صدوق نورالدين *

(1)

بصدور مجموعته القصصية «كمستير» (2015)، يكون القاص والمبدع جعفر العقيلي وسّع من ناحية منجَزه القصصي الذي تشكّلت نواته الأساس من خلال «ضيوف ثقال الظل» (2002)، وبامتدادٍ تَمثَّل في «ربيع في عمّان» (2011) و»تصفية حساب» (2014).

ومن ناحيةٍ أخرى، فإن تحقيق هذا التراكم يحيل على استمرارية الإبداع في الجنس نفسه، ولئن كان اللافت وبخاصة في مجموعته الأخيرة «كمستير» كونها تتضمن نصوصاً يوحي تلقّيها بأنها مفتوحة على الامتداد، بمعنى ما يمكن أن يشكل إيقاعاً روائياً متكامل العناصر والمواصفات. كمثال النصين «دوار» و»لقاء وحيد».

(2)

إن ما يعكسه تلقّي المنجز، تقليدية الصوغ المعتمد. وهي التقليدية المفتوحة على تجريب شبه نسبي يسهم في بناء تجديد شكلي يحافظ على بلاغة المعنى، علماً أن مفهوم القصة لدى جعفر العقيلي يتراوح بين بعدِه الواقعي وهو الأعمّ الأغلب، والعجائبيّ الدالّ على الالتباس وانتفاء اليقين، وبالتالي ما يطبع هذا الواقع من تحولات سريعة. ثم إنّ هذا الجنوح تحديداً مسايرةٌ لطبيعة الكتابة والإبداع القصصي تحت ضغط التأثير الملموس، وخاصة في القص الأميركي اللاتيني.

(3)

بيدَ أن ما يهيمن على تقليدية الصوغ القصصي النسبي، سلطة ضمير المتكلم (ضيوف ثقال الظل/ كمستير).

إذ إن معظم النصوص تُصاغ كذلك، وهو ما يحيل في عمقه على وقائع ترتبط بالذات في قلقها النفسي الداخلي الذي يعَدّ صورة دقيقة عن قلق الإنسان العربي ككل. إلا أنه وبعيداً عن هذه السلطة المهيمنة يبرز التنويع على مستوى وجهة النظر (الغائب/ المخاطب)، حيث الإحساس بترسيم المسافة بين القول القصصي والتأليف القصصي. وهي حياديةٌ في الجوهر متوهّمة، ما دام المؤلف يحمل الاسم العلَم: «جعفر العقيلي». فالتنويع يحيل على التعدد، ويكشف تمكّن القاصّ من صنعته.

(4)

على أن المعنى المنتَج يتقاطع بين «ضيوف ثقال الظل» و»كمستير». فالقلق الذاتي كما سلف، الوحدة، العزلة، اللاجدوى والرغبة في الحرية، قضايا تنكتب بجمالية محيلة عن إحساس هو بالضبط إحساس المثقف الذاتي في مواجهة عالم يفتقد اليقين. والواقع أن انكتابها يتحقق وفق خاصتين بلاغيتين: التكثيف والحذف، وهو ما يجعل نص القصة القصيرة لدى العقيلي يخضع لقاعدة الإنجاز في القصة القصيرة بما هي فن الاختصار والاختزال.

(5)

يعكس حضور شخصية المثقف في الكتابة القصصية لدى العقيلي حضور الوعي بالكتابة والتأليف. من ثم يتحدث عن الكتابة كنظرٍ نقدي، من خلال الكتابة كإنجاز:

«..ستكون قصتي مدهشة» (ضيوف ثقال الظل، ص59).

«..وهاأنذا أكتب قصتي في المقهى» (كمستير، ص63).

فالوعي بالكتابة يعكس:

1.قصة تشكُّل النص.

2.قصة استحضار فعل تلقّي النص.

3.قصة الحوار وقارئ النص، وكأن المؤلف مؤلفين:

أ.مؤلف حقيقي واقعيّ.

ب.ومؤلف متخيّل.

(6)

تبقى تجربة جعفر العقيلي في الكتابة القصصية، توسعة إضافة تدلّ عن تمكُّن واقتدار على الإبداع القصصي عربياً، وليس في الأردن الشقيق فقط.

* كاتب مغربي