عمان - سناء الشوبكي

ارتفعت وتيرة الانتحار في الاردن خلال الفترة الماضية بشكل غير مسبوق.

وفي ظل الواقع وما يعيشه العالم «اليوم» من أحداث سياسية، وتغيّرات، وأزمات اقتصادية واجتماعية ، لابد من الإشارة إلى خطورة هذه الظاهرة ، دون أن نُبدي أي نوع من الاستغراب،وللأسف جميع الإحصائيات تؤكد تزايد هذه الظاهرة.

وما بين الظروف الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية والاخرى النفسية تراوحت تحليلات النفسيين والاجتماعيين لاسباب هذه الظاهرة.

رئيس قسم علم النفس في الجامعة الاردنية الدكتور مروان الزعبي قال ان لظاهرة الانتحار اسباباً نفسية واجتماعية واقتصادية وثقافية.

ودعا إلى «قراءة الارقام الصحيحة لنسب الانتحار، هل هي الانتحار الفعلي؟ او ممارسة الانتحار (الانتحار غير المؤدي الى الوفاة)».

وقال «يوجد هنا فرق؛ فبالتالي الاشخاص (ممارسة الانتحار) الذين ينتحرون هم اشخاص يهددون بالانتحار نظرا لشعورهم بالتهميش والاحباط وعدم قدرتهم على التكيف مع متطلبات الحياة او المشاكل التي يواجهها الاشخاص الذين يقومون بالانتحار ولا يتحقق انتحارهم وتعود أسباب بعضها الى مشاكل نفسية كالاكتئاب الشديد واغلاق جميع الابواب في وجههم لدرجة ان يصلوا الى مرحلة يشعرون فيها بسوداوية المشهد وان ليس لديهم اي قيمة وان موتهم لن يغير من نظرة المجتمع لهم مع تفكير سوداوي يشعرون فيه بان الحياة لايمكن الاستمرار فيها».

واضاف ان الاشخاص الذين مارسوا الانتحار هم موتى نفسيون قبل الانتحار والموت النفسي يدفعهم الى الانتحار.

واشار الزعبي إلى ان نسبة المنتحرين في العالم اكثرهم من فئة الشباب نتيجة ضعف خبرتهم بالتعامل مع المشاكل وحلها.

واكد الاستاذ علم الاجتماع في جامعة البلقاء التطبيقية حسين الخزاعي ان ظاهرة الانتحار اصبحت قضية في المجتمع الاردني وذلك من حيث زيادة اعداد المنتحرين سنة بعد سنة.

وقال ان الاردن يحتل المرتبة الثامنة عربيا من حيث عدد المنتحرين.

واوضح الخزاعي ان الانسان يسعى للانتحار بعد ان يكون فقد الثقة بنفسه وفي المحيط الذي يعيش معه وهذه تدفعه الى (كره النفس) والتخلص منها حيث يكون قد فقد التوازن النفسي الناجم عن عدم التوصل الى حلول في القضية التي يواجهها.

وأشار الى ان الانسان في هذا الوضع يكون معرضاً للاصابة بالاكتئاب النفسي والاضطرابات العقلية.

واوضح الخزاعي ان 20%من اسباب الانتحار في الاردن ناجمة عن اسباب اقتصادية والفقر والبطالة و70%من الاسباب المجهولة.. مؤكداً ضرورة ان تقوم الحكومة بالايعاز لانشاء مركز لحماية ومعالجة محاولي الانتحار حيث ان المركز من شأنه ان يعالج محاولي الانتحار في الاردن والتاكد من شفائهم قبل تسليمهم لذويهم وان هذا الاجراء يحمي من (300-400) محاولة انتحار سنويا.

وبين ان الفئة العمرية الاكثر انتحارا هي فئة الشباب التي تتراوح اعمارهم من (17 إلى 28 عاما).

وقالت الباحثة رانيا عبدالله–من معهد الإعلام الأردني إن الانتحار من المشاكل الأكثر خطورة؛ فهو يثير مخاوف عميقة تجعل الإنسان منقسماً بين حب الحياة، وعدم تقبل فكرة الحياة في ظل وجود أسباب لا يستطيع تقبلها، وبالتالي يلجأ عمدا للتخلص من الحياة.

واشارت إلى أن جميع الإحصائيات تؤكد تزايد هذه الظاهرة، حيث تشير تقارير عام 2010 لمنظمة الصحة العالمية إلى أن نحو مليون شخص في العالم ينتحرون سنويًا، أي بما يعادل حالة انتحار واحدة كل40 دقيقة، ما يرفع معدلات الانتحار بنسبة 60% في جميع أنحاء العالم عن الخمسين سنة الماضية، وأن لكل حالة انتحار20 محاولة انتحار فاشلة تسبقها.

كذلك تشير دراسات أخرى إلى أن حوالي 35% من حالات الانتحار ترجع إلى أمراض نفسية وعقلية كالاكتئاب والفصام والإدمان، و65% يرجع إلى عوامل متعددة مثل التربية، وثقافة المجتمع، والمشاكل الأسرية، أو العاطفية والفشل الدراسي، والأمراض الجسمية أو تجنب العار.

ولعل الأسباب الاجتماعية مثل التفكك العائلي، وانعدام الأمن، والعاطفة، والمشاحنات بين الزوجين، أو غياب أحد الوالدين، وعيش الطفل، أو المراهق مع زوجة أب قاسية، او زوج أمّ قاسٍ، والتعرض للضرب، والإيذاء أو الحرمان العاطفي بشكل متكرر، والتعرض للنقد المستمر أو الاستهزاء، وعدم احترام ذاته ومشاعره، وحالات الانتحار كنتيجة للاغتصاب للنساء خوفا من العار، أسباب جميعها تؤدي إلى الوصول لحالة اكتئاب شديدة، ومن ثم التفكير في الانتحار، والتخلّص من الحياة..

والأكثر شيوعًا المشاكل الاقتصادية كالفقر، والبطالة، والفشل بكل أشكاله حيث يعد الفشل المالي في سداد الالتزامات المالية، والتعرض للخسائر، أو الفشل العاطفي، أو الفشل الدراسي، أحد الأسباب الرئيسيّة المؤدية للانتحار، والأهم ضعف الوازع الديني، والبُعد عن الدين القويم وضعف الإيمان بالله واليوم الآخر، وقلة التوكل على الله، وعدم الخوف منه، رغم أن قتل الذات «الانتحار» مُحرَّم منذ بداية التاريخ الإنساني لحماية البقاء، وتطور الجماعات الإنسانية في كل الدّيانات، فالنفس ملك لله وليس لأحد أن يقتل نفسه.

من هنا، قالت عبدالله، يجب على مؤسسات التنشئة الاجتماعية (الأسرة، والمؤسسات التعليمية، ودور العبادة، ووسائل الإعلام)، والمؤسسات المعنية الأهلية والحكومية معالجة الأسباب التي تؤدي للانتحار، فلا يجب إخفاء أو إهمال ما يَظهر على الفرد من اضطرابات سلوكية غير مألوفة، فيجدر بعائلة المريض التوجه إلى الطبيب النفسي، أو الأخصائي لعلاجه وإدخاله المصحة النفسيّة إن لزم الأمر، وعدم الخجل أو انتظار تفاقم الحالة، وعمل برامج تأهيلية علاجية للفرد للنهوض به والتركيزعلى الجوانب الإيجابية لديه، ومساعدته على القيام بدوره في المجتمع، ومتابعته وتحسين ما يمكن تحسينه في محيطه الاجتماعي كتقليل الصراعات الأُسريّة. ومعالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وملء الفراغ الثقافي والفكري لدى المراهقين والشباب، لإنتاج ما هو مفيد وناجح، للحيلولة دون وصولهم إلى فكرة الانتحار والتخلّص من الحياة.