عمان - جوان الكردي

تذهب دراسات علمية إلى أن الرجل يمر بأزمة عاطفية في عمر متأخر، ولكن ليس هنالك دليل يثبت العمر المحدد الذي توجد عنده هذه الأزمة فيمكن ان تمر بالرجل في نهاية الثلاثينيات أو مطلع الأربعينيات أو بعد ذلك.

ام محمد (ربة بيت) متزوجة منذ سبعة عشر عاما وزوجها الآن يبلغ 48 عاما ولديهما ثلاثة أولاد. تقول: كانت حياتنا رائعة، تزوجنا عن حب.. منذ أشهر لاحظت تغيرا على زوجي.. ألوان ملابسه زاهية لم يرتد مثلها من قبل، ويسمع أغاني جديدة (تامر حسني) ودائما الهاتف بيده ولا يتحدث إليّ أو يهتم بأولاده..».

سألت والدتها، فقالت لها إنها «هبة الاربعين» ونصحتها بـ»الصبر حتى يعود الى ما كان عليه».

(ر.ن)، موظفة، زوجها بالخمسين، تقول: «منذ عشر سنوات وأنا أعلم بعلاقة زوجي بالنساء وغالبا اقرأ الرسائل التي تأتيه من الفتيات وأغضب ويعود ويقول لي آخر مرة، لكن للاسف لم يتغير».

وتتابع أنه يردد دائما أنه بعمر يريد أن يشعر بأنه مرغوب ومحبوب كما كان أيام شبابه ويقول انه مهما كبر سوف تبقى الفتيات تجري اليه.

فوبيا الكبر

«داليا» موظفة بلغت الاربعين وزوجها 45 عاما، تقول إنه عندما وصل الأربعين تغير كليا.. «صار يرتدي ملابس لا يرتديها مراهق بالعشرين وقصات شعر غريبة ورسم تاتو على ذراعه».

وعندما تسأله يجيب: «ما زلت صغيرا ويحق لي أن أفعل ما يحلو لي»، حتى أولاده وأهله، كما تقول، يستغربون تصرفاته.

سألت داليا زوج أختها وهو أستاذ في علم النفس، الذي أبلغها بعد أن تحدث معه أنه «يعاني الخوف من الكبر».

تقول بحسرة: «للأسف استمر على ذلك إلى أن انتهت حياتي بالطلاق لأنه تزوج بفتاة أصغر منه بالعمر».

زوجتي هي السبب

الأربعيني (أ.ب) عندما بلغ هو وزوجته الأربعين صارت كل ما فتح معها موضوعا تجيبه بـ»أننا كبرنا.. أرتدي ملابس فتقول لقد كبرت، هذا ليس لعمرك».

إلى أن أتى يوم، وكانت زميلته بالعمل (حسب روايته) عندما يرتدي ملابس جديدة تطري عليه بالكلام، وصار يسمع الكلام الجميل منها.. وهكذا «إلى أن أحببتها وصرنا نخرج سويا، وشعرت بانني شاب مراهق، إلى أن عرفت زوجته وقالت إنه يعيش بفترة «مراهقة متأخرة «وسوف يعود لها ولأولادها..

لكنه تزوج زميلته، ويقول «وعشت معها أياما جميلة إلى أن دخلنا في الروتين والحياة الاعتيادية، وقتها ندمت كثيرا لأنها صغيرة بالعمر ولا أستطيع أن أجاريها بحياتها ومتطلباتها وندمت على ترك زوجتي السابقة».

ليس كل الرجال

المستشار الأسري والتربوي خليل الزيود يبين أنه من الممكن أن يكون سبب المراهقة المتأخرة هي تجارب طفولية صعبة أو التعرض لتحرش جنسي من الطفولة، أو لاضطهاد في الطفولة أو العيش لفترة مراهقة متوترة.

وتتسع الأسباب لتصل إلى «المرور بإخفاقات عاطفية في مرحلة الشباب أو الحياة الزوجية المتوترة أو الرغبة في عمل شيء جديد أو النظر الى ما مضى من العمر وقد مر بدون إنجاز وهنالك إرادة بالانجاز ويجب عمل شيء يترك بصمة أو أثرا».

ويلفت إلى أن هذه الظاهرة «لا تنطبق على كل الرجال.. ولا توجد دراسة علمية تثبّت عمرا محددا برقم ثابت لهذه الأزمة، كما أنها يمكن أن تمتد لسنوات أو تمر سريعا».

وأهم الأعراض التي تظهر بهذه المرحلة، وفق الزيود، «المحاولة الدائمة للشعور بالشباب من خلال تبديل الشيب بصبغه بالسواد أو وضع الكريمات التي تنقي البشرة أو ارتداء الملابس الموحية بأنه يتمتع بالشباب والسعي الدؤوب للتواصل مع الفتيات الأصغر سناً ليشعر أنه ما يزال مقبولاً عندهنّ».

وقد يصل الأمر حد «الانزعاج من المخاطبة بألقاب مثل: عمو أو أستاذ أو جدو وسوى ذلك من الألقاب التي توحي بأنه متقدم في العمر».

ولا ينكر الزيود بأن هذه الحالة قد توصل إلى الزواج بامرأة أخرى وبخاصة اذا كانت العلاقة الزوجية متوترة ومشحونة، أو أن زوجته لم تعد تكفيه، فتلجئه هذه الأزمة للزواج بثانية أو ثالثة «لأنه يظن أن هذا يحل المشكلة».

ولا يستبعد أن يكون هنالك أسباب نفسية أو بسبب تقصير الزوجة بحقه وبحق نفسها، لكن أقوى سبب هو «شعوره أن عمره ضاع بدون إنجاز حقيقي».

ويؤكد الزيود أن على الزوجة ضرورة تفهم حالة الزوج، ومصارحته بانها تعي أنه محتاج لوقت خاص وأنها قادرة على أن تلبي له ما يريد وأن تصارحه بانها جزء من الحل وليست جزءا من المشكلة.

ويحضها على «الاهتمام بنفسها أكثر.. ليس من أجله فقط، بل من أجل ذاتها، حتى إذا فكر في تركها أو الزواج عليها لا تخسر هي صحتها أو نفسيتها».

ويركز هنا على ضرورة وجود متطلبات مشتركة بين الزوج والزوجة: الاهتمام، الحب، والبوح والفضفضة لبعضهما بعضا».

ويؤكد الزيود أنه ليس شرطا أن تكون الزوجة مهملة (...) فقد يكون هو يبحث عن زوجة فقط من أجل البحث لا أكثر، وهنالك نسبة من الذين يتزوجون على زوجاتهم فقط من أجل التعدد».

ولا يستبعد أن يصطدم هؤلاء بفشل ذريع في زواجهم الثاني «لأنهم لم يجدوا فيه ما كانوا يصبون إليه».

ويوصي باللجوء الى مختص نفسي ليشخص الحالة ويصف الطريقة المناسبة لتجاوزها أو جعلها تمر بسلاسة وسلام.

ويلفت إلى أنه «لا يوجد وصفة جاهزة (...) فكل حالة تقدر بقدرها ولها ظروفها الخاصة».

تغير سن الزواج

أستاذ علم الاجتماع بجامعة مؤتة الدكتور رامي الحباشنه يرى أنه يمكن دراسة هذه الهبة تناسبا مع تغير السن المناسب للزواج وتبعا لتغير النظرة الاجتماعية لسن الارتباط..

ويفصل الحباشنة بالقول إن الشباب كانوا يتزوجون في الماضي قبل بلوغ العشرين، وكان يُنظر الى هذه السن بأنها مناسبة للزواج، لكن تغيرت النظرة الاجتماعية حاليا لتقدير السن المناسبة..

فقد يجاوز الشاب الاربعين وهو أعزب دون أن يشكل ذلك وصمة أو سؤالا اجتماعيا حيال هذا التأخر تحت مظلة الثقافة التي تغيرت باتجاهات جديدة تناسقا مع المعطيات الاقتصادية والاجتماعية والأنماط المعيشية الحالية المرتبطة بفترات زمنية أطول تقتضيها تحقيق أمنيات الدراسة والتحصيل العلمي والوظيفة والبحث عنها وارتفاع تكاليف الزواج..

وعليه، برأيه ، فإن الشاب الذي يتزوج باكرا، ضمن النمط القديم، سيقطع مسافة زمنية لا تقل عن 15 عاما حتى يصل سن الأربعين، هذه المسافة بما تحمله من تراتبية وروتين الحياة الزوجية قد تقود الرجل الى إعادة البحث عن تجديد حياته، بالاعتقاد أنه يستطيع الارتباط، وتجديد شبابه بالارتباطات النسائية التي تخرجه مما يظن انها حياة روتينية واثباتا لرجولته الشرقية بأنه ما يزال قويا وجذابا بعد مرور كل تلك السنوات.

أما حاليا، وفق الحباشنة، فالشاب يرتبط بعمر يقلل تلك المسافة الزمنية، هذا اذا لم يكن وصلها قبل الارتباط الأول في الأصل، ومما يقلل من ارهاصات تلك الهبة حاليا أن معظم الأزواج بلسان حال واحد يقولون: «يا دوب ماشيه بواحدة» في ظل الضغوط الاقتصادية ومتطلبات المعيشة الكبيرة والكثيرة..

وفي ظل ثقافة ينشأ فيها الرجل دينيا أن من حقه الأولى والثانية حتى الرابعة فلن يجد حرجا إن كان ميسور الحال أن يراهق عدة مرات ليشبع مقتضيات الذكورة في مجتمع ذكوري في الأصل ولا يزال ينظر الى المرأة بأنها خلقت لإرضائه وأنها أقل منه مرتبة اجتماعيا ويحق له في كثير من الجوانب ما لا يحق لها.. لكنه يعتقد ان النظرة لسيدة راهقت في الاربعين «ستجلد بسياط كل التنظيرات والوصم والعزل الاجتماعي»..

بينما، والحديث للحباشنة، ما يسمى «هبة الاربعين» إن مارسها الرجل سيجد عشرات المبررات لأنه لا زال (سي السيد) اجتماعيا الذي يكرر عبارة أن المرأة قماشة بيضاء ان وقع عليها نقطة حبر لوثتها. أما هو فيستخدم «مزيل بقع اجتماعي من طراز سحري يشرعن له مراهقاته التي سيجد لها تأويلا وتفنيدا اما تحت مظلة التأويل الديني أو قدسية الاجتماعي، اللذين يصبان حسب تحليل العقل العربي لصالح الرجل في غفران أخطائه عن أخطاء المرأة.

وفي النهاية مما سبق بأن هناك رجالاً يعترفون بهذه المرحلة ويذهبون الى اخصائيين ويعترفون لزوجاتهم والبعض لا يعترف بها.