د.ديانا رحيّل



تطورت قصيدة النثر في التسعينات بإيصال التجريب اللغوي إلى الحد الأقصى، إلى درجة الإشباع باعتماد ما سمّاه عز الدين المناصرة «تبريد اللغة الشعرية»، ومعناه إذا كان التوتر الشعري بأساليبه المختلفة موجوداً في نصوص كثيرة فإن الميل العام الأبرز هو التأمل الهادئ للأشياء باعتماد لغة السرد الباردة التي توصل المعنى بشكل هادئ وسلس، معتمدةً مجموعة من الأساليب منها الكثافة الشعرية والتكرار، وتوزيع سواد النص على بياض الصفحة، والتناص مع نصوص أخرى، محاورة أو مجاورة؛ كالنص الديني أو الصوفي أو الفلسفي.

وهذا أدّى إلى ظهور ما يسمى «نص اللقطة السينمائية»، وهو نص مشهدي دائري يستخدم لغة السيناريو السينمائي بفعل المضارع، وظهرت تقنيات جديدة تناولت النص السردي، تقنيات وظّفت المونتاج والسيناريو والفلاش باك (الاسترجاع الصوري) وغيرها، إمكانات رفدت النص السردي بمجالات إبداعية؛ وظفها الشاعر لنصه منفتحاً على بقية الأجناس الأدبية والفنية لتغدو القصيدة اندماجاً لفنون شتى كلها تسعى لإظهار إبداعه.

ومجموعة « سرديات مضيئة» للشاعر جميل أبو صبيح، الصادرة عن الهيئة العامة للكتاب في القاهرة (2016) تعتمد تقنية اللقطة السينمائية.

قصائد سردية

ثمة نوعان من السرد الشعري؛ أحدهما ينظم أفكاراً فلسفية بطريقة عالية النثر وعالية الشعر، متخذاً لغة فلسفية غرائبية عقلانية، والآخر هو السرد القصصي الشاعري، ومصدر متعته الشاعرية يأتي من التقاط الصور من مرئيات الحياة اليومية بالمزج بين الذات والآخر.

والفجوة بين «الذات» الضامرة و»الآخر» المتحرك، هي من يخلق شاعرية النص، والشاعر أبو صبيح سارد حميم بسيط لا يفلسف الأشياء، تحكمه مرئيات الصورة البصرية التي في الذاكرة، وكأن النص عنده يسير في خطّين متوازيين: وصف الحاضر المرئي الذي يفجر الذاكرة، ووصف الذاكرة.

«إلى أين يأخذني ضوء البحر

أسير على رؤوس أصابعي على الموج

والقمر يمسك بذراعي

يسحبني إلى شاطئ فضّته

ويرتّب هالته على مفرقي

من أين تنبع هذه الفضة المتلألئة

من أمواج البحر

أم من الأسماك الصاعدة إلى القمر

بفضّتها».

متعة القراءة لنصوص المجموعة تأتي من دائرة السرد القصصي، لكن هذا السرد يتحرك عبر سطور مدروسة أيْ لها بداية ونهاية، مثل:

«قمرٌ مريضٌ حَيْرانْ

سَقَطَ على شُبّاك نافذتي

التقطْتُهُ

غسلتُهُ بماء قلبي

ثم علَّقتُه على قباب المدينةْ

كانت السماءُ برونزيَّة

والجبال تذوب في العتمَة

والقمر المعلّق على قباب المدينة

تسيل جداولُه على جدرانِها

الأرصفةُ مغسولةٌ بمياه الفضَّةْ

النجومُ أفواهٌ صغيرَة

تنفثُ فَراش الضّوءْ

يشلَحُ الليلُ ثيابَهُ السوداءْ

يقفُ عاريا

على الرَّصيفْ».

هذا المقطع المونتاجي مجزوءٌ من نص يتكون من 15 سطراً، والسارد فيه ينفصل تماماً عن المرئيات ويتصرف كقارئ، وهذا ما يمنح السرد حيادية.

إنّ الاتكاء على أسلوب القص وترسيخ ظاهرة السرد الشعري، أو القصيدة الديالوجية المبنية على تقنيات درامية يسودها الحوار بأنواعه والمتعددة صوتيّاً، أصبح ميزة في عصرنا؛ نتيجة السعي وراء مضامين جديدة في الشعر العربي، فهذه القصيدة –الديالوجية- لا تكتفي بالسرد المتكلم، وإنّما تجمع صوته بأصوات أخرى، وبمظاهر سردية متنوعة ما بين رؤية من الخلف أو رؤية مشاركة، أو خارجية تلجأ إلى توظيف تقنيات كالاسترجاع والتناص والمفارقة والتلاعب بالضمائر:

«إلى شارع الحبيب بورقيبة

كنت متمدداً على المقعد

أعبث بشَعر الليل

أناملي على ورق القصائد

والقصائد تقفز على المقاعد الخلفية

يلملمها فارسٌ أندلسي

بلكنة مغربية

وهيبة جبال البرانس

يعبر الليل بحصان جامح

يسحب شاعرة قطار الليل

يسحبها بخفة فراشة

إلى موجة ترقص على ظهر الحصان».

يهتم الشاعر بفضاء الأمكنة ضمن مفهوم التثاقف مع الآخر، لكن الذات بوساطة الذاكرة تشدّه إلى الوطن، ونلاحظ أنّ التوهج بين الذّات والآخر هو مركز المنظور لديه وبؤرته.

وإذا اعتبرنا أن الانزياح أو التحول قد يحدث عبر تحوله من لغة منطقيّة إلى لغة مجازية استعارية، فنحن نعثر على القليل من هذا، لكن الانزياح من حالة إلى حالة موجود بكثرة في النصوص.

يمتاز الشاعر بتركيب سردي دائري، بما يشبه القصة القصيرة جداً، أمّا داخل النص فهو يستخدم نظام اللقطة السينمائية مع سرد يشبه تركيب السيناريو السينمائي.

التّقنيّات السّردية السّينمائيّة

تماشياً مع نظرية التداخل الأجناسي، اخترقت تقنياتُ الفنون بعضَها الآخر تحطيماً لفكرة النص المنفرد ذي الدماء النقية التي تزعزعت في كثير من المقولات النقدية الحديثة.

الاسترجاع الصّوري أو الفلاش باك

هي تقنية قائمة على أساس استرجاع الزمن الماضي الذي قد تكون صوره غير مرئية بشكل متسلسل ومنطقي، فيكون هذا الاسترجاع عشوائيّاً معتمداً على التداعي الذي يتم بواسطة الذاكرة غير المرتبطة بزمان أو مكان.

«نسور كريهة تحوم في فضاء المدينة

والأطفال في الشوارع

رايات عالية بأيديهم

طائر مجنَّح غريب

يحوم في سماء المدينة

- أنا حرٌّ مثلك..

يقول طفل ملوِّح برايته

والطائر بين الطفل والسياج

يرسم خارطة تشبه الوطن

كانت التفاصيل شديدة

والقرى المهدمة تنهض من جديد

الراية تغطّي القرى

والراحلون على حطام البيوت

بعيون ذئبية

ونظرات نافذة إلى أعماق الجدران

يركضون إلى السياج

يزرعون أعلامهم

ويهتفون:

(من النهر إلى البحر

الحلم لم يمت)

ثم يوقدون الشموع».

ورغم طول النص إلا أنّه يسير وفق النسق الاسترجاعي لتلك الأحداث والزمان والمكان؛ لتشير إلى اغتراب الذات في خضم الزمن الحاضر، والاسترجاع حاضر بقوة في نصوص المجموعة السردية، وهو يدفع الشاعر إلى البحث الدؤوب عن إجابات شافية لكثير من التساؤلات التي تجعل من ذهن الشاعر ملأى بهموم وتفاصيل يتم البوح بها عن طريق هذه الآلية التي تتيح مجالاً واسعاً للتأمل، والاسترجاع يكون في مواضع الهدوء أو الوحدة لأنّه تعبير مخفيّ عن همّ داخلي ونقاش ذاتي حول فحوى أمور لا يراد بالضرورة مناقشتها مع آخرين بشكل مباشر، فهو حوار من نوعٍ خاص مع الذات.

ويقوم الحوارُ الداخلي بمرافقة «الفلاش باك» ويكاد يكون نظيره، وهذا النوع من الحوار يمثل تقنية مهمة من تقنيات الزمن الحوارية، والفرق بين الحوار الداخلي و»الفلاش باك» فرق زمني محض، إذ إنّ كليهما استذكار منغلق، وهما يرتبطان بالتأمل والحلمية والصراع النفسي الداخلي، أمّا اختلافهما الزمني فيكمن في أنّ «الفلاش باك» تداعيات مختصة بالماضي، تقلب صفحات كتابه وما فيها من تفاصيل وحوادث، أمّا الحوار الداخلي فهو متشظّي الزمن ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، هو عبارة عن تأمل صامت، حوار مع الذات في شأن يستحق التداول، وإلقاء الأسئلة والبحث عن إجابات وافيه لها، إنّه تداعيات ذهنية نقاشية قد تكون تأملية هادئة أو حادة منفعلة، انعكاس لحالة يستدعي تفردها مناقشتها بصمت ربما لكونها أحد الأسرار.

اللغة البصرية المشهدية

يظهر في المجموعة نصّ مشهدي دائري يستخدم لغة السيناريو السينمائي بفعل المضارع، فثمة اشتغال تنطوي عليه القصيدة لتشذيبها من الزوائد الكمية والفصاحة البلاغية يصل حدود التقنين من دون تعمّد في إخفاء مفاتيحها، أو تغييب بوصلة الدخول إلى عوالمها بأريحية.

يتضح هنا الجهدُ الذي بذله الشاعر في اقتصاداته اللغوية، والإبقاء على المنقّى من الشوائب، والمقتضب، وكأنه بهذا التشخيص يطوّب معجماً خاصاً لا يعني بالوفرة اللغوية، وإنما باجتلاب كل ما من شأنه أن يمنح النص هوية واضحة.

«وأحلم

بمقاتلين عظام

وشعراء أكثر عظمة

يوقدون حطب الكلام

جنكيز خان يمتطي حصانه التتري

يقرأ لجنوده معلّقة امرئ القيس

امرؤ القيس يمتطي ذلوله النجدي

يقرأ لقيصر أشعار هوميروس

هوميروس حاملاً قنديل ديوجين

يقرأ لحشد من المقدسيين أناشيد البعل

وأنا تمثال من لحم ودم

ولست ملاكاً».

تتولد المفاجأة والإدهاش في أغلب نصوص المجموعة، من توليف الثيمة المركبة بأبسط الأدوات الشعرية، واعتماد الشاعر في تأثيث كل لحظة مستقلة، على لغة مقتضبة وغير معقّدة، ترصد تباين الأحوال من دون أن تنفصل عنها، إلى جانب عدم التردد في صوغ ترجيعات رومانسية، ومحاولة تأطير النص بمشهدية سينمائية أو بصرية يتفحص ويختبر ذاته في ضوئها.

المشهدية تنفلت من ضوابط تكوينها اللغوي ومؤطراتها الكلامية نحو فسحة الشكل الطباعي وشكلانية الكتابة وفق مقترحات السطر الشعري، فالشاعر يولي اهتماماً بمسألة النص كصورة تتحرك في فضاء ساكن، وكأنّها مطالبة مستترة بأن ينال النّص حقه من القراءة البصرية؛ لاستكناه مزيد من المتواريات، والشاعر بهذا يترك هوامش من الصمت ويعمد إلى وضع القارئ مباشرة في المواجهة.

إن الأداء السينمائي في قصيدة النثر الجديدة هو أحد أبرز إجراءات التشكيل الجمالي التي عكفت عليها قصيدة النثر الجديدة، ملتحماً بمختلف آليات الفعل السينمائي، لتخليق مجاز بصري جديد ينتمي انتماء لافتاً إلى البلاغة السينمائية، وهو ما تمثل في:

1.اعتماد تقنية بناء المشهد

من آليات السّرد السينمائي التي ظهرت بوضوح في قصيدة النثر الجديدة، تقنية المشهد، وفيها يتم تركيز الموقف السردي في أداء بصري مركّز، وتُستخدم هذه التقنية في بناء صورة كلية دالة، تحقق المجاز البصري، وهو أن تتمدد اللقطات الصورية لتكون مشهداً طويلاً يتم توليفه مع مشهد يليه:

«تحت عباءة هذه اللّيلة

ألعباءة المنسُوجة من خُيُوطٍ سوداء قاتمة

في الظّلام الشّديد

تتفتح أزهار الليل

الأزهارُ الليلكيّة

وتنصُبُ عرائشها المُتهدّلة الأغصان

فوق الأسرّة المُنشّاة

في شهقات اللّيل المُتيقّظ

والنُّجُوم اللامعة بمصابيحها المُتلألئة

حيث تعزف ديكة آخر الليل

سمفونيتها الذهبية

في الهزيع الأخير».

2. اعتماد طريقة سرد السيناريو

وتتم هذه الطريقة ببناء المشهد من لقطات متعددة ينظمها بناء مونتاج خاص، وتتتابع اللقطات لتشكل المشهد، لهذا تمثل اللقطات مفرداتِ اللغة السينمائية التي تتضامّ لتصوغ المشهد، ومن مجموع المشاهد تتكون الفصول، ومن مجموع الفصول يتكون السيناريو وتؤدي الذات الشاعرة هنا دور المخرج السينمائي للنص الشعري.

«ليس سوى قطيع قطط سود

يركض على جانبي السلحفاة

كانت الفراشة تبتسم

كانت جميلة

لم ترمِ وردتها على سكّة القطار

وقد تهيأت تقفز في بحر الليل

لبست ثوبها الشعري

وأمسكت بساق وردتها

رتّبت تاجاً من الكلمات المضيئة

لكنها لم تكتب قصيدة».

3. اعتماد طريقة تحريك الكاميرا

عن طريق عين الكاميرا يتم تلقي عناصر المشهد السينمائي، غير أن عين الكاميرا هنا ليست مجرد آلة للرؤية، وإنما هي وسيلة بناء، تنتخب اللقطات وتحدد الكادر والمنظور، وتحدث التأثير بوضع اللقطات العامة المكبّرة، والأخرى القريبة المصغرة، وكذلك درجة حركتها تجاه التفاصيل التي تريد إبرازها باعتبارها سرداً بصريّاً.

إنّ إدارة حركة الكاميرا والتحكم في هذه الحركة هو الأساس، الذي يتشكل عليه الإيقاع التصويري الدرامي المكثف للنّص السّينمائي البصري. وتحريك الكاميرا يقوم بتكوين طبيعة الصورة داخل الكادر، تبعاً لمسافة الكاميرا عن الأشياء، فإذا ابتعدت المسافات تتشكل لقطة عامة بعيدة، وإذا اقتربت تتشكل لقطة كبيرة مقربة، وتُستخدم هذه الحالة الأخيرة في التركيز على الجزء لإحداث التّأثير والتّبئير.

«أزرع قبلاتي على أوراق الورد

وأنثرها على وجه حبيبتي

ونشيد الطيور عالٍ

نشبك أيدينا

ونرقص

وردة بيضاء على الغرة

وردة حمراء على الصدر

وورود تقفز إلى الأصاصي

وتراب ذهبي

يثور بين أقدامنا..

الغابة مشتعلة».

تُعرف هذه التقنية بالصورة عن قرب، وأحياناً باللّقطات البطيئة، وهي عكس الصورة الكلية العامة التي ترصد المشهد بشكل عام، ويتم الانتقال من الصّورة الكلية العامة إلى الجزئية المقربة والعكس، في المشهد الواحد عن طريق القطع، وهو ما يمكن ملاحظته عند الشاعر وهو يبني مشهداً شعريّاً، بادئاً بلقطة عامة من أعلى وينتقل بعدها إلى أخرى مقربة تفصيلية:

«أبني بيتاً من أغصان الغابة

وأرسم بحراً من الضوء حول البيت

ومرآة على البحر

أرسم وجه حبيبتي على المرآة

شفتان من غابة الورد

عينان من ضوء روحي

وأرسم شرفة

وأناساً على الشرفة

وسماء ثلجية

الثلج يندف

على الغابة».

4. اعتماد تقنية المونتاج

المونتاج في عمله كفن سينمائي لا يعتمد على رصف أفقي للقطات ينتج في آخر الأمر سياق عرض الأحداث الفيلمية، بل هو تصادم فكري داخل البناء الصوري، لبناء شكل مونتاجي يأتي نتيجة تصادم محتويات للقطات، لا عملية توافقها وقصها للأحداث.

هذه التقنية الموظفة شعريّاً تتم على مستوى شكلي من خلال المقاطع الشعرية التي يحمل كل منها صوراً مختلفة عن البقية، حيث يعطي اللّقطات الصغيرة دراميّة واتصالاً وحياة.

جوهر المونتاج الحركة، والحركة إمّا أن تكون في المكان مع تثبيت الزمان والتحرك في المكان، وهو ما يصنع المونتاج المكاني، وإمّا أن تكون في الزمان مع تثبيت المكان، وهو ما يشكل المونتاج الزماني، ويتجلّى المونتاج الشّعري بوضوح لدى الشاعر من خلال نصّه الذي قدّمه باعتباره سيناريوهاً شعرياً يتجسد فيه تشكيل الشعر بآليات السينما، ويتبدى فيه تفتيت اللقطة الشعرية إلى مجموعة كبيرة من اللقطات المتشظية، التي يقوم المونتاج بوصلها في بناء دالّ:

«مرجٌ من شقائق النعمان

نبتَ حيث سقط جسدك

زهور كثيرة صعدت للأعالي

حين رفعوك على الأكفّ

ورفوف من أقواس قزح

تساقطت في المرج

حين تدلّت يداك

وانحنى رأسك

لم يكن الجوّ خريفيا

تساقطت أوراق الشجر».

ميزة هذه التقنية السّردية ذلك الاسترسال بالجمل والتداعيات غير المترابطة التي تفتقر للعلاقات المنطقية بأدنى حدودها. إنّه اندفاع صوري وبوح يشبه إلى حد ما الهذيان، كلّها صور لقطات ترتبط بخيط يوحي بمجيء أمل ما بعد خيبة، وأفول حين يبدأ الأمل في البزوغ والحياة في النمو والتّصاعد من خلال ما أوحته الصور.

آليات بناء التّصوير

تعدّ بلاغيات فن التصوير وأبنيته الفنّيّة من الأنساق البنائية الأساسيّة التي اعتمدتها قصيدة النثر الجديدة ضمن اعتمادها بلاغيات الصّورة البصريّة بشكل عام، والفرق الجوهري بين الصّورة المشهديّة التي يصنعها السينمائي عن الأخرى التي يصنعها الرسام، هي أن الأولى متحركة.

وتتبدّى آليات فن التصوير في القصيدة الجديدة في ما يلي:

1. بناء النص الشعري على طريقة بناء اللّوحة

ومنها طريقة بناء المنظر الطبيعي، ويتبدى هذا على نحو خاص في مراعاة المشهد وعلاقة الكتلة بالفراغ، وعلاقة الأشياء بعضها ببعض في حيز المشهد.

إن التركيز على إقامة التكوين، وإبراز العلاقات القائمة بين الأشياء داخل التكوين، هو ما يجعل المشهد يتخطّى المنظور المرئي إلى بثّ الإيحاءات والدلالات.

«وإن الأرض جرداء داكنة

والأغصان الوارفة بلا أوراق

الدمُ الحار يمطر على البيوت

والشوارع مغسولة بالدم

قبابٌ ومآذن وعمارات شاهقة

وأبراج كنائس حجرية

تنتظر المجهول».

الطبيعة الصامتة من التقنيات المعروفة في فن التصوير، وفيها يتم وضع بعض العناصر والأشياء الجامدة غير الحيّة في بناء دالّ ومعبّر عن حسّ إنساني، دون أن يكون للحضور الإنساني أيّ وجود، سوى ما يتولّد من العناصر والأشياء.

2. بناء النّص الشعري بتفاعل العلاقة بين الضوء والظل

تُعتبر العلاقة بين الضوء والظل في طليعة العلاقات التشكيلية المنتجة للدلالة، ولدرامية التكوين في فضاء اللوحة.

«كانت الشمس تفيق من نومها

تتسلل من بين الغيم

صفراء

والغيوم مرشوشة بألوان الشمس

والشجر شيئاً فشيئاً يطفئ أضواءه

وطيور الأوز

رفوف بيضاء على الأفق

تهلّ من شقوق الغيم

وتضيء

كنا نسرق الشمس من بين شقوق الغيم

نفتّتها

وندسّها في جيوبنا

ونترك العصافير وطيور الحب

بعذوبةٍ تمسح الثلج عن شفاهنا».

إنّ اعتماد النص على تقنية الضّوء والظّل يُحدث نوعاً من التوازي والحوار بين المجالين، تتولّد عنه دلالات الغياب والخواء، وقد يأتي التّشديد على الدّلالة بالتشديد على الضّوء وحده.

آليّات البنية الدرامية

إذا كانت عناصر البناء الدّرامي التي تشكّلت عليها الدراما الشعرية منذ أرسطو مروراً بهوراس وصولاً إلى ت. س. إليوت تتمثّل في أربعة أركان هي: الشّخصيات، والحوار، والأحداث، والصراع، فإنّ البنية الدرامية في قصيدة النثر تتمثل في الآليات التالية:

1. أبنية المونولوج الدرامي

تتدفق الأحداث على مجرى المونولوج الدرامي وتتطوّر من داخله في تحركه السّردي، فنظراً للطبيعة الغنائية للنّص الشعري بشكل عام، يُعتبر المونولوج أكثر الأنواع الدرامية انتشاراً في الأداء الشعري، وأكثر أبنية المونولوج تحققاً في قصيدة النثر الجديدة يتركز في:

- بنية النجوى: فيها يتدفق الخطاب الشعري من الداخل في الداخل، متوهجاً ودراميّاً كثيفاً على هيئة مونولوج، تتبدى دراميته من تنامي المكاشفات والأحداث والبوح في مجراه.

«تملأ قلبي بأوراق النرجس

وتوقظ وردة الضوء فيَّ

كيف أنسج لي جناحين من شعاع الشمس

لأجعل الفضاء أكثر بهجة

والشمس لم تزل نائمة

هل أقفز عن السياج

أنا طائر الغابات والأشجار الباسقة».

- بنية المونولوج المخاطب: تكشف هذه البنية عن موقف حواري رغم انتفاء شكل الحوار بعلاماته الصريحة في الخطاب الشعري، فثمة شخصية تتحدث وتوجّه الحديث إلى أخرى، واحدة مرسلة وأخرى مستقبلة، وهذه الأخيرة حاضرة بالضرورة، باعتبارها المخصوصة بالخطاب، ويظل ثمة حضور للأنا المتكلم والآخر المخاطب في انتقالات متوالية داخل الخطاب، وهو ما يؤدي إلى النمو الدرامي للنص الشعري.

«ما أصعب أن أفتقدك

ما أصعب أن أضع يدي على جبينك

فأجده باردا

ما أصعب أن أرى الدم يسيل من فمك

لا أصدّق ما أراه

كيف تنسلّ خيوط الحياة

وتقفز مسرعا

إلى الضفة الأخرى

تسير في حقل السنابل بخطواتك الجريئة

تمشط السنابل براحتيك

في الضحى الأبيض

والشمس ساطعة تطل من شبابيك الغيوم

تمد خيوطها البيضاء والذهبية

تفردها عليك وأنت تمشّط الحقل

والسماء زرقاء

لامعة».

- بنية المونولوج التّشخيصي الكاشف للأحداث: فيها تتبدى وقائع المشهد الدرامي، في فضاء المونولوج الشعري المتدفق، عبر بنية غنائية تتضمن أطرافاً حكائية في موقف درامي مكثف.

«نتفض النّسر في أصابعي

وامتلأت أصابعي خواتم فضّيّة

فسحبتها بهدوءٍ ورعونة

ولملمت الرّيش عن الثّلج

الرّيش والخواتم

ثمّ طرّزته..

الرّيش على ذراعيّ

والخواتم في أصابعي

وطرت..».

وتشير هذه الأشكال المونولوجية إلى انحياز قصيدة النثر الجديدة إلى درامية المونودراما، حيث درامية الصوت الواحد بتحولاتها الداخلية وبصورها السردية الدرامية المتوالية الجياشة.

2. مسرحة الموقف الشعري

يتم فيها وضع الموقف الشعري في إطار مسرحي، يراعي العلاقات البنائية الأساسية للبناء المسرحي ويشكل فضاءه الدرامي.

«أريد أن أحلم

نسرٌ أبيض يحرسه جيشُ صقور

يزعق فارداً جناحيه في سماء أريحا

حيتان تطير في سماء نهر الأردن

تبتلع الغربان وأسراب السمك الميت

شجرة زيتون شهيدة في حقل زيتون شهيد

تلد أطفالاً شرسين وبنادق

وأريد أن أصعد سلّمي الحجري

لأرى

سرب حمام أبيض

يتهادى في شوارع مدينتي

يسير كأنه عرائس بفساتينها البيض

روح بيتي المغتصَب بكامل حيطانه

تنهض من بين الحطام

أفتح بابه وأدلف إلى غرفتي».

3. مسرحة الحالة الشعرية

تتشكّل الحالة الشعرية في صورة مواقف ورؤى درامية، إذ تُعرض الحالة الشعرية عرضاً دراميّاً عن طريق الأداء الحركي والشخصيات والوثبات الزمنية والعناصر البصرية والسمعية والحوارية التي تتواشج لصياغة بنية درامية سوريالية للنص الشعري، والانفتاح السردي على مضمون يتحرك ضمن مساحة مكانية متعددة كالمسرح الذي تركه الشاعر تتلاطم فيه الأحداث.

«غيمة من نجوم مضيئة

تهبط على السياج

تطفئ أنوارها

مركبةُ جنود تمر

وتمرّ دبابة مسرعة

غيمة كبيرة من طائرات

تلقي هداياها اللعينة

وطيور النشيد

تلبس ريش النسور

وتملأ الأفق

الشموع مشتعلة

والأعلام ترفرف على السياج».

فقصيدة السرد عند جميل أبو صبيح ذات حمولات تساؤلية أكثر منها حمولات مكتظة بالإجابة، ومن ثم تبقى الإجابات مفتوحة للتّأويل والتّقصي الذي يتركه الشاعر للمتلقي ليفك شفرته العميقة، مستعيناً بتداخل الأجناس الأدبية الذي أصبح شيئاً مألوفاً لا يثير الاستغراب، ولا يحط من شأن أي جنس أدبي يستعير تقنيات أجناس أدبية أو فنية مغايرة له.