علي القيسي

صور للعائلة يتأملها السارد، ويصنع منها روايته أو روايتها. تأنسنَ الورق نابضاً لحماً ودماً وشخوصاً وأحداثاً، «هذا الوالد والوالدة في سنتهما الأولى من الزواج. هكذا قيل لي، لم أكن قد وُلدت بعد منتصب القامة، قمحيّ البشرة حاملاً عنوان هوية تقارع الزمن مثله».

«أيّ بشارة يا أمي!»، عنوانُ الرواية التي كتبتها سوزان الراسخ (دار أمجد للنشر والتوزيع، 2017). عنوان العتبة سؤال استنكاري، موجّه من السارد أو صاحب الرواية (سوزان) إلى أمها، فالعتبة دالّ وحميم وعائلي واجتماعي.

ثمة قصة إذن، تعبّر عنها الراوية، وهي داخلية تبدأ من العائلة الصغيرة التي تم تهجيرها من فلسطين المحتلة إلى الشتات إلى الاغتراب والأسى والفقد والحزن وترك الديار والأوطان والبيوت والمزارع والذكريات.. إنه الاقتلاع من الجذور أمام المجهول والنفق المظلم الطويل.

تدور أحداث الرواية في قرى فلسطين والأردن وأميركا.. الشخوص متشابهون، متقاربون، نمطيون، حتى أولئك الذين لا قرابة بينهم يظهرون كأنهم من عائلة واحدة. والفضاء الروائي محدود في جغرافيته، والزمان قبل ستين عاماً تقريباً.

ثمة فتور بين شخوص الرواية وكسل يظهر في العلاقات بينهم، وأحياناً تجد نشاطاً محدوداً لهم. باسم وعماد وبثينة والأب والأم.. هذه العائلة جزء من شخوص الرواية، لكنهم النواة التي شكلت فيها مساحة لا بأس منها. أما مركز البحوث والدراسات، فقد شكّل جزءاً كبيراً من الرواية، بموظفيه وموظفاته، وبالمدير (أبو كميل) الذي لا يتحرج من استغلال وظيفته والتحرش من خلال نظراته النافذة بسكرتيرته المكتنزة «عريب». وهكذا تجول بنا الراوية إلى داخل جوانيات الشخوص في مونولوجات باطنية، تكشف ما يفكر به كل منهم.

تتناول الحكايات السردية الخارجية، قصةَ الاحتلال الصهيوني للضفة الغربية، وقبلها الأرض المحتلة، واقتلاع الأهل من موطنهم المقدس (فلسطين) عنوةً واغتصاباً، والحال التي آلت إليها حياتهم في الغربة، ووجع الرحيل والفراق والدموع والقهر الذي سببه الاحتلال. ثمة مقاومة للاحتلال، وثمة خيانة بالمقابل وتواطؤ معه، وثمة حكايات حب وغرام وقصص حب وزواج.

الرواية اختُزلت بمركز الأبحاث التابع للدائرة السياسية الاستراتيجية الأميركية، والذي هيمن على النص الروائي بشكل شبه كامل، وانحصر دور الشخوص بالدوام اليومي والمناقشات بينهم حول المدير وتصرفاته وانحرافاته الأخلاقية والمالية. لقد كان فضاءً ضيقاً، تم فيه حشر الشخوص بزاوية ضيقة.

ولكن في المقابل، أراد السارد من إقحام المركز في نصوص الرواية، تعميقَ الفكرة وإبراز قضية فلسطين بشكل آخر غير مألوف، فهناك الحانب السياسي والاستخباري الذي ورط الكثير من الشباب في العمل مع الدوائر الصهيونية والأميركية على حساب قضيتهم الجوهرية. وهي رسالة وجهتها الروائية عبر هذا المركز الذي يشوه الحقائق التاريخية ويحرم الفلسطينيين من حقوقهم في تقرير المصير والعودة ويحرم اللاجئين من حقهم في العودة إلى وطنهم الأم.

تعالج الرواية أموراً عدة، وتدعو إلى انتهاز الفرصة وعدم إضاعة الوقت في مفاوضات عبثية مع اليهود انطلاقاً من معاهدة أوسلو التي لم تقدم شيئاً للفلسطينيين، بل بالعكس؛ جمدت القضية وقفزت عن الحقوق التاريخية.

كل ذلك في السرد الروائي كان من خلال استنطاق شخوص الصور الفوتوغرافية القديمة وأنسنة هذه الصور وإنطاقها وجعلها تبوح لتشهد على مرحلة تاريخية مهمة وصعبة وخطيرة في حياة الأمة العربية، والشعب ائفلسطيني بشكل خاص.

لقد أرادت سوزان الراسخ أن تقول إن الحق سيعود لأهله مهما طال الزمن ومهما عظمت التحديات. أما من الناحية الفنية، فالرواية تقليدية كلاسيكية، ليس فيها الرمزية المعهودة في النصوص الروائية والقصصية، وهي تتحدث بالمكشوف دون غموض أو تقعير لغوي، ولكن حوار الشخوص كان عادياً في ما بينهم، يتسم بالهدوء وخلوّه من التوتر إلا في فقرات معينة عندما وشى «ناصر» بصديقه «باسم» الثائر على الاحتلال والمقاوم له، وكان الأمر في البداية صعباً على الرجل الذي دار في داخله حديثٌ مونولوجي استمر أياماً عدة أنّبَ فيه نفسه على ما فعله.

وكذلك الحال بالنسبة إلى الحوار الذي دار بين الشقيقين في أميركا بعد غربة طويلة، وكان أحدهما مستسلماً لما يجري في فلسطين وغافلاً عن القضية برمتها، يعيش في أميركا ميسور الحال وأموره على ما يرام، أما أخوه فيطالب بالعمل الثوري والتعبئة الجماهيرية لكنس الاحتلال وتحرير الأرض. إن الوقفات في النص والسرد تدل على أن الاختلاف قائم بين الأخوين على طريقة حل القضية الفلسطينية، وهذا ينسحب على الأمتين العربية والإسلامية، فهناك أطراف مع السلام الذي لن يتحقق، وهناك أطراف مع الحرب مؤمنين أن ما أُخذ بالقوة لا يُستَردّ إلا بالقوة.

أسلوب الكاتبة جيد يدعو للتشويق، واللغة ثرية وشاعرية، أما نمو الشخصيات فقد واكب السرد الزماني، فالأطفال أصبحوا شباباً يافعين متعلمين وموظفين، وواكبوا الحياة في الزمان والمكان.

«أيّ بشارة يا أمي!» رواية تنبض بالواقعية وتوظيف الشخوص والأحداث لبناء فضاء واقعي ينمو بشكل طبيعي مع الأيام بعيداً عن الخيال والأسطورة والرمزية والضبابية.