صالح الخزاعلة

حظيت مجموعة «ضوء جديد» للقاص محمد عبدالكريم الزيود باهتمام النقاد من جوانب عدة, لما تزخر به من قيمٍ جماليةٍ وفنية. فالقاص اختار لمجموعته عنواناً هو عنوان إحدى قصصها ليعبّر بلغةٍ شعريةٍ شفافةٍ عن الأمل، والرغبة بالتمسك بستار الحلم، والإصرار على المضي قدماً في نفق الحياة المظلم: «بدت له كضوء خافت كسر رتابة الظلام المعلق خلف الستائر.. أدهشه هذا الضوء الجديد.. ربما لامس شيئاً منها يشبهه.. من ياسمين غائب في روحه».

ويمكن الوقوف على تقنية التناص والاستهلال في هذه المجموعة, والتناص هو تفاعل داخل النص بين الطرائق المختلفة للتعبير أو اللغات المستقاة من نصوص أدبيةٍ أخرى؛ لا سيما أنَّ النص على أشكاله المختلفة لا حدود له، أو لا حدود بينه وبين نص آخر، فهو حيّ متحركٌ متطورٌ متغيرٌ مفتوحٌ على نصوصٍ ماضيةٍ ونصوصٍ آتيةٍ، وهو كائن غير منجَز إلا بلفظه. إذن فالنص يؤثر ويتأثر وتتجسد مظاهر التأثر والتأثير بـأشكالٍ شتى كالمحاكاة، بحيث يتم إنشاء عمل أدبي على شاكلة آخر، استلهاماً له وتوظيفاً لمعطياته أو بمعارضة هزلية له، أو بالنقل والافتراض.

وتدل النصوص المتناصة على الفكرة التي يطرحها المؤلف، أو الحالة التي يجسدها ويقدمها، فالتناص مهما كان نوعه فإنه يقدم للنص الجديد وللمتلقي الحجة وإمكانية الإقناع والتأثير، والوصول إلى عقل القارئ؛ لانه بتعبير آخر نص متداخل متسرب، فهو نص يتسرب إلى داخل نص آخر ليجسد المدلولات، سواء وعى الكاتب ذلك أم لم يعِ.

لذلك فالتناص في القصة القصيرة جداً من أهم التقنيات التي تتيح للقاص حريةً في الحركة والقول..كما إنه ينسجم مع الاختزال والتكثيف.. والتناص يضخ الدلالة إلى خارج النص، ليس للوصول إلى الآخر، بل لبعثه وصنع علامة وشائجية بين الغائب والحاضر.

ويُقسم التناص في القصة القصيرة جداً إلى قسمين؛ واحد متعلق بالعنوان، والثاني متعلق بمتن القصة. وفي مجموعة «ضوء جديد» يخرج علينا القاص بأنماط متعددة للتناص, ومنها «التناص الأدبي»، ففي قصة «ليلى والذئب»، جمع الزيود بين تناص العنوان والمتن في هذه الومضة, فالتناص الأدبي فيها خرج عن المغزى التراثي المتوارث ليصنع دلالاتٍ جديدة، مغايرة لأفق توقعات القارئ، فيقول:»كانت ليلى تخاف الذئب، تخشى مخالبه الكبيرة، وأنيابه المزروعة في فمه الواسع الموحش، هكذا حذرتها جدتها منه، له يدان يغطيهما الشعر الكثيف ورائحته نتنه..عندما خرجت من الغابة وقصدت المدينة، اكتشفت أن الذئاب كثيرة ولكنها بأشكال جميلة وجديدة، اليدان ناعمتان، والفم صغير، المخالب مقلمة جيداً.. الشعر مسرَّح بإتقان، يضعون الكثير من العطر.. لكن.. تبقى رائحتهم نتنة!».

يستحضر الزيود في هذه القصة الحكاية التراثية (ليلى والذئب) محاولاً إعادة صياغتها لتلائم الواقع المعاصر، عبر التناص الأدبي الذي ولّدَ نصاً آخر، وذلك من خلال الوقوف على المضادات اللفظية، وإظهار الفوارق الفكرية المعتمِدة على الصورة الدرامية والمشهدية، فبعد أن رسم القاص صورة الذئب تحوّل مجرى النص نحو المفارقة الصورية، والمقابلات الدلالية، ذات الإيقاع المتوافق مع حركة السرد.

لقد أخرج التناص في قصة «ليلى والذئب» المتلقي من أفق التوقعات إلى عالم اللاتوقعات، واعتمد الزيود في ذلك على مبدأ المغايرة في رسم الصورة؛ فضلاً عن أنّ التناص الموظَّف في القصة أزال الغموض عن القناع البشري القائم على الخداع والخيانة، إضافة إلى أنّ رمزية التناص في رائحة الذئب النتنة تتوافق مع حركة القصة التي جاءت بمفارقةٍ رمزيةٍ معبّرةٍ عن فساد الواقع الإنساني. لقد استطاع التناص هنا أن يحيل المتلقي إلى تأويلاتٍ متعددةٍ تصب جميعها في خدمة النص القصصي الجديد.

ومن أنماط التناص في المجموعة نفسها, يظهر نمط التناص «النوعي», فالتناص النوعي من أكثر أنواع التناص ظهوراً في القصة القصيرة جداً, وفي هذا التناص يتخلى نقاء النوع الأدبي عن صلابته، ويتخلخل أنموذجه المحدد، وتفقد هويّته الخاصة انتماءها وفعاليتها، فتتعالق النصوص بعضها مع بعض في طريقة التشكل الداخلي، ويقترب التناص أو يبتعد عن النص الأصلي بحسب توفر المهيمنات فيه, وربما يلجأ القاص في هذا التناص إلى توظيف عبارة دالة تحيل المتلقي إلى النص الأصيل, ومن أمثلة هذا النوع قصة «جلسة نساء»: «وقالت نسوة المدينة إنهن حزينات على الأمير عندما تعمدت سندريلا أن تترك فردة حذائها، وقالت المرأة الأخرى: لم يعلم المسكين أنه من كيدهن وإن كيدهن لعظيم)، فهذه القصة تحتوي تناصاً دينياً يحيل القارئ إلى قصة سيدنا يوسف عليه السلام، والعبارات الواردة في القصة تتوافق مع ما جاء في سورة يوسف في القرآن الكريم من مثل «وقالت نسوة المدينة» وكذلك «إن كيدهن عظيم»، فضلاً عن أن النص الجديد متولد عن نصين متمازجين هما قصة يوسف عليه السلام، وقصة سندريلا الفتاة التي بحث عنها الأمير بعد أن فقدت حذاءها في قصره.

وبشأن الاستهلالات في المجموعة, ينطلق الزيود في قصصة من أرضية شعرية، تستند إلى تداخلات الوصف مع المكان، ليشكلا انسجاماً وتناغماً دلالياً، في قصة «ضوء جديد» يقول: «بدت له كضوء خافت كسر رتابة الظلام المعلق خلف الستائر». وفي قصة «دفء» يقول: «الحزن يبلل وجه المدينة»، وفي قصة انتظار يقول: «ليل طويل يمد عباءته والمدينة خاشعة بالصمت».

وهناك في المجموعة قصص تنطلق بالشخوص مثل قصة «الشاعرة والشاعر وأسماء», التي يقول فيها: «المرأة التي أطلت من نافذة السيارة وسألت». كذلك الحال في قصة «طائرة ورق»: «الطفلة التي كانت تلهو بالرمل في الصباح»، وأيضاً في قصة «حنين»: «الكاتب الذي أشعل آخر سيجارة وجلس على أريكته البالية،» وكذلك الحال في «أزمة سير»: «الصبية التي ضمت شعرها كعروق الياسمين». ويتضح أن هنالك تفاوتاً في بداية كل قصه، إلا أن التركيز كان منصباً على البداية الشخصية.

وتحتوي المجموعة على العديد من التقنيات النصية من مثل الأنماط المختلفة للتناص سواء كان تناصاً دينياً أم أدبياً أم تاريخياً، وجاء توظيفه في القصص ليعبّر عن مدى صلابة الواقع، ومرارة العيش, أما الاستهلالات في قصص المجموعة فلقد تنوعت تنويعاً وظيفياً ووصفياً, وفي ذلك إدراك من القاص لأهمية هذه التقنية في بناء القصة القصيرة جداً.