د.عمر الخواجــا

بعض أقصوصاته مُسَلٍّ وبعضها مفيد، وبعضها حزينٌ وبعضها سعيد. ولكنّ صبحي فحماوي يعرف كيف يجعل منها مُستودعاً للمشاعر البشرية ومرآة لواقع عصري ونظرة لمستقبل بعيد.

يضيف فحماوي، كاتب الروايات المميزة ومبدع المجموعات القصصية، مزيداً من الإبداع في مجال «الأقصوصة»، والمسماة «القصة القصيرة جداً» من خلال مجموعته «مواقف» (الآن ناشرون وموزعون).. ففي هذه المجموعة يصنع القاص من المفارقة ما يدهشنا، ويؤسس لمشروع يعيد فكرة «ألف ليلة وليلة» في ثوب عصري يمزج التاريخ بالحاضر ويصعد بنا نحو استشراف ما هو آت... حيث ينسق مهندس الحدائق فحماوي قصصه بخبرة الروائي القادر على التحكم بالأحداث وإعادة صياغتها.

لكن؛ أين يكمن الإبداع في هذه الأقصوصات؟

أجابت د.زاهرة أبو كشك عن هذا السؤال في مقدمة مجموعة «مواقف»، حيث نوهت بقدرة الكاتب على صناعة المفارقة المدهشة، إلا أن إبداع فحماوي في الأقصوصة يتجلى من بدايتها، فمنذ الكلمة الأولى يُظهر الكاتب قدرته الفائقة على التقاط الفكرة الأدبية من خلال «المثل» أو «الطرفة» أو «الحكمة»، أو الحدث التاريخي أو الحاضر المعاصر، ثم يقوم بحرفية الكاتب المتمكن بتشكيل قصته، محاولاً الاعتماد على عدد محدود من الكلمات، وترك مساحات واسعة للقارئ، كي يصل إلى الهدف المنشود.

تبدأ معظم الأقصوصات بفعل ماضٍ يجعل من الكاتب عالماً بالأحداث ومسيطراً عليها، مما يدلّ على سطوة أجواء الحكاية على المجموعة.. فالكاتب يعلن نفسه وارثاً شرعياً لحكايات جدته وقصصها وأحاديثها، ويؤكد أن شهرزاد هي التي عبّدت طريق الحكاية العربية والعالمية. ونلمس حنكته الأدبية وقدرته السردية في مواقفه الأقصوصية، التي يرسمها من خلال أحاسيسه التي تتفاعل مع الأحداث بطريقة مميزة، فتراه يلجأ لهذا الشكل الأدبي متحرراً من سطوة الرواية وأحداثها المتشابكة، ومتجاوزاً أبعاد القصة القصيرة، وتكثيفها الضروري، حيث نجده في بعض مواقفه يقول ما لديه في سطر واحد من كلمات عدة، وفي مواقف أخرى يطيل حتى تشعر أنه يريد أن يأخذك نحو القصة القصيرة، ولكنه رغم ذلك يمسك بفكرته الرئيسة دون أن يتركها تأخذه نحو الإطالة أو الاجتزاء.

لقد اختلف النقاد في تقييم القصة القصيرة جداً أو الأقصوصة، فمنهم من أصَلّ لها في التراث العربي من خلال فن التوقيعات والحكم والأمثال، ومنهم من قرر أن هذا الشكل الأدبي لا يحتوي جميع أركان القصة وعناصرها، ولكن النص الإبداعي يفرض وجوده بعيداً عن هذا الجدل النقدي، رغم اختلاف وجهات النظر والآراء النقدية.. فالنقد يُسقط شروطه النظرية في حضرة الإبداع الذي يتجاوز حدود النظرية.

للمرأة حكايتها مع الشعراء والأدباء، فهي التي نقشت اسمها وخلّدته في عالم الحب والأدب، وهي التي كانت محركاً أساسياً لكثير من الإبداع الأدبي.. وهي هي المرأة التي ظهرت في مواقف فحماوي وأقصوصاته.. في البدء كانت شهرزاد.. شهرزاد التي تدافع عن حياتها برواية الحكايات وصناعة التشويق.. شهرزاد التي تغلّبت على شهريار بقدرتها الفائقة على سرد حكايات تلد حكايات أخرى حيث تتشابك الشخوص والأحداث في عوالم متنوعة من الواقع والخيال والدهشة والخوف.

وهكذا نجد أقصوصات مجموعة «مواقف» تتتابع بشكل سلس، مُشكِّلة مرآة لواقع مليء بالأحداث والشخوص.. وحين ندقق النظر في عوالم فحماوي القصصية نجد أنّ للمرأة الحضور الأكبر، وهو حضورٌ لا يكاد يغيب حتى يعود فارضاً واقعاً أنثوياً طاغياً يشي بما يعتمل في صدر الكاتب من عاطفة جياشة وأحاسيس رقيقة، تكاد تجد في المرأة عالماً قائماً بذاته؛ فهي هنا؛ الحبيبة والزوجة والصديقة والأخت والأم، وهي شريكة الرجل، تتقاسم معه معاناته وأحزانه وأفراحه وسعادته.

تُدهشنا رؤية الكاتب للمرأة، فهو يتناولها في حالاتها المختلفة، ويصف مشاعرعها وعواطفها ويتحدث عن أوضاعها الاجتماعية والنفسية، فنراه يكتب عن «المرأة الحزينة»، حيث يقف في قصة «خيبة أمل» عند الفنانة وحاجتها الملحّة لرجل يؤنس حياتها ويشاركها عواطفها متتبعاً تفاصيل أحزانها ومعاناتها، ويختم قصته بخيبة أمل كبيرة تجعل من حياة الفنانة رحلةَ بحث عبثية عن وهمٍ كلما اقتربت منه ابتعد عنها وصولاً لحالة الاكتئاب التي يكتب عنها في قصة «عروسة»، حيث الفتاة التي تعيش على أمل أن تصبح عروساً في يوم ما، ولكنها تنتظر دون جدوى فتصاب بالخيبة والإحباط والاكتئاب.

ومن حالات المرأة التي أبدع الكاتب في وصفها حالةُ «المرأة المتطلبة»، فهو يصف التطلعات المادية لبعض النساء دون أن يكون مبالغاً أو متحيزاً في نظرته التحليلية، ففي قصة «تضحية» يكتب عن المرأة التي تحاول الحصول على رجل لديه الجمال والمال والسيارة والبيت.. هو موقف واقعي يجد صداه لدى الكاتب من خلال الحياة الصعبة ومتطلباتها التي جعلت من الأمور المادية تتفوق على المشاعر والأحاسيس.. إذ تفضّل المرأة المظاهر المادية وترفض مرافقة الرجل في قصة «تعارف»، لأنه دعاها لركوب المواصلات العامة، فهو لا يملك سيارة خاصة. ثم نقف مع الكاتب عند المرأة التي تمتلك النفوذ، وتسيطر على الأمور في قصة «ظروف صعبة».

ولم يكن الكاتب قاسياً أو متجنياً أو مهاجماً وهو يكتب عن المرأة القوية، بل كان واضحاً في تصوير ما للمرأة المسيطرة من قدرات قد توظَّف بشكل إيجابي أو سلبي، حيث يتغلب دهاء الأنثى وقوّتها على سطوة الرجل. ففي قصة «عزومة طالبات» نجد الطالبة الجامعية بذكائها وقوة شخصيتها تتغلب على محاولة الأستاذ الجامعي استدراجها، ونجد في قصة «معاكسة» السكرتيرةَ القوية والتي تمتلك قدرة وجرأة على مواجهة محاولات التحرش اللفظي.

لقد تعددت المواقف التي خصصها الكاتب للمرأة، وهي مواقف غنية بالرؤى الاجتماعية والأفكار الأدبية والآراء السياسية التي جاءت في قالب قصصي ممتع نلمس من خلاله قوة الإبداع السردي، فحين نتتبع هذه الخصائص المميزة للنصوص، ونشعر أنها لامست جزءاً من مشاعرنا واقتربت من أفكارنا، ندرك أننا أمام إبداع يملك نكهته الخاصة، وأدواته الجميلة، إبداع يستحق القراءة والمتابعة، ويستحق الإشادة والتقدير.

كم هي المسافة ما بين قصص فحماوي والوطن؟

في هذه المجموعة كان الوطن في بعده المعنوي والجغرافي دائم الحضور، ما إن يختفي بشكله المباشر حتى يظهر بأشكاله المختلفة. هكذا هُم الكتاب الملتزمون بقضايا الوطن، تجدهم يحملون أحلامهم كواقع يتداخل فيه الماضي مع الحاضر ويختلط فيه عالم الأطفال وعالم الكبار.. وطن بحجم الذكريات الجميلة وأحلام الكتاب المبدعين.

كم هو جميل هذا الوطن الذي رسمته حكايات الجدات وتضحيات الشبان وأغنيات الأطفال.. صورة الوطن في قصص فحماوي لم تكن مجرد تراث يتحدث عن ماضٍ ذهب وانقضى، بل هي صورة تحمل بعداً معنوياً، ففي قصة «تراث الوطن» نجد التاجر الذي يتغنى بتراث الوطن، ولكنه سرعان ما يبيع مقتنايته التراثية... في لمحة تعبّر عن أهمية الارتباط الوجداني بتلك الموروثات.. لكي يصل بنا الكاتب في قصة «فكرة جهنمية» إلى حلم يعبّر عن آلام الهجرة والشتات، حلم تأسيس دولة على ظهر سفينة كبيرة ترسو في عرض البحر دون حواجز.

أما القدس، فيرى الكاتب سيناريو تمزيقها القادم، وتحوُّلها إلى قطع صغيرة متناثرة، فلا يتبقى منها سوى اسمها على محلات الفلافل والألبان والملابس كما ورد في قصة «سيناريو تفجير المسجد الأقصى». وهنا يتميز الكاتب في قدرته على استخدام أسلوب السخرية المؤلمة دون إطالة ودون اللجوء للشعارات الكبيرة والعبارات الرنانة.

كم هي الحروب مؤلمة، وكم تخلف من دمار وتشرد وضياع.. لقد اقترب صبحي فحماوي في قصصه من معاناة المهجرين واللاجئين وكأنه قد كان معهم يرافقهم في ترحالهم الحزين عبر البحر ويشعر بآلامهم حينما يقعون ضحية جشع قبطان السفينة.. فكتب عنهم بتعاطف كبير في قصة «قارب الموت».

ووطن فحماوي ينتصر حتماً على جدران المحتل الذي يعيش (الجيتو) في داخله كما ظهر في قصة «الجيتو العظيم». ويمتد الوطن كي يصبح كلَّ الوطن العربي بهمومه وأحلامه وأوجاعه... هو وطن المناضلين الذين يقاومون المستعمر بما لديهم من إرادة وعزيمة وإيمان... وطن يمتد على مساحات الأرض والبيوت والبيارات والمخيمات، ووطن يسكن في ذاكرة التاريخ ويسكنه التاريخ. تاريخ مليء بالشهداء والشهادة. تاريخ عابق بذكريات الحياة الوادعة البسيطة وحديث الجدات الجميل.. وطن يظهر واضحاً في ذاكرة الجدة «عذبة» وحكاياتها الجميلة.. ولأن للابداع مهمات عديدة فإننا أمام إبداع يرسم وطناً بحجم الذكريات.

في الأقصوصة تطغى المفارقة أحياناً على الشخوص والأمكنة والموضوع، ولكن كاتبنا ينجح في جعل شخوص قصصه علامة مميزة ترسخ في ذاكرة القارئ، فهذه الشخصيات المستمَدة من التراث الشعبي والتاريخ والحاضر تظهر بشكل مألوف وكأننا نعرفها من خلال كلمة أو فكرة أو تفاصيل صغيرة، يذكرها الكاتب تلميحاً، فتجعلنا قادرين على تخيل شخصيات كاملة من لحم ودم... شخصيات واضحة المعالم والوجوه والأفكار، تتحدث بلهجة متداولة مفهومة كاللهجة العامية، أو المصرية، وتسكن في المدن والقرى والمخيمات وتعاني من الفقر والحروب والقتل ومن أزمات المرور وغلاء المعيشة وتطور التكنولوجيا وصعوبة التنقل والخلافات العائلية والخيانات الزوجية وتحمل أفكاراً متنوعة ورموزاً متعددة لأحداث ماضية أو معاصرة أو خيالية..

ويبدو الكاتب قريباً من أبطاله، فهو العليم بحالهم والقادر على اختصار معاناتهم من خلال مفارقاته المدهشة والتقاطاته الذكية، فهو ينطلق بأدواته الإبداعية من الحدث العادي كي يصنع رؤيته القصصية ويكتب قصصه مترجماً أحاسيسه المرهفة وذائقته الأدبية وحسه النقدي العالي، مركزاً فكرته وصابّاً اهتمامه على الإنسان. فالإنسان عند فحماوي مفعم بالحكايات ومليء بالتناقضات وعابق بالمشاعر المختلطة.. هو إنسان غير كامل؛ يبكي ويحزن ويخون ويخطئ ويكذب، وهو ابن بيئته ووليد معاناته.. لقد ظهر الإنسان في «مواقف» بحالاته المتعددة، ومهنه المختلفة، فنحن نقرأ في هذه المجموعة عن الطبيب والمهندس وعامل النظافة والجندي والمناضل والشاعر والمعلم والطالب ورجل الأمن والعاشق والطفل والشاب والعجوز والزوج والزوجة والصديقة والحبيبة والسكرتيرة والراقصة..