دنيا الأمل إسماعيل *

كانت البنت تجلس على يمينه في كافتيريا بَحْرية، تنشغل عنه بالكتابة، وينشغل عنها بالفتاة الفرنسية ذات الشعر القصير، والتي تبثه كلاماً أستشفُّ منه رغبة أنثوية، تناوب نفسها بينه وبين الشيشة الراقدة إلى جوارها مستسلمةً ليدها الخبيرة. يحاول كلما فتر الحديث أن يواصل دفئه، بخبر من هنا أو حادثة من هناك. حدّثَتْه عن مشروع بحثها الحالي، وحدّثها عن رغبته في السفر لتعلم اللغة الفرنسية، قالت كلاماً هامساً، أكاد أستشعر بهاءه المتوجّه صوبه مباشرة.

لم يستطع الهروب، كانت مشدِّدةً الحصار حوله، تحاول الولوج إليه، لم يكن رافضاً، كما لم يكن لديه القبول الأكمل، هكذا استشعرتُ، غير أنّ الغيرة، التي لا أستطيع التهرب منها، كانت تأكل داخلي، أمّا الكبرياء فقد أصابها خدش يشفّ عبر ملامح الوجه عبوساً وضيقاً. أغاظتها هذه الأحاسيس المتداخلة، وهي تضغط على أعصابها بعمق وصمت قاتلَين، فكّرت بالقيام، لكنها تراجعت، لتكسب دقائق أخرى معه. مرة أخرى تقع في مصيدة أن تكون قريبة منه، ولو على حساب ألمٍ يتنامى على مهلٍ قاتل، وفي كل مرة أيضاً، تكتشف أكثرَ حجمَ تورطها مع هذا الرجل. كانت تشعر بالانجراف نحو شيء غامض وجميل، جمال لا يخلو من معاناة، كانت تصفه انجرافاً جميلاً، ليس مخططاً له أن يكون مدمراً، هكذا اعتقدت أو تمنّت، ففي حضرة الحب لا يمكننا التفريق بين الاعتقاد والتمني، كما لا يمكننا أن نتصرف بمنطق سوى منطق القلب الموجع.

تتابع حركة يده من المطفأة إلى فمه، الذي يخجل من لحظة صمت قد تشي بانتهاء الجلسة، بينما تفلت نظرات من عينيه نحو دفترك الأصفر وقلمك الأحمر وهو يسرد وحدته للورق، ما الذي يبقيك أيتها المسكينة، أنت لست هنا، وهو بكامل حضوره، يجامل فتاة غربية على حسابك. أيها البحر الرابض فوق صدري الحزين، وأنت هنا غير بعيدٍ سوى بمسافةِ ما بيني وبين هذا الرجل، الذي يروضني على نعمة الرضوخ التي لا تشبهني، أرجوك أخْرِج فيوضك السرّية واقلب هذه الطاولة التي تشتعل ضدي..

يا لدمها البارد يتلهّى بمشاعري وهي تتقلّب على جمر شيشتها، فيما عيناها ترسلان الورود لعينيه وهو يبتسم. القلب المسكين لم يعد قادراً على التحمل، وصلته برودة أعصابها، فكاد يرد عليها دمعاً حاراً ورجاءً بالرحمة، وهنا كان عليك أن تتنصّلي من ضعفك الغريب، وتنسحبي لموعد طارئ تذكّرته فجأة. آلمك أنه لم يتضامن مع ضعفك وانحاز لنصفه الغربيّ، ليكون هذا درساً أولَ في قائمة خسارات المحبة، لكنك لا تريدين أن تخسريه، تريدنه كاملاً من محبتك ورضاك، وهو مشغول عنك بالفرنسية التي تمارس شرقية لا تشبهها، يسرّب لها ابتسامات المجاملة، هكذا كنت تودّين وصفها، إذ لا يُعقل أن يكون حبيبها أو أن تكون حبيبته. ما أشد سذاجة المرأة حين تقع في الحب، ويا لخراب الوعي حين يقع في مصيدة التقاليد.

تنسحبين بهدوء، تحملين هواجسك وألمك، تشاركينهم المشي في ليل يشبه عتمة القلب الذي تحملين. المسافة إلى المنزل، تحتاج إلى أكثر من القدمين للوصول، لكنك لا تصلين، تدخلين البيت وأنت خارجه، تدفعين بالحقيبة الملأى بالأوراق والكتب وأشياء صغيرة تافهة على طاولة مزهوّة بورداتها، وتنامين بجوار ألمِكِ حتى الصباح.

* كاتبة فلسطينية مقيمة في غزة