ميسون الطحّان

الدرجات الصاعدة إلى مهب غروب شارد، ستوصل إلى شيء..

فكر، وهو يبتدئ مشوار الصعود الذي لا يكلّ على الدرج العتيق، إلى منزله القديم الكائن في مفترق الورد والمدى.

شاع أن أدراج عمّان القديمة فرضتها طبوغرافية المدينة القائمة على جبال عدّة للانتقال من سفوحها إلى قممها، حرصاً منهم على الصعود لمن لم يرد أن يبقى أبد الدهر بين الحفر».

من هذه الفكرة التي عبرت ذهنه ذاتَ شباب، ابتدأ الصعود والرحيل والاكتشاف، كطائر محلّق في كل الدنيا، وعاد أخيراً، ليصعد الدرج نفسه، ويسمع مع كثير من الجلبة تكسر الذكريات كقطع من زجاج قاسٍ، في كل خطوة يقطعها، مغالباً وجع الركبتين، وعارض روماتيزم، وارتفاع الضغط وتعب العمر ووهن القلب,

منذ وصل بعد غياب استمر خمسين عاماً، أيقن أن عمّان تغيرت، وأن لا شيء كما تركه، فوالداه توفيا، وأخته تزوجت وهاجرت، وأصدقاؤه تفرقوا واختفوا دون هوادة، وحتى ليلى.. آه يا ليلى، لم يعد لها أثر.

لكن الحنين، ولا شيء سوى الحنين الممضّ، الحنين الذي لا يعترف بتقلّبات هذه الدنيا، ولا بالغياب، ويتجاهل الموت والحياة تماماً، ما زال يقوده إلى صومعته القديمة، مهده القديم، مكتبته القديمة.

غلائل الضوء تتدفق من أجمة الياسمين استوقفته، فأسلم حقيبتَه الخفيفةَ للدرج، والتقط أنفاسه بالعبير الذي لا يخطئه الضمير، وأسلم ذاكرته لها..

«خذني معك..».

بدت مشتعلة بالحب، غضّة وبريئة وصادقة كما وعود المطر الذي تساقط، وتكسرت قطراته على الدرجات.. لم تلبث أن غدت سيلاً يهدد أرجلهما المرتجفة في لحظة الوداع بالبلل والانهمار.

«لم أكن بحجم صدقها.. كنت أتفَه من أن أضحّي، ووغداً بما يكفي، لأن أفتح باب الرحيل وأغلق نافذة المدى».

«عشرون عاما كتبت لي وانتظرتَني، وانقصفتْ كما تنقصف أشجار غافلها البرق، دون دويّ أو نداءات استغاثة».

تنهّد وهو لا يدري، أأتعبه الوقوف أم التذكُّر، فشدّ الرحال مجدّداً يصعد.. ويصعد، حدّ اللهاث.

مالت الشمس ميلَها الوئيد إلى غروب، فنمت العتمة.. كعشبة في حطام الأدراج، وأضيء قنديل عليل.

أدار المفتاح في قفل البيت، فلم يستجب.. حاول مراراً دون جدوى، بعد أن اعتراه الضيق واليأس، فكر بتحطيمه أملاً في الولوج، مغامراً بإحساسه بأن الأماكن التي نأمل بالعودة إليها لا تعود موجودة سوى في أحلامنا.

انفتح الباب أخيراً تحت وقع ضربته القوية، لينكشف عن عالم تهدّم تماماً، ولم يعد قميناً بأن يحول دون ما آل إليه، لا يستثير ولا حتى عابر سبيل ذا فضول.

وضع حقيبته بأناة على كنبة متهالكة، كانت فيما مضى جلسة والده المفضّلة، وطالع لمسة أمه في ورد القوارير الذابل، وجدران البيت يعلوها الأصفرار والغبار وصدأ الأيام.. حتى مرجوحة الأيام الماضية، تهالكت وانخلع أحد كتفيها.

أمام هذا العالم الآخر الذي يشبه ماضيه، العالم الذي تبقّى له، وهو يمر بحطام الغرف الواحدة تلو الأخرى، أدرك أن لا صلة تجمعه به، وعزف بغتة عن فكرة إصلاح البيت الذي ورثه، مدركاً أن أفضل ما يمكن أن يفعله؛ أن يدعَ الماضي يمضي ويواصل الغياب.

حمل حقيبته على كتفه كأيّ يائس، واستدار، لحظةَ لاحظ قماشة قديمة على الجدار، استرعت انتباهه فأمسك بها ليتبيّنها، تهاوى.. ثم بكى وهو يقرأ تحتها، بحروف توشك أن تضمحل: «أطلت الغياب!».

خطوته الأخيرة أسفل الدرجات بلّلتها العتمة، ومشى يسابق في قاع المدينة الظلالَ التي تلد ظلالاً لا تكل، والحقيبة التي كانت تتدلّى من كتفه الأيسر غدت بيده، تزحف زحفاً، تتشبث بها بعناد، قطعةُ قماش عتيقة.