آلاء منصور حمدان

سهى نعجة، كما هي قمة عالية في أفكارها الإيمانية، هي كذلك قمة عالية في قدراتها الأدبية والفنية، تجمع بينهما بجدارة واستحقاق، لِـتُخْرِجَ من قلمها الأنثوي مزيجاً من الاثنين معاً، فتتميز وتنفرد مذاقاً وأسلوباً، وتُلْبِسُ القارئَ تيجان مرصّعة بنور أدبها وعلمها.

إنها تعتلي صهوة المعنى والفهم، وتحملنا إلى فضاء أثيريّ الدلالة، كونيّ الطبائع، وقد تيمّمت شطرَ الفلاح، وتَسَرْبَلَت بطُهر العلم، وبلآلئ فوق جيد الوجود تخترق كل ديجور يرمي المرأة في بئر يوسف، ومن بين أجفان المعاجم تتقطّر أنداء نورها، وحبّات ألطافها، وتمسك بمشكاة زليخة، لتعلن أنّ المرأة قسيم الرجل ليس في الوجود البشري فقط، بل هي قسيمه في الوجود اللغوي، مرتقية بنعوت المرأة في حياتها العامة والخاصة إلى معالي الرفعة، فتحوّل هذه الحصيلة المفرداتية الناجزة للمجتمع من مجرد أكوام مبثوثة في المعاجم إلى سبائك من التبر المعسجد، تُنير به العيون في سفر ينهمر نوراً، هو بوارق فكر حوَّام، بل هو سمفونية ألوان، كل لون فيه نغم، صارخاً هادئاً، شاجياً راقصاً، ألوان موّاجة وثّابة تَشُقُّ به خمائل الربيع.

«خطاب المرأة في المعجم العربي».. قبسة من قبسات د.سهى نعجة، ووهج من وهجاتها. فهذا السِّفْر النفيس، تُضَمّخه بمسك علم أنثوي، فهو بمثابة البُراق، الذي يحمل طالبه على صهوة متنه، يطوي به المراحل، ويفكّ له المسائل، لانسياب حقائقه سلسبيلاً، إذْ إنه وصف لرؤية تستشرف المرأة في ضوء إشكاليات وتراتيبّات عاينها المشهد العربي، وليس استظهاراً لما حُفِظَ فيعاوَد.

ففي هذا السِّفْر تعالج قضايا معجمية أنثوية عظيمة الأهمية بأسلوب أدبي رشيق يستطيبه وينجذب إليه القرّاء مهما كانت مستوياتهم الثقافية والفكرية، مستندة إلى بناء هندسي مدروس، ومرسوم بتقنية فكرية راقية بلا اعتباطية؛ ليعكس احترافية متقنة لباحثة جُلّ همها أن تتبصّر النظرة العربية إلى المرأة بمنهج لساني اجتماعي شكلاً ومضموناً في ضوء الدوالّ اللغوية الخاصة بها في معجم «لسان العرب».

تشق سُدَف ظلام الأنا والآخر، والحتمية الضدية التي تفضي إلى التفاضل والتفاصل، بسيف مشرّع مسقي برحيق الأمل، وفيض من نبض لا فتور فيه، متحكّمة بالنسيج التداخلي اللغوي بسحر وجاذبية، لتثبت أحقية المرأة في اختلاف المحكوم بجدلية الأضداد والافتقار والاحتياج لا الاختلاف المحكوم بإشكالية تجنيس المرأة والرجل في ضوء وظائفهما، وحتمية سيادة أحدهما على الآخر.

جاء الكتاب في ثلاثة فصول، الأول: تبدأه بشعور حي يخجله الجهل بأحقية المرأة في اللغة، وتغضبها تلك النقيصة التي لا تجعل من المرأة قسيم الرجل في الوجود اللغوي، مبتعدة عن مسار التحيُّز، أو من أحق بالسيادة على من؟ بشوق وعشق يشعر المتلقي معهما بالرغبة الجامحة إلى ما هو أعمق وأعظم، ناشدة المعرفة المطلقة، وتفعيل المعاني الكامنة في دلالات تدفع الألفاظ للالتحام بنسق سمفونيتها.

(سيمياء الجسد الأنثوي في الثقافة العربية)، عنوان الفصل الأول، بظلاله الوارفة، تتمرد الباحثة على الاستيهامات الوصفية الحسية المنمذجة لجسد المرأة العربية فضيلتها الكبرى أنها متممة للرجل، وأنها قدم وشكل ولفظ، فيما الرجل رأس ومضمون ومعنى، وأنها كائن ناقص يبولوجياً مؤصّل بالشهوات مؤسس على الخضوع والسلبية والضعف واللين.

ولا جرم من هذا التمرد، فقد سمت الباحثة بأشواقها، وارتقت بأفكارها، وألهبت الخيال، وأخصبت المشاعر لكائن التحم فيه الجمال بالخيال، للزهرة المعطاءة، ولربيبة الكرماء، في رقتها معاني الفتوة، وفي قلبها لون من ألوان الرحمة الإلهية.

أما الفصل الثاني (منازل في معجم لسان العرب: المبنى والمعنى) فجاء بعد اختمار الفكرة في ذهن الملتقي، واستحكام الإشكاليات الواقعة في المجتمع الذكوري، وتوالي الفرضيات والافتراضات، وعقد العديد من الاختبارات والاختيارات، واستجماع ملكات الذهن، وتجميع ما جاد به العقل من فكر التبست عليه المفاهيم وعمل على تجميدها ذاك المجتمع الرّافض بأحقية المرأة على شاكلة أسوار محكمة، وحال دون تقويمها، فالمرأة محظيّة بدوال تصوغ أقانيم حضورها على وفق مرجعيّات تأويلية متعددة ظاهرة ومضمرة، زمانية ومكانية؛ لتترك الملتقي على طريق الاجتهاد في تفسير التناقض الظاهر.

وبعد الليل الأليل، والظلمة الأكثف، تكمل الباحثة الرشد المعرفي المنشود، والبحث في آثار سيميائية الجسد الأنثوي، رافضة لكل محبط مثبط، وقعيد همّ لمجتمع ذكوري بصريّ نفعيّ يروز علاقته مع المرأة بمقدار ما يثيره فيه جسدها ويرحب مخياله في التمني والتّشهّي، لتتصبّر ببشير مجيء الفجر الصادق، يبثّ الأمل في قعيد اليأس، والحَراك في مشلول العقل، مستندة إلى يقينية العلم وغاياته وأسبابه، لتعيش هي والمتلقي حالة من مخاض الليل الذي يحمل جنين نور النهار.

وتعرج الباحثة على بعض المشاهدات والانطباعات التي تذكرها في سِفرها، فتارة تتمرد على الاستيهامات الذكورية، وتارة أخرى تتمرد على النمطية القاتلة، والقوالب الجاهزة للموروث التداوليّ عن المرأة، وبومضة من ومضاتها -في الفصل الثالث من الكتاب (المباني والمعاني لنعوت المرأة في ضوء الحقول الدلالية)- جعلت من جوارح المتلقي تستوي في دروب الدهشة، ودون التوقف عن السعي وراء إنضاج العقل في معالي التوق.

نعم أنا أنثى، (سهى نعجة) سماوية النظرة لجسم أرضي، سنبلة ممتلئة دائمة الانحناء، وتبقى فجراً نديّاً، وبسمة روية، وجمالاً بهياً، ويحق لها، فهي ريح الصبا، وبقربها تسعد القلوب، وتبتسم الحظوظ.