عدنان أبو أندلس *

تحيل الجملة الأولى على لسان «خاطر» في رواية «أفاعي النَّار»، إلى أن ثمة سرداً عكسياً للأحداث، يبدأ من حيث انتهت الرواية، حينما قال السارد: «وأخيراً اكتملت روايتي»، إذ يمضي القارئ في درب يأخذه نحو تفكيك الحكاية، وإطلاق الأسئلة بلغة تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنه يكتشف تورطه في عوالم رغم غرائبيتها، إلا أنها تكاد تكون شكلاً مطابقاً للواقع لشدة إقناع الأداة الروائية.

فالرواية تبتدئ من النهاية استرجاعاً، مستفيدة من إحدى تقنيات السينما في خلق وتيرة عالية من التشويق، تجعل المشاهد مشدوداً ويتابع بشغف، كحالة التماثل البصري. ومع مضيّنا كقراء في عوالم هذا النص الروائي الإشكالي، نلمس أن ثمة تطابقاً وتماثلاً في تسميات وصِفات عديدة بين «الأفعى» بوصفها كائناً حيّاً مُخيفاً، و»النَّار» كحالة سيالة، إن أمكن التشبيه مجازاً. فهذا التطابق الثنائي جاء دينامكياً لكل منهما.

فالأفعى، تلسع، تؤذي، تتلوى، ولها لسان «فعلي»، صوتها فحيح. و»النّار» تلسع، تؤذي، تلتهم، تتلوى، إذ يخال للمرء من وهجها أن لها لساناً مجازياً. كلاهما تزحفان، تجريان في الأشياء، وعند مسّهما الجسد، تشوهانهُ بـالسمّ/ الحرق. فالمطابقة بكل إحالاتها هنا وبهذه الصفات كانت من أولويات تفكير الكاتب. وربما أن ذلك لم يأتِ عفوياً، بل أتى عن دراية معرفية مستشرفة، فمفردة «النار» تتكرر كثيراً في هذه الرواية في توظيفات ذكية تخدم الفكرة، ابتداء من العنوان، مروراً بحادثة الحريق، وتتابعاً إلى سلسلة الحرائق المادية والمعنوية، وانتهاء بالحريق الكبير، وكأن جلال برجس في هذه الرواية يستشرف حال العالم العربي الذي يتعرض هذه الأيام لسلسلة من الحرائق بكل كارثيتها ونتائجها.

هذا العمل العميق يعاين بوعي وتأنٍّ البنية الاجتماعية العربية، ومحمولاتها الفكرية والدينية بكل ما اعتراها من تطرف ورجعية خطيرة. لهذا لم تكن الثنائية في عنوان الرواية مجرد تلاعب لغوي، بل هي إحالة رمزية للنار والأفعى، ولما يمكن أن تحدثانه من خراب وتقويض، وما جُمعت هاتان المفردتان (الأفاعي والنار) إلا في تشابه مادي ملموس بصرياً، وجعل السّارد الأفعى محوراً تدور عليه كل الرواية التي غطت جسدها تماماً، حيثُ لمسناها ورأينا أفعالها بـحادثة لحظوية عياناً أو مروية نقلاً، لكن حين تسترسل في القراءة تختفي مفردة الأفعى، ولا يبقى منها سوى التنويه كذكْر لحالة، أما «النَّار» فتتواصل بمحمول دلاليٍّ فاعلٍ في المشهد النصي، وارتكازٍ مميز يجعلها تتمثل بكل حادثة تُحرك المتن وتُوهجهُ بصنعها حوادثَ متطابقة في ثُنائيات عدة أراد الروائي استمرارها بهذا الهياج والاشتعال.

أما الثنائية الأخرى، فهي في شخصيتي «محمد القميحي» و»سعدون الغاني». القميحي الذي يتبنى نظرة أحادية سلطوية لا تقبل الرأي الآخر زاعماً أنه يمتلك الحقيقة كاملة في المسألة الدينية وحتى الاجتماعية، فيشعل النار مجازياً ومادياً بسكان القرية، ضمن مفهومه الجامد لمسألتي العيب والحرام. و»سعدون الغاني» الذي تقمص شخصية «الغول» ومستويات الرعب فيها، فأشعل في القرية نار الخوف. فكلاهما أضحى شريراً، رغم اختلاف الدوافع، فالقميحي أحد العائدين من قتال السوفيات في أفغانستان، بأفكار أسست لنمط متطرف من التعاطي مع المجتمع وحركته. أما الغاني فهو ضحية الإقصاء والتهميش والفقر والطبقية في القرية التي تبدو معادلاً موضوعياً للعالم العربي، لهذا تبنى نهج الانتقام. هذا يضاف إلى ثنائيات أخرى لها دلالات عميقة في النص مثل «عين الحاسوب بعد تعرضه للنار» و»عين ابن القصّاد المشوه بعد تعرضه للنار» و»صوت المذياع» و»صوت الحاسوب».

جاءت بعض شخصيات هذه الرواية بصفات متنوعة، سلطوية، تحشيدية وانتقامية، وبعضها الآخر يدعو للسلم والحياة، وهناك شخصيات لها مساحة ضيقة من المحايدة، لكنها تتفاعل في الجانب الإيجابي من ذلك الحيز. وقد ألبسَ الكاتب شخصياته رداءً يلائم مسمياتها، اسماً، ورسماً، وشكلاً، ومعنى، فـ»القميحي» يوائم شكلُه ولباسُه الصحراوي جلافتَه وصلافتَه. كذلك «سعدون» الذي هزه الفقر فأضحى شريراً يكرر التهديد بالانتقام بعد أن اختفى الغول.

أما «خاطر وابن الحكاءة» فرغم الظهور الطفيف للأخير، فإنهما شخص واحد عاينهما السارد من زاويتين مختلفتين، ليصل بالقارئ في نهاية الرواية إلى نتيجة مدهشة لها علاقة ببنية الرواية وتساؤلاتها. فالأول تمت مقاربة علاقته بنفسه، وبالمجتمع واقعياً، والثاني تمت معاينته عبر الحلم الذي تماهى بالواقع في تلك الرواية، دون الشعور بأن الحلم وثيمته محاولة لتجاوز الواقع بكل انهياراته بحبكة اتسمت بوعي حداثي في التقديم والمستهل والمتن والخاتمة، من حيث الأسلوب والطرح والحوارات، لكنها أخفت بعض رؤاها بحسب نية راويها كي لا تسهل على القارئ بتحليله بشكل ميسر ومباشر، مما يحدو بالقارئ إلى البحث عن المخفي.

لذا يمكن القول إن جلال برجس استعمل الرمز، واللغز، والشيفرة، واللامعقول، والحُلم، والهلوسة، والهذيان، والأسطورة، بحيث تظهر «أفاعي النار» أنموذجاً للرواية الحداثية الواعية غير المتهورة، أسلوباً وشكلاً ولغةً، جرت تحولات شخصياتها عبر مراحل هندسية روائية لم تتنافر مع سمة الحداثة المهتمة بتثوير النص وحتى نسفه. إذ غرس برجس في أرض روايته إحالات كثيرة لا يراد لها إلا قراءة متأنية. فقد بُنيت تحولات ابن القصاد على مرحلتين، الأولى: رحيله مشوّه القلب عن الأردن، لما واجهه من مفاهيم مغلوطة حول العيب والحرام، وعودته إليه مشوّه الخلقة كـمرحلة أولى. أما الثانية فهي عودته لقريته مشوّه اليقين بعد أن لفظته عمّان حينما رمز لذلك بالرجل الذي بصق بوجهه عند الإشارة الضوئية، حينما آل به المصير إلى التسول:

«تحولتُ إلى متسول مدمن على شم (الآغو)، ينام في غرفة رطبة، لا يكلم أحداً، إلى أن حظيتُ ببصقة من رجل على إشارة ضوئية، جعلتني أحمل حقيبتي وأعود لقريةٍ ما زال أهلها يدفعوني خارجها، كأني كائنٌ غريب، لم يكن مسقط رأسهُ فيها» (ص143).

إن قرار ابن القصاد بعودته إلى قريته مركز وعيه الأول، يحمل في طياته قرار المثقف بمواجهة مصيره رغم يقينه بما يمكن أن يحدث له حينما يعود. ورغم كل ما مني به ابن القصاد من فجائع هو وبعض شخصيات الرواية، لم تكن الرواية سوداوية، فمستوى من مستوياتها اللغوية لم يغفل وعي الشعر حينما يحدق بالأشياء، وخاصة الحب الذي جاء محارباً العتمة إلى جانب التنوير وخطابه:

«حدقتْ بي بعينيها الناعستين، فارتطم عِطرها بجبين قلبي.. كانت كاستراحة محارب يوقد كل غيابهِ للحظة» (ص14).

هذا إلى جانب جمالية اللغة في وصف الأماكن والناس والوعي الداخلي للشخصيات، فأوجد ذلك حالة من التجسيد الرائع والتفاعل ودهشةً جرى سردها في أدق التفاصيل، كما في: «الآن في لحظة الصمت هذه حيثُ تخلو الشوارع من عابريها، إلا من بنت ترافقها قِطّة تتقافز في الهواء، تتبع فراشة يغريها خيطُ ضوء يتسلل عبر ثقب في جدار المقبرة» (ص9). وأيضاً: « أنصتت لصوت صرصار الليل، كيف يشقّ قِماش الصمت الأسود عندما دثر القرية المنشغلة بأمر الغول» (ص106).

في حركة الشخوص بأدوارها المتقنة، ثنائية متناوبة بفعل التطابق والتضاد معاً، فمقابل الشخصية الخيّرة نرى أخرى شريرة. إنها إحدى أدوات الكاتب التي تضع القارئ في طقس النص، وتجعله جزءاً من المتن الحكائي الذي رآه رائد علم السرد «بوريس توماشفسكي» مجموعةَ الأحداث المتصلة فيما بينها عبر السرد سرداً، مما يجعلها تستقر بذهن المتلقي، رغم منظار الخيال والفلسفة الذي كان الكاتب ينظر عبره إلى شخوص الرواية وأحداثها. وقد ركّز جلال برجس على تناول المتن من الداخل، تركيبه، عناصره؛ والشخوص التي تتحرك في مساحة مرسومة للأدوار، فجاء بعضها بثنائية ضدية غرائبية.

ولا يمكن إغفال الواقعية السحرية التي رصّعت العمل، من حيث أنها أفرزت مقدار الخيال المساوي لمقدار الواقع، وخلط الواقعي بـالفانتازي في حالات عدة. ولا ننسى الإرباك الذي حصل رعباً في انتقال الحاسوب ذي العين الواحدة، وتعالي الصوت المجهول بالتحذير، ومتواليات حديث الحكاءة، وصورة الأُم التي ينبعث الحنين من صدى صوتها، كذلك المرآة التي حين يتفحص البطل هيأته يشعّ منها وهج صافٍ بوجههِ، حيثُ ورد التطابق في «صاحب الكرامات»: «وقفتُ أمام المرآة أراقبني، حينها رأيتُ صورتي قد خرجتْ من فضاء المرآة، وأمسكت بيدي فأخذتني نحو مقعدي، قائلةً: كيف لك أن تعود، والنارُ ما أبقت من ملامحك شيئاً يدّلُ عليك» (ص167). لذا يتم التطابق نوعاً ما بين صورة الأم = الحكاءة وعين القصَّاد = عين الحاسوب. وكلاهما نتج عن حريق. هذهِ العناصر الممزوجة في متن النص الحكائي تذهل المتلقي وتجعله يتوهم ما بين الواقع و»اليوتوبي» علاوةً على القوى الخفية التي لازمت «خاطر» في مستهل بدء روايتهِ مع الحكاءة، طبعها، وجلوسها، وحديثها.

لكن ما يثير التساؤل والغرابة هو توظيف «الأذن الوسطى» وعلاقتها بالأحداث التي جرت. ربما لا يعني الكاتب التهاب الأذن الوسطى كما هو مألوف، أو حالة الطنين كاستذكار تخاطري ما بين شخصين كما يقال، وقد وظف ذلك مطابقة في «صاحب الكرامات»: «وصلتني رسالة من فاطمة تنبئني فيها بأن أمي قد ماتت، وأن عليّ العودة إلى الأُردن. هل تعلمين يا حبيبتي ما معنى أن تموت الأُم؟! إنها الأُذن الوسطى للكون، لذلك عندما قرأتُ كلمات فاطمة وهي تقول (أُمي ماتت يا علي) شعرتُ أنني أترنح، دون حيلة لي أن أضبط خطواتي» (ص166).

ربما يشير هذا إلى مغزى الرواية، وهو السعي إلى التوازن أمام كل ذلك الدوار والترنح الذي يلمّ بالعالم العربي.

لقد كتب جلال برجس روايته بأسلوب شيق وتقنية رصينة، بحيث يمكن تسميتها «رواية التحول الحديثة» بطولها ومدتها ومعاييرها، وشخوصها، وأمكنتها، وحبكتها، واسترسالها، إضافةً إلى حالات الإدهاش والغرائبية ومساحة السَّرد والحكي في متنها، ومعاصرتها الأحداث الحالية بكل تبدلاتها، لهذا استحقت عن جدارة «جائزة كتارا للرواية العربية» (2015).

• كاتب عراقي