د.إبراهيم أحمد ملحم

عرف الأدب عبر تاريخه الطويل شعراء جمعوا الرسم التشكيلي إلى جانب الكلمة، وبخاصة شعراء النهضة، ومنهم مايكل أنجلو (1475-1564م)، وفيكتور هوجو (1802-1885م).

ومن المؤكد أن الرسم التشكيلي يؤثر في بناء لغة الشعر، وتبدو أهم ملامحه في كثرة المحسوسات التي تشكل الصورة الفنية، كما نجد لدى الشاعرة والتشكيلية غدير حدادين في قصائدها التي تنشرها على صفحتها في موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك)، وهذا ثمرة طبيعيـة لتضافر الفنَّين وتأثير أحدهما في الآخر.

ولكن تبدو جديدة فكرة تعاون الكلمة مع اللوحة في عمل واحد بحيث لا يستغني أحدهما عن الآخر؛ لأنهما خليَّة مكتملة، ليس أحد مكوناتها نقلاً أمينـاً لما يحتويه الآخر، وليس توضيحيّاً أو ديكوريّاً. ويغدو مثل تحليل هذا العمل في غاية الصعوبة؛ لأنه نتاج شخص واحد، رأى في اللوحة ما يؤازرها، ورأى في الكلمة ما يؤازرها أيضاً؛ ليتحول كلّ منهما إلى شيء مختلف عمَّـا كان عليه قبل تشكيلهما معاً.

ويمكن إطلاق مصطلح «قصيدة اللوحة» (Poem Painting) على النص الجامع بين الكلمة واللوحة، والذي بدأ يشهد حضوراً في مواقع التواصل الاجتماعي. وممن يكتبون في هذا النمط الشاعرُ معن سناجلة الذي تتناول هذه المقالة نموذجاً من أعماله.

في هذا النموذج، يتضمن القسمُ العلوي للّوحة عيناً أنثوية كبيرة، يبدو فيها بؤبؤ العين متألّفاً من زُرقة الغيم في السماء، تنسكب من طرفيه ثلاثة مسارب للماء (الدمع) غير المتقطع، لكنها تنضمّ فيما بعد في مسرب واحد؛ لتشكل واحة صحراوية غير ممتدة يرتوي منها الحصان، والنخلتان: الكبرى والصغرى.

ويمكن لمشاهد اللوحة العابر أن يخرج بمعنى مألوف، وهو أن البكاء الدالّ على شدة الحزن كبير إلى الحد الذي لو اجتمعت فيه الدموع معاً لتحولت إلى واحة. لكن تحالف اللوحة مع النص لا يريد أن يُغلق المعنى عند هذا الحد، فماذا يريد إذن؟ هذا ما ستقوله القصيدة التي تتخذ عنواناً لها «ثقوب الناي» التي تنفتح على ثقوب الدمع من عين الأنثى، وهو ما يُعقِّد عملية التلقي:

(1)

في العكَّازة

كان يمشي الليلُ

واثقاً

متوكئاً

على نور عينيها

(2)

في ظلال الغابة

وَجد المصطافّونَ

ضالّتهم

(3)

في مزرعة الصمت

غابةٌ

من الكلام

(4)

في ثقوب الناي

ثمةَ دمعةٌ حبيسة

تترقرق

(5)

ظلَّ البيتُ نائماً

يحلمُ..

حتى فتَحَت النافذةُ

عينيها

(6)

على أريكة الغروب

يومَ مرَّتْ

كان يجلسُ قلبي

(7)

غالباً

ما يتدثّرُ الصوتُ

بصداه

حتى لا يُصاب

بذبحةٍ صدرية

(8)

في ظلِّها

تنامُ الشجرة

(9)

على أوتارنا الصوتية

تتأهّب دائماً

أسرابٌ من الطيور المهاجرة

(10)

في الموتِ

ثمة حياةٌ

تريدُ أن تعبرَ الجسرَ

إلى الضفة الأخرى

من النهر

(11)

على أبواب البياض

تتزاحمُ القصائد.

***

نلاحظ أن القصيدة تتألف من مقاطع صغيرة، عدد الأسطر في كل مقطع يتراوح ما بين سطرَين وخمسة أسطر، والسطر الواحد يتألف من عدد قليل من الكلمات تتراوح ما بين كلمة واحدة وثلاث كلمات، والمقاطع غير منتظمة بقافية معينة. ما يؤكد وعي الشاعر بأن النص الطويل ينبغي أن يُجزأ إلى مقاطع صغيرة، وأن سطور هذه المقاطع ينبغي أن تكون مختصرة جدّاً؛ حتى تتناسب مع طبيعة المتلقي في عصر التكنولوجيا الذكية.

اللغة الشعرية نفسها، اتكأت على المحسوسات في بناء الصورة، فتضمنت الكلماتِ المفتاحية التي تشكلت منها اللوحة، وأهمها: العين، الغابة/ الشجرة، الدمعة/ النهر. وهي مفردات دالّة على محسوسات ضرورية للتجسير الفعال ما بين الكلمة واللوحة.

توحي «العكازة» التي يمشي فيها «الليل» بثقلِ الحركة وبطء الزمن، وهو إحساس داخلي ناجم عن تزاحم الهموم في النفس، ولكن الثقة التي توهَب إليه للمضي قُدماً جاءت من خلال الاتكاء على نور عين المحبوبة. العين، هنا، مركز الرؤية والفاعلية حيث كانت في اللوحة، وحيث تكون الآن في النص، وسرّ مركزيتها وفاعليتها يكمن في قدرتها على تحريك طاقات الشعر، ولهذا، فإن عينيها تُنشئ غابة (قصائد) يجد في ظلالها المصطافون (متلقّو الشعر) ما يريدون؛ ذلك أن رؤاهم وعواطفهم تقولها القصيدة بدل أن تلهج بها ألسنتهم غير القادرة على تحويل ما في دواخلهم إلى شعر.

وهكذا، فإن «مزرعة الصمت» أو غياب تحويل ما في دواخلهم إلى شعر، تنوب عنه «غابة الكلام» حيث الكلمة تنتظم في قصائد كأنها أشجار متكاثفة، وليست تُسمَع إلّا من «ثقوب الناي»، أو من الحزن الذي يعتصر النفس؛ لتخرج الدمعة الحبيسة (القصيدة)، تترقرق حتى تروي ظمأ الإنسان، وتكون بمنزلة النافذة التي تنفتح على الخيال؛ فهذا الإنسان بغير الشعر لن يستطيع الوصول إليه إلّا عبر الحلم، وشتان ما بين خيالين؛ الأول (الشعر) يبني الحياة، أما الآخر (الحلم) فهو عابر، ولا يمكن أن يعوِّل المرء عليه شيئاً.

وإذا كانت «أريكة الغروب» تحمل معنى مزدوجاً، وهو توقُّف الحركة نتيجة بدء هبوط الليل، وفي الوقت نفسه، بدء تسرب الهموم إلى القلب، فإن مرور المحبوبة كافٍ لإيقاظ الشعر. وعلى هذا الأساس، فإن «الصوت» هو الشاعر، و»صداه» هو الشعر الذي يحول دون أن يُمنى المرء بـ»الذبحة الصدرية» التي تُنهي حياته. ويعود الضمير المتصل في قول الشاعر «ظلها» إلى المحبوبة التي تجعل هذا الشجر قادراً على الشعور بالطمأنينة التي تمكّن من النوم؛ لأن ما يرويها لن يتوقف عن التدفق. أما الضمير المتصل في قوله «أوتارنا»، فيعود إلى ثلاثة أقطاب: الشاعر، والمحبوبة، والشعر.

هذه الأقطاب الثلاثة بمنزلة الأوتار التي تعزف اللحن؛ كي تتأهب «أسراب الطيور المهاجرة»، أو الناس، للعودة إلى إنسانيتها التي لا يستطيع شيء أن يقوم بها سوى الشعر. ونجد الشاعر يختم قصيدته بما يؤكد أن الشاعر يبقى على «أبواب البياض»، أو بتعبير ثانٍ: يبقى مشرفاً على الهلاك (يرى الكفن ذا اللون الأبيض) يلوح له في كل لحظة يعيشها، لكنه لا يلج إليه، فتتوالد القصائد تلو القصائد حتى تأتي اللحظة الحاسمة في العبور للضفة الأخرى، وهنا، يؤدي الشعر دوره في الخلود.

السؤال هنا: في اللوحة نجد عين المحبوبة هي الباكية التي تؤسَّس عليها الحياة، وفي القصيدة نجد عينيها مصدرَ وحيٍ وإلهام، والشاعر هو الذي يحزن ويواجه الهموم، فهل في هذا تناقضٌ بين اللوحة والقصيدة؟ إن اللوحة هنا ليست ديكورية، وهي تعطينا معاني ليست بمقدور القصيدة وحدها النهوض بها. المحبوبة تتألم وتحزن وتبكي؛ لأن الشاعر يحبها، لكنه لا يريدها زوجة؛ حتى يبقى الشعر قائماً على الحب المرتبط بالإشراف على الهلاك. إنها بالنسبة إليه مصدر حياة؛ كي تولد القصيدة التي تضاعف وجود الشاعر، وتؤكد خلوده بعد الترجل عن صهوة الحياة. وبناء على ذلك، فإن اللوحة تظهر عينها الباكية، والحياة الناجمة عنها، والقصيدة تكمل المعنى لتؤكد عذابهما معاً؛ حتى يولد الشعر ثمرة لذلك.

إن القصيدة المرسومة بالكلمات تريد أن تقول كثيراً، وتحمل فلسفة عميقة؛ إذ ليس كل شخص اجتمعت لديه ملكة الشعر والرسم معاً بمقدوره إنتاج قصيدة اللوحة. وهي في الوقت نفسه تحتاج إلى تحليل دقيق يتلمس العصب الممتد بين العملين؛ ليكونا واحداً وليس اثنين.

لقد شكَّل معن سناجلة بعمله الإبداعي هذا جنساً أدبيّاً جديداً ينتمي إلى الشعر، ولكنه ليس إياه؛ إذ إنـه أعاد الإنتاج وفق رؤية عبقرية فريدة، تُسهم مع تضافر خيوط أخرى في بناء النظرية النقدية القائمة عليها.