القاهرة - زياد عساف

« لما تكبر بتعرف « كلمات اعتاد سماعها أغلب الأطفال من الأباء والأمهات او حتى أساتذتهم في المدارس كلما هم احدهم بتوجيه سؤال وعلى طريقته حول قضية اجتماعية أو دينية يعتبرها المتلقي في اغلب الأحوال من المسائل التي لايجوز الخوض بها ، شكَّل هذه الحالة محاذير رسختها مع الزمن مفاهيم دينية وتعليمية واجتماعية عانينا وما زلنا منها الكثير، كان من الطبيعي وباستثناء تجارب قليلة ان ينعكس ذلك سلباً على ادب الطفل وقصص الأطفال تحديداً ، منى لملوم كاتبة عربية من مصر استطاعت تخطي هذا الحاجز الذي تجنبه الكثيرون وتحديداً في التعبير عن الأسئلة والأفكار المشروعة التي تتردد على لسان الأطفال حول الله الخالق سبحانه وتعالى ، ومن خلال مجموعتها القصصية الاولى « حيرة فرح « الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، لتبدد من خلالها حيرة الأطفال التي سبق وعشناها في هذه المرحلة من العمر ومازال يعيشها ملايين الأطفال على مستوى الوطن عربي .

«الطفل .. معلم»

حالفني الحظ ومن خلال الدعوة التي وجهها لي الأديب والصحفي الأستاذ حسام عبد القادر بحضور الندوة النقدية التي أقيمت في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2017 لمناقشة المجموعة القصصية « حيرة فرح « بحضور مؤلفة الكتاب الأديبة منى لملوم وقدم القراءة النقدية د.شريف الجيار استاذ النقد في جامعة بني سويف والناقد الكاتب علاء الجابر وأدار الندوة الاستاذ الشاعر والناقد عبده الزارع، اول ما يسترعي الانتباه اثناء تصفح هذه المجموعة القصصية ومن ضمن الإهداء الوارد على لسان الكاتبة :» اهداء الى كل طفل قابلته ..تعلمت منه.. وعلمته .. أهدي هذا الكتاب « ، يشعر القارئ هنا انه امام كاتبة تحترم عقل الطفل وتعي اهمية رأيه في لفت انتباه المؤلف الذي ينوي الكتابة في مجال ادب الطفل عموما، على عكس الأسلوب التقليدي الدارج الذي يحتكر رأي الأطفال واعتماده على التلقين والاسلوب المباشر في الطرح ، المتأمل لعناوين القصص العشرة الوارده في الكتاب يجد ان كل قصة جاءت رداً على سؤال توجهه الطفلة «فرح“ لشخصيات تمثل المؤسسات المفترض انها المعنية بتنشئة الطفل بالطريقة الصحيحة ،مثل مؤسسة الأسرة المتمثلة بالأم و الأب والاخوة ومؤسسة التعليم و المدرسة المتمثلة بالمعلمة ومؤسسة الإعلام التي تتجسد بالمذيعة ومقدمة البرامج ثم المؤسسة الدينية من خلال دور تحفيظ القران التي ترتادها «فرح“، ومن الأسئلة التي تثيرها الكاتبة على لسان «فرح» نلاحظ انها كانت من اوائل الكتاب العرب الذين تطرقوا لقضايا دينية تجنبها الكثير من المؤلفين اما للخوف من وقوع صدام مع الرقابة التقليدية واما لعدم دراية بالموضوع ، ونستعيد هذه الأسئلة التي هي عنوان لكل قصة لندرك نوعية واهمية هذا الطرح ومنها لماذا لانرى الله ؟ ، كيف يرانا الله اذا اختبأنا؟ ، هل الله قريب ام بعيد؟ ، ؟ لماذا نعبد الله وحده ؟ ، هل يعلم الله كل شيء ؟ ، لماذا خلق الله الملائكة ؟ ، كيف خلق الله الشيطان من النار و كيف سيحرقه بها ؟ ، لماذا اختار الله الأنبياء من الرجال ؟ ، ماشكل الجنة ؟ و لماذا يحاسبنا الله ان كان يعلم الشيء قبل فعله ؟ .

«عصف ذهني..»

القارئ لهذه المجموعة يلمس ان الكاتبة وظفت العديد من العناصر الايجابية من خلال الطفلة» فرح « واهمها بأن تكون هي المبادرة بالسؤال والجرأة بالحوار والغاية هنا تعزيز ثقة الطفل بنفسه وألا يظهر بدور المتلقي فقط ، وهي الصورة النمطية التي اوجدتها اساليب التربية التقليدية ومناهج التعليم التي تعتمد التلقين والحفظ ، بنفس الوقت وظفت الكاتبة أسلوب العصف الذهني في الحوار الذي هو اساس التفكير السليم ويساهم باستقراء و استنباط العديد من الرؤى والافكار وعلى لسان المشاركين في الحوار ، هذا بطبيعته مبعثاً لايجاد الحلول للعديد من القضايا والمسائل ونلمس ذلك في بعض الفقرات الواردة في المجموعة القصصية ،ومن قصة «كيف خلق الله الشيطان من النار وكيف سيحرقه بها ؟“ :» كانت الأم قد نبهت على ابنتها بعدم الاقتراب من الطعام على النار حتى لاتؤذي نفسها .. قالت فرح اعلم ان النار تؤذي الانسان .. ولكن كيف سيحرق الله الشيطان بالنار وقد خلقه منها ؟ « ، ومن قصة لماذا خلق الله الملائكة ؟ وهو السؤال الذي وجهته « فرح « لمذيعة التلفزيون حيث اثار السؤال بطبيعته سؤالاً اخرا على لسان طفل من الموجودين في الاستوديو“ وهنا سأل احد الأطفال : ولكن لماذا يكتبون اعمال الناس ؟!“ ويقصد الملائكة هنا .

من خلال « حيرة فرح « حافظت منى لملوم الحاصلة على ليسانس اداب قسم اجتماع ودبلوم عام في التربية على ترسيخ القيم الانسانية والتواصل الاجتماعي والأسري في نفوس الاطفال ونلاحظ أيضاً ذلك في قصة « هل الله قريب ام بعيد « وعند استقبال فرح لوالدها بعد عودته من عناء يوم عمل شاق ومن ضمن هذه الفقرة « عاد والد فرح من عمله ، فاستقبلته بفرحة شديدة جداً وقالت له : حمداً لله على سلامتك «، ولتمتين العلاقات الإجتماعية ايضاً كان الجد والخال وابن الخال حاضرين في قصة « لماذا يحاسبنا الله ان كان يعلم الشيء قبل ان نفعله ؟ وورد ذلك في مقدمة القصة « جاء جد «فرح“ لزيارتهم ، ومعه خالها وابنه الصغير ، ذهب الاولاد الى غرفة الالعاب ليرحبوا بابن خالهم، ويتشاركوا العابهم الجميلة معه « ، ولم تنس الكاتبة دور المعلم الذي لا ينحصر في التعليم فقط وانما في التربية أيضاً و ذلك في قصة « لماذا نعبد الله وحده « ومن خلال الفقرة « في ذلك اليوم كانت فرح على غير عادتها مع معلمتها ، حيث لم تكن تتجاوب مع اسئلتها ، ويبدو عليها الشرود . وفي اثناء فترة الاستراحة سألت المعلمة « فرحاً « : ماذا بك ؟!، وهذا دليل التواصل الانساني و التربوي بين المعلم والتلميذ وكما يجب ان يكون .

«أراء..»

طرح مثل هذه المواضيع كان دافعا للعديد من النقاد والباحثين للتطرق لهذه المجموعة بالبحث والتحليل من خلال المقالات الصحفية او الندوات والجلسات النقدية التي خصصت للبحث في هذا الكتاب ، د . شريف الجيار اشاد بجرأة منى لملوم على طرح هذه القضايا مع لفت انتباه الكاتبة في التركيز على البعد الانساني عند تناول مثل هذه المواضيع وعدم التركيز على اصحاب عقيدة دينية فقط ، الأديب منير عتيبة يتحدث عن المناهج الثلاثة التي وظفتها في الاجابة على الاسئلة وهي التعليم بالصور او الدليل المرئي والتعليم باستخدام المثال في الجواب على الاسئلة و المنهج الثالث الاجابة المباشرة الذي اقتصر على قصتين من هذه المجموعة ويرى عتيبة انه كان من الافضل عدم استخدام هذا النهج و اشاد بتركيز المؤلفة على القيم التربوية وتقديم المعلومات المفيدة الأطفال ، ويرى الصحفي والكاتب حسام عبد القادر وفي مقال له صادر في موقع بوابة الاهرام بعنوان « حيرة فرح ..حيرة المصريين « ان هذه الاسئلة موجهة للاهل والمدرس قبل ان توجه للطفل ويرى في ان تدرس هذه المجموعة القصصية بالمدارس وان تتواجد في مكتباتها بنفس الوقت وينظم لها ورش عمل مع الاطفال يناقشونهم في محتوى الكتاب ، هذا الرأي د فعني لبدء حواري مع الاستاذة الكاتبة منى لملوم بسؤالها كيف يمكن لقصص الاطفال المعتمدة ضمن مناهج التعليم الارتقاء بعقل وذائقة الطفل ، في هذا ترى المؤلفة ان المناهج التعليمية وللأسف تعتمد على الحفظ والتلقين بصورة كبيرة بحيث يكون التركيز على الكم وليس الكيف والتلقين عدو الابداع ، يأتي البديل هنا بتوظيف دور الخيال في القصة مما ينمي مهارة التخيل وهي وسيلة هامة تعوض القصور في الجانب التعليمي ، كما ان قصص الأطفال تعتمد الحبكة والتشويق وهو جاذب للطفل ، لذلك كل الاطفال يحبون القصص .

«أطفال كبار ..»

شاركت الكاتبة بالعديد من الدورات لتدريب الوالدين على التعامل مع السلوك الخاطيء للأبناء، بنفس الوقت فأن الأسئلة التي أثارتها الكاتبة من خلال «فرح“ لاتعبر عن حيرة الأطفال فقط لأنه وكما ذكرنا ان أغلب الأباء والأمهات يعيشون هذه الحيرة ولايجدون جواباً على هذه الاسئلة وهذا مادفعني لسؤال الكاتبة عن كيف يمكن لقصص الأطفال ان تساهم بتوعية الوالدين والاطفال بنفس الوقت ، ترى منى لملوم انه لكي ينهض ادب الطفل عموماً بتوعية الأب و الأم و الطفل معا لابد ان يكون كتاباً للأسرة كلها فهي كما ترى ان الأب والأم يقرأون لأ بنائهم وداخل كل شخص ناضج طفل فلا بد ان نخاطب هذا الطفل أيضاً ، حددت منى لملوم الفئة العمرية للأطفال الموجه لهم هذا الكتاب بين « 5-9“ في الوقت الذي يرى فيه الباحثون ان من الصعوبة تحديد الفئة العمرية كون الطفل قد سبق زمنه مع التطور التكنولوجي وان مساحة الطفولة بدأت تضيق ، في هذا ترى محدثتي ان هناك اعتراض كبير على هذه الرؤية من كتاب عالميين مثل «جون ايكن» الذي اشار ان الطفل في سن العاشرة قد يقرأ روايات أُعدت لسن 17، لذلك تصنيف الكتب حسب السن غير مجدي في هذه الحالة ولكن نظراً لأن لكل مرحلة سماتها المختلفة فربما يكون مناسباً ان يصنف حسب المرحلة الدراسية وليس السن ولن يكون ذلك الزامياً بالطبع فكل من يحب قراءة موضوع او كتاب فلن يمنعه تحديد الفئة العمرية من اقتناء او قراءة الكتاب .

«عسكر و حرامية ..»

خلال الحوار الذي جمعني بالأستاذة منى سرحت بخيالها لفترة طفولتها وكيف كان حلم الأطفال آنذاك بأن يرتدوا لباس الضابط ، ولو سئلت أي منهم عن امنيته في المستقبل ، يكون الرد بأن هدفه ان يصبح ضابطاً ، وفي لعبة الاطفال» عسكر و حرامية « ، كانت غاية كل الأطفال بأن يمثلوا دور العسكر ولم يكن أحد يحب أن يقوم بدور الحرامي ،وهذا كناية عن حبهم للوطن ، كل الوطن دون التمييز في العرق او الدين ، ومع ظاهرة الارهاب التي تسعى لتقسيم البلاد العربية على اساس عرقي أو طائفي ، كان سؤالي ل منى لملوم الحاصلة على بكالوريوس دراسات اسلامية أيضا عن كيفة توظيف قصص الأطفال في محاربة الارهاب والتطرف ، رأيها في ذلك ان محاربة الفكر المتطرف يكون بتقديم الفكر الصحيح ، فالفكر يواجه بالفكر ، والجيل القادم لابد من تعليمه الدين الصحيح القائم على التسامح واحترام الاّخر ، وادب الحوار والاخلاق وحرمة الدم وحب الوطن و جيش الوطن الذي يحمي حدوده .

«معرض الإسكندرية للكتاب»

في ختام الحوار وقبل ان اودع محدثتي التي تستعد للمشاركة في معرض الاسكندرية الدولي للكتاب الذي سيقام قريبا ، كان لابد من سؤالها عن اهمية معرض الاسكندرية للكتاب فيما يتعلق بأدب الطفل تحديداً ، تؤكد ان معرض الإسكندرية للكتاب هو معرض كبير وهام .. ننتظره من العام للعام لما يحمله لنا من رؤية ثقافية متميزة ، يعدُّها بعناية المستشار الإعلامي لمكتبة الاسكندرية حسام عبد القادر ويجعل للطفل أهمية كبيرة جداً في الأنشطة من ورش حكي وورش فنية ومشاركة دور النشر بكتب متخصصة بأدب الطفل وهناك ندوات و لقاءات مع بعض ادباء الطفل . وأثق ان المعرض يحمل الكثير من المفاجاّت للجمهور وان المكتبة كانت ولازالت جواز مرور لكل مبدع وشهادة ميلاد حقيقية لكل من مر بها .

في بداية لقائي بالكاتبة كنت قد وجهت اليها سؤالاً عن الدافع الذي جعلها تتطرق لمثل هذه التجربة وافادتني بأنها كانت بطفولتها تسأل نفس الأسئلة التي وردت على لسان « فرح « ، وعندما كبرت أصبحت توجه لها نفس الأسئلة ولأنها لم تجد من الكتَّاب من تطرق لهذا الموضوع فارتأت بأن تخوض هي هذه التجربة ، ولأن الكتابة في مجال الأمور الأدبية و الفكرية تحتاج لدافع و حافز لينجز المؤلف الفكرة التي تستهويه، كان دافعي و حافزي لإجراء هذا الحوار ، انه وقبل فترة قصيرة من حضوري للجلسة النقدية المخصصة للمجموعة القصصية « حيرة فرح « ، كنت قد شاهدت العديد من برامج مسابقات للأطفال وعلى شكل اسئلة توجه لهم كانت في غاية السطحية و الإسفاف مما يساهم بإفساد ذوق الطفل والحد من تطوره مما شكَّل لدي هاجس القلق على مصير طفولة عربية واعدة بنهضة الأمة لو استمر على هذا الحال، لكن سرعان ماتبدد هذا القلق بعد حضوري لهذه الندوة المخصصة لكتاب منى لملوم التي أحيت الأمل بوجود اقلام عربية غيورة وصادقة للارتقاء بوعي الطفل والذي لن تجدي كل خطط التنمية بعد ذلك في تطور أي بلد لو افسدنا ذائقة الأطفال الذين هم امل المستقبل لأمة تعيش ظروفاً قاسية تهدد الحاضر والمستقبل معاً.