بالنسبة لنا كفنانات في أول طريقنا، أن تكون لنا هذه المشاركة الرائعة مع فنانة قديرة وكبيرة كفخر النساء.

وكيف تردين على الذين يقولون ان هند منكو ناصر دخيلة على الفن؟

هم أحرار وليقولوا ما يشاؤون. أنا فنانة ولوحاتي وفني تتحدث عني.

الموهبة لوحدها لا تخلق فنانا؟

الموهبة لوحدها غير كافية، وبمقاييس فنانين عظماء مثل بيكاسو الذي يقول بأن الموهبة 5%، والـ95% هي المتابعة والمثابرة.

ما اريد توضيحه ان أي إنسان يستطيع أن يرسم، إذا وجد عنده الرغبة في الرسم. لكن المهم كيف يطور نفسه وكيف يصقل رغبته بالمتابعة. أما أن تكون لديه موهبة فقط دون تنميتها فهذا ما يعيق متابعة طريقه. الإنسان قابل للتعلم، وكلنا نستطيع أن نتعلم الرسم.

ولكن ماذا بعد ذلك؟؟ هل هذا كاف؟؟ لا أعتقد ذلك والتطوير من أولويات الفنان.

من خلال رؤيتك الفنية لأعمالك الفنية كيف تشكلت لديك لغة حديثة في الجمع بين أسلوبين فنيين مختلفين فوق سطح اللوحة الواحدة، ونجحت في خلق علاقة حميمية بينهما؟

ينتابني دوما شعور نفسي بأنني في وضع تشكيكي. لا أقوم بعمل لوحة وأشعر بأنني انتهيت منها، حتى ولو كنت في عملي راضية، إلا أنني أجد نفسي في آخر مرحلة أتركها للبدء بعمل آخر. ليس بالضرورة أن يكون هناك استمرارية للعمل الذي قمت به. لأجل ذلك ليس من السهل معرفة الطريقة التي أعمل بها. من هنا يقول البعض بأن لدي أسلوبين أحدهما به قوة أكثر وأسلوب به ألوان قوية أو ألوان أبسط أو ألوان بيضاء، وهذا لا أسميه تنوعا في الأساليب.

من الطبيعي في بداية عملي أن أكون متأثرة بمدارس فنية معينة، ومتأثرة بمن علمني، بأعمال فخر النساء. بعد ذلك إذا نجحت وحالفك الحظ فإنك تأخذ خطك الذي يظهر بأن هذا العمل عملك.

شخصيا أستطيع ان أقول بانني تغلبت بالخط الذي يجمع بين أعمالي، علما انني عملت وما زلت أعمل على سكتشات كثيرة مستوحاة من الطبيعة، ولدي كم هائل منها وبأساليب معينة، وبعدها أنتج عملا بأسلوب آخر في لوحة كبيرة زيتية.

الإلهام الأساسي لدي من المفروض أن يكون إلهام كل الناس: إما الطبيعة أو الإنسان أو يكون في خياله أو في عالم ما بعد الواقعي. بالنسبة لي أُبسّط العمل الذي أقوم به وأظهره بطريقة وأسلوب قريب لفهم الناس. هي محاولة تجاوز العالم الواقعي في كل أعمالي.. أريد التفتيش عن ماهية الأشياء، فرسمي للطبيعة ليس كما يرسمها الآخرون، وهو أسلوبي الخاص الذي أعمل عليه ولله الحمد.

أفهم من ذلك أنك تقومين بتفسير لوحاتك؟

من المفروض أن لا أفسرها، وأترك للمتلقي تفسيرها بإيحاءاته. فإذا أراد أن يأخذها بشكل عام فسيقول أن هذا منظر، ولكن ليس لدينا سماء لونها هكذا على سبيل المثال. في نفس الوقت أنظر أنا إليها وأقول بان الكون متعدد الجوانب. فإذا أردت أن أحللها وأنا اشتغلها فهذا يعني أنني أعمل بشكل أوتوماتيكي، وهذا ما يميز عملي.

لدي سكتشات كثيرة كما سبق وقلت وأرسم كثيراً، وعندما كنت أدرس مع فخر النساء، كنت أيضا اتابع دراستي في الأمور الأكاديمية، وان كنت أخاف التعمق أكاديميا حتى لا أحرم نفسي من براءة عملي، والفنان يرسم كثيراً حتى يصل إلى مرحلة براءة الأطفال.

استراحة

والدي لم يسمح لي العمل في المجال السياسي، والتعليم بديلاً محبباً


كانت دراستك في الجامعة الأمريكية ببيروت في مجال التاريخ والسياسة. لماذا كان ذاك الاختيار، ومن تذكرين من زملاء وزميلات الدراسة؟

اخترت هذا التخصص لاهتمامي بالتاريخ، و بالسياسة أكثر. بعدها عملت في مجالات ثقافية متعددة، لأن والدي لم يسمح لي العمل في مجال السياسة. فقمت بالتعليم، وأنا فخورة بالسنوات التي علّمت فيها، وحتى الآن أصادف كثيرا من طالباتي، ومنهن في مثل عمري، وكلهن تأثرن بما علمتهن إياه. ومن زميلاتي في الدراسة الأميرة وجدان وغادة الحاج حسن ومنى الرفاعي وخولة أبو قوره وغيرهن كثيرات.

كيف جمعت بين التخصص في السياسة ومنه إلى التعليم؟

في مجال التعليم علمت مادتي التاريخ واللغة الإنجليزية للمرحلة الثانوية «التوجيهي».. في مدرسة راهبات الناصرة. كانت المواضيع الثقافية تغلب على أسلوبي، منها عمل جريدة حائط، ومسرح ورحلات ثقافية استطلاعية مع الطالبات، وهذا لم يعجب مديرة المدرسة التي ظلت تعتبرني طالبة لديها، على اعتبار أنني خريجة المدرسة ذاتها، فتركت المدرسة، وعدت إليها ثانية عن طريق رئيس دير المطران سمير عساف وهو رجل واع ومثقف، حيث توسط لدى والدي للرجوع إلى المدرسة وكان ذلك في نهاية السنة الدراسية، ومن ثم غادرت المدرسة نهائيا لأن المديرة أوقفت جميع النشاطات الثقافية التي قمت بها.

وبعد ذلك درّست مادة الفلسفة وتاريخ أوروبا الحديث، والآثار، في مدارس الحكومة ومنها مدرسة الأميرة عالية. ومن طالباتي أذكر منى شقير وياسمين وهي أستاذة في الجامعة الأردنية، وغيرهن.