فراس حج محمد *

أعود مرّة أخرى لمناقشة موضوع شعر النّساء بعد ما نشرته في «الرأي الثقافي» تحت عنوان «قوة الشاعرات» (5/11/2016).

ثمّة إجابة جديدة قد تخلّقت وأنا أتأمّل المشهد الشّعريّ والظّروف المحيطة به. المناقشة معتمدة هُنا على الطّبيعة البيولوجيّة للنّفس الإنسانيّة، وأثر العوامل الاجتماعيّة والثّقافيّة فيما يُعرف في علم الإنثروبولوجيا الثّقافيّة بـ»سسيولوجيا الثّقافة».

وسأكون مضطراً إلى المقارنة بين الرّجل والمرأة فيما يتّصل بالكتابة عموماً، والشّعر على وجه الخصوص، غير مقتنع بما أورده «جايمس فنتن» في كتابه «قوّة الشّعر» عندما قرّر «أنّ هناك قدراً من الصّفة الذّكوريّة في النّموذج الأعلى للشّاعر، وهو ما يصعب على المرأة الانسجام معه»، ولكنّه باعتقادي كان على حقّ عندما أكّـد أنّ الشّاعرة «سليفيا بلاث» قد تخلّت عن «النّموذج الذّكريّ الأعلى»، وحاولت أن «تبعث من جديد معنى كلمة شاعرة» (قوّة الشّعر، جايمس فنتن، ترجمة: د.محمّد درويش، ط1، 2009، ص234).

روى ابن قتيبة في كتابه «الشّعر والشّعراء» عن الأصمعيّ قوله: «الشّعر نكدٌ بابُه الشّرّ، فإذا دخل في الخير ضعف» (الشّعر والشُّعراء، ابن قتيبة، تحقيق: د.مفيد قميحة، ط2، 1985، ص188). وعلى النّاقد الحديث ألّا يتجاهل مثل هذا القول ويمرّ عنه مروراً عابراً، بل عليه أن يقف مليّاً عنده وأن يحلّل هذا الحكم النّقديّ المحيل إلى معارف شتّى، على أنّ هذا القول لا يعني بحالٍ من الأحوال أنّ الشّعر نبتٌ شيطانيّ إغوائيّ مُجَرَّم، كما يُشاع اعتماداً على النّصّ القرآنيّ المفهوم خطأً «والشّعراءُ يتّبعهم الغاوون، ألم ترَ أنّهم في كلّ وادٍ يهيمون» (القرآن الكريم، سورة الشّعراء، الآيتان: 224 و225)، وإنّما له دلالات أعمق معنىً من المعنى السّطحيّ الظّاهر، ويتفرّع من هذه المسألة المعقّدة، إبداعيّاً وفكريّاً، أسئلة شائكة؛ لا يوجد لها بالفعل إجابات قاطعة ومحدّدة.

فهل الشّاعر مخلوق مختلف ذو ميّزات خاصّة واستعدادات فطريّة وُهِبها وحده؟ وهل ثمّة فرق بين الشّعر والحكمة المُدرَكة بالعقل؟ وهل العقل غائب أو مغيّب في العمليّة الشّعريّة؟ هل الشّاعر متمرِّد؟ هل الشّاعر فحلٌ ضاجّ برجولته، عنيف في خيالاته، تأخذه إلى ما لا تأخذ غيره، فيَتْعَب ويُتعِب، أو لعلّه ينتشي وهو يمارس فعل الخلق الشّعريّ؟ إن كانت إجابة كلّ تلك الأسئلة كلمة «نعم»، فهل المرأة الشّاعرة إذن مختلفة، متمرِّدة، لا عقلانيّة، ضاجّة بأنوثتها.. مُتعبِة ومُتعبَة؟ وإن كانت كذلك فعلاً، فلماذا لم تكن ذات حضور أسوة بهذا المخلوق المسمّى «شاعراً».

لقد أتاح المجتمع والقانون والعُرْف وكلّ العوامل الاجتماعيّة والثّقافيّة مجالاً فسيحاً للشّاعر أن يكون شاعراً، غير خاضعٍ للقوانين والنّواميس الاجتماعيّة، والثّقافيّة الدّينيّة، حتى اخترعوا للشّاعر أعذاراً لغويّة ومنطقيّة، مجازيّة وحقيقيّة، وتمرُّداً مباحاً مشروعاً في الخلق والصِّناعة، فقالوا: «يحقّ للشّاعر ما لا يحقّ لغيره». وهنا يجب أن نتأمّل من هو غيره، فصيغت من أجل الشّاعرِ الضّرورات الشّعريّة، والشّواهد اللّغويّة، نحويّة وصرفيّة ودلاليّة، ونادراً، بل ربّما انعدمت أمثلة على تلك الشّواهد من شعر النّساء. فلماذا الشّاعر تحديداً؟ لماذا يحقّ له الاختراع والخلق والتّجلي والتّغني والتّسامي وحده دون الشّاعرة؟ فلم يلاحَظ مثلا أنّ شاعرة ما كان لها شاهد بلاغيّ أو نحويّ، وهل فعلاً لم يوجد شواهد على المسائل اللّغويّة من شعر النّساء؟ وهل كانت الشّاعرات إلى هذا الحدّ مدجّنات اللّغة ليتّسق شعرهنّ تماماً مع فرعيّات منظومة القواعد اللّغويّة بكلّ مستوياتها المشار إليها أعلاه.

مسألة أخرى متّصلة بالعلاقة بين الشّاعرة والشّاعر، هي أنّه لم يحتمِ شاعر بشاعرة على مدى التّاريخ، فيما احتمت شاعرات كثيرات بشعراء وكتّابٍ كبار. وقد اتّهمت شاعرات كثيرات في العصر الحديث أنّ الشّاعر المعروف والمشهور هو من يرعاها، وربّما كتب لها قصائدها أو على أقلّ تقدير راجعها معها نصّاً نصّاً وعدّل فيها حذفاً وإضافةً، فرضيَ عنها واطمأنّ قبل أن يطلق عصافيرها بين يدي القرّاء والنُّقاد، فشكلّوا ثنائيات علائقيّة، وربّما أفاضوا فيما هو أبعد من علاقة الكتابة، على اعتبار أنّ الشّاعر فحل له ما له، وليس عليه ما على الشّاعرة من إثمٍ أو حرج، فكثرت الشّائعات الثّقافيّة الّتي لا تخلو من سوء النّيّة الثقافيّة والاجتماعيّة كذلك.

في مقابل كلّ ذلك، ولتكون الشّاعرة «شاعراً» أيضاً، لا بدّ لها من أنْ تحصل على كلّ امتيازات الشّاعر الممنوحة له، عرفاً ولغةً وواقعاً وقانوناً ثقافيّاً واجتماعيّاً. ولا بدّ أن تمارس «فحولتها» وتمرُّدها، وتعيش حرّة، تمارس نفسها شعراً، وتتيح لكلّ تلك العوالم التي تمور داخلها أن تتفجّر لتغرق كلّ من حولها، وتَخرج كما ينبغي لها أن تخرج دون أن تفكّر بالشرّ والنّكد اللذين أشار لهما الأصمعيّ، ودون أن تستسلم لنظريّة «جايمس فنتن» التي تعيق الإبداع فطريّاً لدى المرأة، ودون أن تفكّر النّساء كذلك إلا شعريّاً، بعيداً عن حُجُب المجتمع والأفكار الحاجزة العاجزة عن صنع الشّاعرة كما ينبغي أن تكون، ولا تفكّر لا خيراً ولا شرّاً، ولا تفكّر بالتّعب، ولا بالرّاحة، أو تعديل أمزجة الرّجال حولها.

ولا بدّ من الإشارة إلى أنّه نادراً ما يوجد شاعر عظيم، وأشدّ ندرةً أيضا أن توجد شاعرة عظيمة في كل زمان، ولذا فإنّ من مصلحة الشّعر قبل المصلحة الذّاتيّة أن تدرك الشّاعرة المؤهّلة لمثل هذا الدّور تلك المسؤوليّة، فتنظر إلى نفسها خالقةً لغة جديدة من عوالم أنوثتها، فما دام الرّجل يتغنّى بفحولته دون أن يجد من يلومه، فالمرأة كذلك لها ما للشّاعر وليس عليها إثم أو حرج. يكفيها الشّعر يرفعها إلى مصافّ الابتكار. ويحميها من التّدحرج إلى قعر بركة، ماؤها ضحل، لتستحقّ لقب الشّاعرة المتفرّدة المتمرّدة غير الكائنة في جلباب الشّاعر الكبير والمعروف والسّاعي ليكون إمبراطوراً أو شهرياراً، وربّما مارس الدّورين معاً. ليس ردّاً للتّهمة عنها فقط، بل لأنّ ما فيها من كوامن إبداع فطريّ تستحقّ أن تبدو ناضجة دون أن تُهَدْهَدَ مقهورةً أو محشورةً خوفاً من مجتمع ما زال يقدّس التّاء المربوطة.

فمتى استقلّت الشّاعرة بنفسها وابتعدت عن فلك البطاركة المحتالين ستلتفت إلى ذاتها وتُخْلِصُ، فتخلص لقصيدتها، فكما ترى الشّاعرة اللّبنانيّة مادونا عسكر، وهي السّاعية بجدّ لامتلاك ناصية الشّعر بلغة جديدة مختلفة عن السّائد البوحيّ، وتؤكّده في قصائدها المنشورة: «الشّعر يفترض انعزالاً داخليّاً بمعنى ابتعاد ضمنيّ عن الأضواء وحبّ الظّهور والمجاملات، وكلّما انعزل الشّاعر لمس الجمال وأبدع»، وهذه العوامل المانعة من لمس الذّات من الداخل في المقتبس السّابق، هي ما تجعل الشّاعرة -والشّاعر كذلك- واقعة أحياناً تحت تأثير المدح الزّائف، فتحوز ألقاباً فضفاضة كبرى، لا تجعل منها شاعرة كبيرة بقدر ما يجعلها أضحوكة أمام ذاتها قبل القرّاء والنّقاد. فإن انتبهت الشّاعرة لهذه المصيدة الذّكوريّة سيّئة النوايا، وأخذت بالحسبان كلّ العوامل المشار سابقاً، ساعتئذٍ لا سلطة سترفعها سوى سلطة النّصّ الخالدة، ولتغدوَ الشّاعرة شاعرة عظيمة ملحِقةً بكلّ «قوّة شعرٍ» تاءَ التّأنيث لهذا الكائن اللّغويّ المحدّد بالشّعر، فما زال ينتظر الشّاعرة المؤنّثة بعد أنّ ملّ من استقبال الشّاعر الفحل وتمدُّد سلطته الجماليّة.