أمينة منصور الحطاب

كانت جدتي - رحمها الله - تفرح كثيراً عندما تنجب أمي الذكور من الأبناء ،وتتجمل بالصبر عندما تكون المولودة أنثى ولسان حالها يقول هذا ما قسمه الله لنا ولا حول ولا قوة إلا بالله ،وتبرر موقفها هذا بالخوف على مستقبل البنات من زوج طائش لا يحترم قدسية الزواج ولا يصون بنات الناس على حد تعبيرها،وكأن الأنثى قطعة من الأثاث تتوارثها الأجيال ،فإنسانيتها مشكوك فيها ،وفكرها ينحصر في رعاية الأطفال وتلبية شؤون الكبار ،أما رأيها الخاص فهو خاطئ ولا يحتمل الصواب.هكذا كانت الحال في الستينات والسبعينيات وبداية الثمانينات من القرن المنصرم ،أما الآن والحمد لله تغيرت الأفكار وتبدلت الأحوال فأمي تفرح بقدوم الأنثى تماما كقدوم أحد الصبيان من الأحفاد ،إلا أن هذه الأفكار ما زالت جذورها تضرب في الفكر والوجدان،فنعتقد أن الرجال أكفأ من النساء في القيادة والأعمال ،فالطبيب أمهر من الطبيبة وكذلك المهندس والمعلم والمحامي والسياسي ... الخ ،بل إننا في بعض الأحيان نفرض علىالمرأة العمل في مجالات لا يفضلها كثير من الرجال لقلة أجورها أو لما تتطلبه من صبر وقدرة على الاحتمال كما هو الحال في قطاع التربية والتعليم.

النوع البشري

إن كلمة النوع البشري (ذكر- أنثى) ذات حساسية عالية تتطلب شجاعة خاصة لفهم مضمونها وتقاسم متطلباتها،لقد فُرضت على النساء النظرة الاجتماعية-السياسية المبنية على النوع ،في أن يكن أمهات أو زوجات ،في حين فرضت على الرجال وضعاً بحسب مكانتهم الوظيفية ومسمياتها.حيث أصبح مفهوم النوع غير واضح المعالم عند كلا الجنسين خصوصاً حينما يتوقع المجتمع من النساء القبول بأداء أدوار معينة كرعاية الأطفال والشيوخ والمعوقين وغيرهم، مما يضعهن في مرتبة أقل من الرجال.

الحركة النسائية

تقول إليزابيث سبلمانElizabeth Spelman)) :»رغم أن كل النساء نساء إلا أنه ليس هناك امرأة هي مجرد أنثى» . وتعود الجذور التاريخية للحركة النسائية إلى المؤتمر الوطني الأول لشؤون المرأة سنة 1980م ،حيث ظهرت ولأول مرة مفردات ومصطلحات ومفاهيم جديدة،كالتفرقة على أساس الجنس والتفرقة على أساس النوع القائمتين على الاستبداد والسلطة المطلقة لجنس الذكور والنظام الأبوي وغيرها مما له علاقة بقضية المرأة كأنثى .لقد تركزت الكتابات المبكرة أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن العشرين على تكوين نوعيات فريدة من خبرات المرأة وتطويرها ،وعلى قضايا أخرى تتعلق بوجودها.وخلال تلك الفترة بدأ بعض الأخصائيين النفسيين في عملية تحليل ممارسة ما يسمى بالإرشاد النسائي النفسي .على أساس أن النساء يختلفن عن الرجال لكن الاختلافات ترجع إلى النظرة الاجتماعية-السياسية القائمة على النوع وليس على الاختلاف البيولوجي الجنسي.

الإرشاد النسائي

يعرف الإرشاد النسائي بأنه إرشاد نفسي اجتماعي موجه بواسطة متخصص -عادة تكون امرأة- لمساعدة المسترشد - الذي عادة ما يكون امرأة أيضاً- أو مجموعة من المسترشدين الذين يعانون من مشكلات نفسية أو اجتماعية ناتجة عن التفرقة بين الجنسين وما يتعلق بها من خلفيات .والمرشد النسائي يساعد المسترشدين على رفع معنوياتهم إلى أقصى حد ممكن خصوصاً مع حالات الإحساس الظاهر بالنبذ أو النمطية في العزلة بين الجنسين وكذلك مساعدتهم على تحقيق الوعي الجماعي لفكرة الولاء والمشاركة مع جميع النساء .ويهدف الإرشاد النسائي إلى إزالة الاضطهاد القائم على التفرقة الجنسيةنتيجة أخطاء في الرؤى تعلّمت فيها المرأة أن تكون سلبية واعتمادية ورجعية عوضاً عن أن تكون واثقة ومستقلة وتقدمية.

الأفكار الفلسفية للإرشاد النسائي

أولاً :العدالة

من الخطأ الاعتقاد بأن النساء أقل قيمة من الرجال ،فالمرأة لها إسهاماتها وأدوارها المهمة لاستمرار الوجود البشري و لتحقيق الشكل الأمثل للحياة الاجتماعية .وبسبب وجود الاختلاف بين المرأة والرجل سواء الفطري منه أو المكتسب ترسخت بعض المفاهيم الخاطئة التي أملت صورة للصراع بين الجنسين ،كانت المرأة فيه - في أغلب الأحيان- هي الضحية ،حتى ظهرت نسب ليست بالقليلة من النساء غير راضيات عن أوضاعهن ،إن العدالة تقتضي تبني القيم التي تحترم المرأة وإرادتها وقدرتها على المشاركة الفاعلة، كما تقتضي العدالة أيضاً توزيع الفرص بين مجتمع النساء بالتساوي خصوصاً في المجتمعات ذات النزعة الطبقية الحادة،إضافة إلى ذلك العدالة المطلوبة في نظرة المرأة نحو الرجل ،وفي تعامل النساء مع مجتمع الرجال.

ثانياً:التمكين

يعني تنظيم المجتمع وأنشطته الاجتماعية بهدف مساعدة جماعة معينة أو المجتمع بأكمله من خلال التأثير على القوى السياسية أو السلطات القانونية .

ثالثاً:المدافعة

تُعرف المدافعة بأنها تمثيل فرد أو جماعة معينة للدفاع عن حقوق أفراد أو جماعات ،وتهدف المدافعة إلى تنمية التغير الاجتماعي لصالح الفئات التي ينتمي إليها المسترشدين .كما تهدف إلى إشراك الأفراد في عملية التغير وهو ما يحوّلهم من صفة الاتكالية إلى الاعتماد المتبادل والتفاعل مع الأعمال الجماعية.

أهداف الإرشاد النسائي

على مستوى العمل الفردي:

- تحقيق الدعم الذاتي المتمثل في الإنصاف والتجاوب وتحقيق التنفيس الوجداني.

- تحقيق الدعم البيئي من خلال تعديل الظروف البيئة الممكنة والمسببة للقهر أو الاضطهاد الواقع على النساء.

- التعامل مع مشاعر الظلم والإحباط لتحقيق الأمان وتقدير الذات.

- تقديم خبرة جيدة من خلال التعامل مع الموقف مما يمكن النساء من تحسين قدراتهن ورفع معنوياتهن لأجل التعامل مع المواقف والمصاعب المشابهة في المستقبل.

- تحقيق عملية التوازن بين العالم الداخلي (الشخصية) والعالم الخارجي (البيئة).

على مستوى العمل الجماعي:

- إتاحة الفرصة للنساء من أجل فهم وتشخيص القضايا والموضوعات الخاصة بمعاناتهن.

- تشجيع الجماعات الإرشادية على المساهمة في عملية الحل أو الإرشاد أو المساعدة.

- العمل عل تغيير الظروف الخارجية المؤثرة سلباً على النساء.

على مستوى العمل المجتمعي:

- العمل على تطوير المجتمع بحيث يمّكن الجماعات المحرومة من جماعات النساء أو النساء عموماً من التجمع لمناقشة وإبداء حقوقهن وسبل تطوير خدماتهن بما يفيد المجتمع.

- العمل المجتمعي المفيد للفت الانتباه السياسي نحو مرئيات مجتمع النساء كمجتمع ضعيف أمام جماعات أقوى في المجتمع.

- السعي لتفعيل البرامج والخطط والمشروعات المعنية بقضايا المرأة.

- إيجاد تعاون مشترك بين الجماعات والمؤسسات والجمعيات ذات العلاقة بشؤون المرأة.

وبعد؛

إن الإرشاد النسائي يعبر عن فلسفة تقوم على تحليل السياسة لفهم مشكلة المرأة. كما يدخل المجتمع في محتوى العملية الإرشادية لضمان عدالة التوزيع السياسي والاجتماعي والاقتصادي بين الجنسين ،آخذاً في الاعتبار أن الأخصائية النفسية قد لا تملك إمكانية تغيير واقع عالم المرأة،ولكنها بالكاد تستطيع مساعدتها على فهم أثر الأحداث الواقعية للبيئة على مجريات حياتها.

Ameeneh@live.com