د.نهلة الشقران

لا وقت للحب حين يكتب قصائدَ الحبّ شاعرٌ تشرّب وجع الأندلس في ضلوعه، وسرى في دمه قولُ أمّ آخر ملوك غرناطة: «ابكِ مثل النساء ملكاً مضاعاً/ لم تحافظ عليه مثل الرجال»، بل ينشطر الحب ذاته إلى صخور مجتمعة تسدّ الطريق إليه، فلا يرى الشاعر سوى العتمة التي تبكيه على أمته وهي تتهاوى، فيودّعه ويودعه الله ليحيا في سلام، ويعتذر له وهو يدافع عن ملك الأندلس الأول بشموخ الصخر العصيّ على الانمحاء، فيعقد مقارنة بين الديار والمحبوب، فيقول عن الديار في مجموعته «في طريقي إليك» الصادرة عن «الآن ناشرون وموزعون» (2017): «تعاتبني داري على النأي والنوى» (ص15)، «لقد عاتبتني على التغرّب عينها» (ص16)، ويطمئن المحبوب وهو يربت على كتفيّ الديار بقوله: «دع عنك لومي في الهوى/ فالنفس مولعة بوردك» (ص113).

هذا الأمر جعل قصائد «في طريقي إليك» ليست مجرد نبض حروف شاعر بقدر ما هي رسائل للعروبة مكتوبة بالدمع.

لا يمكن الحديث عن انسجام الخطاب، إلا بالتحرر من الخطابات ذاتها، والركون إلى معرفة القصد الذي أصدر هذه الخطابات؛ تقول آن روبول: «إنه لمن تحصيل الحاصل أن نقول إن مفهوم الحالة الذهنية، أو بمعنى أدق، القصد، يشكل محور إنتاج وتأويل الملفوظات والخطابات»، وتذهب إلى أبعد من ذلك، بتصريحها إن تأويل الخطابات يتوقف نهائياً على تأويل الملفوظات الذي يتوقف تأويلها بدوره وبصفة كلية، على معرفة القصد، وهي في هذا السياق، ترفض اللجوء إلى المكونات الداخلية للملفوظات، في تتابعها أو تباعدها، للوصول إلى وضع تفسير منطقي ووجيه للخطاب.

وقد انطلقت آن روبول، في منهجيتها لبناء نظرية تعتمد على القصد لتأويل الخطابات في نوعين هما: القصد الإخباري، الذي يكمن في رغبة المتكلم في إظهار مجموع ما يطلع عليه للمخاطب، وهذا القصد صوّر الأمة العربية الباكية في قصائد المجموعة المختلفة سواء أكان الأمر بالعموم أم بذكر أسماء مدن عليلة بحدّ ذاتها كفلسطين: غزة فيها والقدس، مصر، الشام، العراق..، وهو يقارن بين حال الأمة في عزّها من جهة وفي تخاذل أبنائها من جهة أخرى، فمصطلح «جيوش الإسلام» لم يعد له مسمى إلا في التراث، والخلافات مزّقت شملنا، أمّا القتال الذي يحضّ عليه، فأصبح في صورة :»لا تصالح» تقال من بعضنا لبعضنا الآخر، ونسينا أنّنا في مركب واحد يسعى عدونا لإغراقه.

ومن الاستراتيجيات التي تبنّاها الشاعر لمواجهة القارئ ما يتناسب مع عقلية العربي وفطرته السليمة، وذلك حين يقارن حال الأمة اليوم بماضيها في الأمس، ويصف العربي اليوم نظيراً بشقيقه سابقاً: «وقد كان قومي نجوم البلاد/ وكانوا كراماً وكانوا أسودا» (ص55)، «وقد كان نيل الأماني سهلاً/ فعاد بلوغ الأماني بعيدا»، «أمة العرب هبّي واسمعي ما يسرّ» (ص57)، «وكان الزمان كريماً علينا/ وكان مذاق المنى سكّرا» (ص73)، «ورجال الأعراب صاروا ديوكا/ أوشك الديك عندهم أن يبيضا»، «عرب لم يقم عليهم رجاء/ بلغوا في مدى الهوان الحضيضا» (ص89).

النصائح تشكّل النص الإطار في القصائد، لتجعل القارئ يسخّر مجموعة من القيم لصناعة عالم دلالي يشيد عليه الآتي: «العرب ما كان فيهم عاقل/ يصغي إلى صوت النصائح» (ص42). ولو كان لما حدث ما حدث. وهو يفكّر في طرائق رتق الحاضر الموجوع، لذا يبيّن أنه حاول نصحهم فما انتصحوا، ثم يستخدم أسلوب الاستفزاز وهو يعطي خلاصة نصحه بعدم المحاولة لإصلاح قوم نيام، وهنا يتوقف المتلقي وقد أدرك الحقيقة المرة التي يري إيصالها المرسل له.

ولا تخلو النصائح من اللوم والعتب من الآخر الذي لا يجد المرسل طريقاً توصل إليه خالية من المصاعب وليست أيّ مصاعب، بل هي جراح أمة مكلومة، «دعيني أمضي إلى غايتي» (ص53)، فهو الذي يلوم من يتركون جراح العروبة نازفة، لذا يطلب من الآخر أن يكون ودوداً معه ولا يلومه، فليس في حال تتقبّل اللوم وقلبه منشطر لأنه لا يستطيع مبادلة الآخر كل هذا الحب والأمة تستجدي في الطريق.

ثم يصل الشاعر إلى قول يبلغ به أشد درجات العتاب: «ولكن إذا خان الرجال بلادهم/ فلا هدأت نار ولا سكنت حرب» (ص11)، حينها يعلن النتيجة الطبيعة لخيانة الأوطان: «نم قريراً يا أخا العرب/ جدّ أهل الجدّ في اللعب» (ص14). فهذا زمن النوّم إن كان ما استطعنا فعله اللعب والخيانة وفي أحسن الأحوال الخطب حين يقول واصفاً الحال اليوم: «وعلّقوني على حبل من الخطب» (ص23).

أمّا القصد التبليغي فهو أن يعلن المتكلم صدقه بحقيقة قصده الإخباري، وهنا لا ينسى الشاعر أيضاً وصف الطريق إلى الآخر المليئة بالمواجع، فيعتذر منه مبيناً صدق إحساسه به، غير أنّه لا وقت للحب والأمةُ العربية تنزف كما يصرّح في كثير من مقطوعاته الشعريّة. فقال وقد لاح في وجهه موجة من غضب: «إلام تريد رجوعي/ وهذا الربيع ربيع العرب؟» (ص30)، وفي هذا الاستفهام الاستنكاري يضع حداً فاصلاً بينه وبين الآخر، معلناً: «في الطريق ريح تثور وغبار» (ص61)، «وفي الطريق إليه بدّد دمعاً/ ذرفه فوق الثرى والأشواق» (ص104)، وكي يطمئن الآخر أن لا طريق مؤديّة لغيره يقول: «أغلقت دونك الدروب جميعا/ ذهب الشام إثرها/ والعراق أمتي نالها/ حوادث دهر وخصام وفتنة وشقاق/ يا حبيب الفؤاد تفديك نفسي/ في طريقي إليك ما لا يطاق» (ص105)، فيكرّر جملة «في طريقي إليك» التي وردت عنواناً لقصيدة مرة وفي ثنايا عدد من القصائد: «في طريقي إليك شمس تميل» (ص133)، «في طريقي أشعلت قنديل روحي/ حيث لم يبق في الفضا قنديل» (ص 133).

هذه مقتطفات من القصائد تشكّل في مجموعها رسالة بالغة الأهميّة تنتزع من الخصوصية بين الأنا والمحبوب لتخاطب كل عربي يرى الطريق ببصيرته لا بقلبه فقط.

ينتهي المرسل من إيصال رسالته إلى الآخر في انسجام مقاصد المرسل بالأساليب التي يصوغ بها ملفوظاته، ويفرضها عليه المقام التبليغي وسياقاته المختلفة، ويلجأ المخاطب من أجل تحقيق غاية تأثيرية، إلى تبني بعض الأساليب الكلاميّة، ومن هذه الأساليب المتبّعة لتعزيز المقام التبليغي:

تكرار الاستفهام الذي يستنهض الهمم

في كثير من القصائد يلجأ الشاعر إلى تكرار الاستفهام الاستنكاري، ليوصل رسالته إلى النفوس، لعلّ التعجب والتساؤل يحرّكها: «كيف أمضي وحال قومي عجاب» (ص10)، ويتساءل متوجّعا: «من ذا يردّ لي الذي قد ضاع من أمل الغريق؟» (ص106)، ويبكي على حال تبدّل هيبة الأمة: «أين المطايا التي كانت تعدّ لهم» (ص117)، لكنّه يصرّح بسبب هذا التدهور مستغربا ألا تكون عواقبه وخيمة: «كيف يسلم مجد أو يدوم علا/ في أمة سادها الجهّال والهمل» (ص118).

تكرار الجمل التكثيرية بـ»كم» الخبرية

استخدتم الجمل التكثيرية إنما يراد منه التكثير المرافق للتنبيه والإنكار والتوبيخ والتحذير، كقول الشاعر مبيّناً كثرة الأحلام التي لم تتحقّق: «وكم حلم باعوا الحياة لأجله/ وكم حاجة في النفس ودّوا قضاءها» (ص9)، «وكم تباروا يبتغون رضاءها/ كم حاجة في النفس تحقيقها صعب» (ص13)، ويوبخ العرب أجمع بقوله: «وكم خيّبوا أملاً للعباد/ وكم خذلوا من أتى واستجارا» (ص66)، فالوطن يضيع بسبب تخاذلهم: «كم وطن ضيعته الطغاة» (ص71)، وبسبب حماقاتهم: «كم أحمق قاد الجموع» (ص78)، «كم خيّبوا أملاً بما صنعوا» (ص97)، «كم بوعد تعلّقوا، كم بوهم تشدّقوا» (ص102)، و»كم بمعسول قولٍ قد أضلونا» (ص184)، فكل هذا يلفت الانتباه إلى أحداث مهمّة على العرب أن ينتبهوا إليها، ويغيّروا من ردود أفعالهم إثرها.

تكرار مفردات الدموع والحزن

تبكي الأمة العربية على تشتّتها وهوان حالها، فتثير الأحزان في قلب الشاعر الذي يملأ قصائده حزناً عليها: «رأيت لديها العين تجري غزيرة/ عليها فأبكى مقلتي انصبابها» (ص17)، «بكيت على آثارها واندثارها/ وقد ساعدتني في البكاء شعابها» (ص18).

يثقله الحزن ويكاد يقتله، فلا شيء حوله من هموم الأمة إلا شؤم يثقل الفؤاد ويوجعه: «أنوء بالحزن حتى كاد يقتلني» (ص22)، «بكيت عليها من فؤاد معذب» (ص84)، «أنا من شؤم أهله كدت بالدمع أشرق»، «فدموع تساقطت ودماء تدفّق» (ص100).

وهو لا ينسى الشتات الذي جرى لأهلها فيكون له النصيب الأكبر من البكاء: «وأبكي على دار تفرّق أهلها/ وبيت حزين في المرابع مندكّ»، «على وطن قد ضيّعته رجاله/ تبدّد بين القتل والفتك والسفك» (ص111)، ثمّ يقرّر طول حزنه الذي لا نهاية له، بل يلازمه طوال الحياة: «إن حزني لطوله لا يطال» (ص135)، «أبكي على آثار من سلفوا» (ص14)، «وحزني يصاحب خطوتي أبداً» (ص147)، فتكون الإستراتيجيات التي يتبناها في خطاباته نتاج القصد؛ وعليه، تكمن غاية المتكلم أثناء مخاطبته للآخر في انسجام مقاصده بالأساليب التي يصوغ عليها ملفوظاته.

مصطلح «الإستراتيجية» ليس مصطلحاً مستوحى من تقاليد البحث اللساني، بل هو استعارة من العلوم الحربية، التي تقتضي أنه لا يمكن الدخول في معركة دون إستراتيجية تأخذ بعين الاعتبار كل الأبعاد والعوامل التي من شأنها أن تشكل سنداً في إيصال مبتغى المرسل؛ حين يحصر بنية اللغة في فضاءين: فضاء من العقبات، يحتوي على معطيات، هو في القصائد هنا وضع الأمة العربية وأوجاعها، ليكون الفعل اللغوي متحققاً بوصفه، ثم فضاء يُحيل إلى الخيارات الممكنة والمتحقّقة من الأفعال اللغوية، ومن هذه المعطيات كلها، يمكن أن نستنتج أن الاستراتيجيات هي من صميم الخيارات التي تتبناها الذوات المتخاطبة، سواء أكان ذلك بوعي مقصود من المرسل أم بغير وعي، والغاية من ذلك هي تحقيق عمليات لغوية؛ منها رهان إضفاء الشرعية الذي يحدد وضعية سلطة المتكلم، ورهان الصدق الذي سعى إلى تحديد وضعية صدق المتكلم، ورهان الإثارة الذي تكمن الغاية منه في حمل الآخر على المشاركة في العملية التبادلية التبليغية، انطلاقا مما يفكر فيه المتكلم.

الاستراتيجيات إذن، هي وسيلة تحقيق المقاصد، وقد أدركت اللسانيات الحديثة -وبخاصة التداولية- أنه يستحيل فهم دلالات الخطاب الصريحة منها والضمنية، ما لم نفهم المقاصد التي وُجدت وراء إنتاجه، وقد توصل علماء الأصول والفقه وعلماء البلاغة العرب القدامى إلى ربط الخطاب بمقاصد، وإن تحديد الاستراتيجيات اللغوية يتمحور حول عدد من الرهانات، منها رهان إضفاء الشرعية الذي يحدد وضعية سلطة المتكلم، ورهان الصدق الذي سعى إلى تحديد وضعية صدق المتكلم، ورهان الإثارة الذي تكمن الغاية منه في حمل الآخر على المشاركة في العملية التبليغية، انطلاقاً مما يدور في خلد المتكلم كما اتضح في ما سبق.

انطلق المرسل في فعل النصح من حقائق حصلت، واستند إليها وهو يصف العروبة وأوجاعها وهو يدرك ضمنياً ما لهذا الأثر في نفوس المتلقين، وكان كثيراً ما ينهي قصائده باللجوء إلى الله في ابتهالات عميقة المرامي، ليترك القارئ في تأثّر وجداني، فيحقّق ما يصبو إليه من رفع العزائم، ويجعل الابتهالات في نهاية القصائد لأن القفلة هي التي تترك الأثر الأكبر في نفوس المتلقين، فيؤكّد أنه لا يريد إلا رضا الله: «وما رمت يوماً غير نيل الرضا/ من خالق في عفوه أرغب» (ص20)، ويبيّن أنه لا يطلب من سواه النصر: «رفعت لرب الكون كفّ ضراعتي» (ص25)، فهو العالم بحال أمتنا اليوم وهو القادر على تغيير الحال: «فالله قدر خلقه/ والله للأيام فاطر» (ص80)، «ففوض رجاك لرب العباد/ فربك في حالنا أعرف» (ص94)، ويناجي الرحيم متذلّلاً لينجي هذه الأمة من مواجعها: «يا رب هل من رحمة/ تنجي العباد من الفضائح؟» (ص43)، «وناديت يا رباه لو بعض رحمة/ تروح على هذي المنازل أو تغدو» (ص44)، ثم يطمئن المتلقي الذي حمّله من الأوجاع ما لا يطاق بقوله: «وإلى الربّ ينتهي كل خلق/ وإلى الله ترجع الآجال» (ص 136).

وقد يلجأ إلى المناجاة في عتبة القصيدة وقفلتها كما فعل في قصيدة «إلى متى»، إذ قال في مقدمتها مستنكراً حالنا اليوم: «إلهي أفي كل يوم شهيد؟ وفي كل صبح مصاب جديد؟»، ثم يقفلها راجياً شاكياً بقوله: «إلهي بسطنا أكفّ الرجاء إليك/ وأنت المغيث الوحيد أنت المعين في كل كرب» (ص39).

الفعل الكلامي الرئيس الذي هو إسداء النصيحة، لم يُكتب له النجاح لو لم ينبه على أساس إستراتيجية محكمة تخللها تقديم الابتهالات التي لا يمكن دحضها، وهي مصوغة في مجموعة من المقدمات، مكنت القارئ من فهم الدلالات الضمنية لها، دون أن يصرح بها.

انطلاقاً من نظرية أفعال الكلام، إن الفعل الكلامي الجامع في اللوم مرة وفي الابتهال مرة أخرى كان يدور حول فلك فعل النصح، وذلك نظراً لطبيعة الموضوع، والنصح في هذا المقام غايته إصلاح الأمة العربية؛ غير أن هذا الفعل الكلامي الجامع تتخلّله أفعال كلامية جزئية تقوم كلها بخدمته، معنى ذلك أن اختيار الكاتب الأفعال الكلامية الجزئية، لا يكون إلا لتدعيم الفعل الكلامي الجامع وتشكيله، وبأسلوب آخر، وكل الأفعال الكلامية الجزئية تخدم الغرض الذي من أجله صيغت في ذلك الخطاب.