د.صبحي ناصر حسين *

إذا كانت مسألة أن تأتي المجموعة الثانية أو التالية لأيّ قاص أكثر جرأة من المجموعة التي سبقتها، فإنما ينطبق هذا على مجموعة «شمس في المقهى» لنازك ضمرة، ليس لكونها تلت الأولى في النشر، بل لأنها تأخرت عنها في عهد الكتابة، وهذا يدل على أن الكاتب قد خضع للتطور الطبيعي في مفاهيمه وأيديولوجيته، وأدواته الكتابية، وأنه استوعب وشرب التجربة السابقة.

وعند مقارنتنا مكونات هذه المجموعة (ط 2، الان ناشرون وموزعون، 2016) بمجموعته الأولى «لوحة وجدار» فسنجد التطوّر الواضح في لغة الكاتب وأسلوبه، وفي المضامين، وفي الرمز والترميز، وفي البناء السردي وتقنياته، وفي بطل أو أبطال قصصه، وفي شعرية القصيدة، وفي القدرة على التقاط الصورة السريعة.

فإذا بدأنا بلغة القاص، نجدها تقترب في محاولة جرّ اللغة التراثية إلى اللغة اليومية، وتحمل معظم القصص أفكار الماضي البعيد والقريب، وقد وصل الكاتب في هذا إلى حدّ التبسط، إذ يجد القارئ أنه استخدم اللغة المناسبة في الموضع المناسب، وهذه مسألة ليست سهلة، يعاني منها آخرون ولا ينجح بعضهم، وقد ينجح آخرون في «توسيط» اللغة وجعلها سهلة طيّعة، لتؤدي الوظيفة المنشودة، كما الحال في هذه المجموعة.

إن استخدام المألوف اليومي من المفردات في قصص «شمس في المقهى» له مسوّغ تقني لا يقبل الرفض، فنقرأ في قصة «شجرة الصنوبر»: «وقبل وصوله ظهرت زوجته تحمل صينية الشاي»، فإذا استبدلت بمفردات هذه الجملة أخرى أكثرَ فصاحة، ستفقد المعنى القصصي والأداة اللغوية التي أرادها الكاتب، ثم تصل قدرة نازك ضمرة على أداء وظيفة لغته إلى استبدال موفّق في التراكيب المألوفة أيضاً، مثل «نلعن الغير لأنه يحكمنا ويتحكّم بنا، لكن يبدو أن اللعنة تلاحقنا ما حيينا، بل نحن بين شقيّ الرحى». فالمألوف «فكّي الرحى»، وعندما استبدل بها الكاتب «شقَّي» فليس مروقاً على المألوف، وإنما لضرورة الجرس الأجمل، وتغيير «الروتين» اللغوي.

ونفاجأ ونحن نقرأ بعض قصص المجموعة مثل قصة «أشهد تفاحاً أسمر» (ص85)، فنتصور أول الأمر أننا نقرأ قصيدة، لكننا نكتشف أثر شعرية القصة، من خلال لقطة قصيرة لحدث درامي قصير: «كنتُ أطير.. أطير.. أطير، وتواريخي خلفي تحلم، والعصفور يشاغله الصياد، ونحن نطير، نطير، والصياد الملهوف، يلوي قامته العظمى، والطير السابح يدوي في رأسي، يتمايل، يلتصق المقعد بي، يلوي أعناق الركاب، يهزأ بالألب وخط الحرب، يشقّ مرايا البحر، وأنا أهوي في الحلم وأجفل، والسمراء الصغرى تلهو، ويداه بيدها تجثو، (غطى المنديل الأخضر شقّ النحر الأسمر)، رقصت أزهار وعصافير، فوق الحقل الأخضر، اقترب الصياد المفتون، من الشجرة أكثر، جفلت كل عصافير الحقل وطارت، والأزهار انعقدت تفاحاً، غمق ونضج سريعاً ذاك التفاح، (انظر! يده تجني تفاحاً أسمر)، أشهد تفاحاً أسمر، وحتى قامته أكثر».

نجد نازك ضمرة يستخدم وزن بحر المتدارك (فاعلن) أو (فاعلُ) ويأتي منه الخبب (فالن، أو فعْلن) استخداماً يوحي موسيقاه بأنه شعر، إلاّ أنك تكتشف أنك تقرأ قصة قصيرة فيها كل مقومات وعناصر القصة القصيرة الناجحة، لكن القصة تكاملت عناصرها واجتمعت بعناصر الشعر، فتلك هي الشعرية القصصية.. والغريب أن ذلك يلازم القصة حتى نهايتها، مما يدلّ على النفَس الشعري للكاتب.

وما دمنا عند هذه القصة، فدعنا نبقى معها في مفاصل أخرى غير شعريتها، فإذا أخذنا الرمز والرمزية -التي هي السّمة الغالبة على هذه المجموعة- فإننا نتساءل عن تفسيرات هذه الرموز، فما هو التفاح الأسمر؟ ومن هو الصياد، وكيف كان البطل يطير؟ وما هي العصافير؟

نعلم أن الشاعر يحق له أن يرمز إلى الأشياء غير الحقيقية أو غير الواقعية، إلا أن هذه القصة مزج متكامل بين واقعية مشهد درامي قصير، وبين المرأة التي رمز اليها الكاتب. وبما أننا ما زلنا بصدد الحديث عن الرمز، فنقول ثانية أن معظم قصص «شمس في المقهى» تنتمي إلى الرموز بإشاراتها المختلفة، وبداية البداية بمدلول مسمى المجموعة الذي يثير جدلاً وتساؤلات في دواخلنا، ورغم أن الكاتب لا ينتمي إلى مدرسة واحدة أو أيديولوجية معينة، إلا أن قصصه جاءت رموزاً داخل الواقعية حيناً ورموزاً خيالية، وأخرى رومانسية، فإذا أخذنا رمزية قصة «ابن الديك» (ص17)، سنجد أنها تنطوي على درس بليغ في «التربية» وكشف عقوق الأبناء، ومع أن كشف رمز الديك وابن الديك ليس عسيراً في هذه القصة، إلا أن لهذه الرموز عمقاً فنياً واضحاً، وتشكل تجديداً في البناء والحوار.

نازك ضمرة لا ينتمي إلى مدرسة معينة، وهو يوظّف تقنيات المدارس المختلفة في خدمة نصه، ونلحظ ذلك تماماً بخروجه على التقليدي، فإن قال قائل إنها متابعة للتراث القصصي عن الحيوانات أو على ألسنتها فهذه مقولة تنفع الكاتب وتقف معه، وفي أنه وظف الماضي في خدمة الحاضر والمستقبل، وفق تقنية متناسقة وعصرية، وربما يكون هذا النمط من الكتابة من اختراع الكاتب ومن خصب خياله وخاصة ونحن نطالع سيرة حياته، إذ نجد أه مارس الكتابة وحب الأدب كهواية وليس على إثر دراسة جامعية متخصصة وبتفرغ.

وإذا بحثنا عن البطل في قصص نازك ضمرة سنجده الكاتب والسارد والراوي هو نفسه، توزّع بين أبطال قصصه، وتلك مزيّة لا ننكرها، فهو صاحب المعاناة، وهو الذي استحضر تراث الماضي البعيد والقريب، فإذا قرأنا قصة «اللعنة فلنخرج معاً» (ص25)، فنجد أن الكاتب يستغل اليومي والمألوف ويستنطق البطلة من أجل إظهار الموقف السياسي والنقمة، وصبّ الويلات على المحتل الأجنبي، تقول «أم سامي»: «الله يرحم أيام زمان! لا أدري كيف حدث ما حدث، والله يا أبو عادل أنّي صنعت أربعة لُحُف جديدة من الصوف البلدي الممتاز الأبيض قبل رحيلنا بشهرين، ولأنّ الدنيا كانت صيفاً لم نستعملها، ولم نحتَج لها، هجَّجونا وتركناها مصفوطة، الله لا يبارك لهم البُعَدا، ولا يبارك الذين ساعدوهم حتى أتوا لنا». (ص29).

هذا الاستنطاق السردي هو بقصد بيان الاستياء ومقاومة الاحتلال والنيل من الاستعمار، ونلاحظ قدرة الكاتب الفائقة على خلق الجو المناسب للقصة، أو استغلال الجو السائد في القصة من أولها لآخرها ليكون مناسباً للحدث أو لما يريد الراوي قوله أو فعله، بحيث يجعلك كقارئ تتابع وتشارك البطل في ظروفه التي يعيشها، ففي قصة «اللعنة فلنخرج معاً» يستغل الراوي والبطل الضيق الذي عانى منه في الحفلة أو الندوة لينقلنا إلى ضيق أوسع وهو المخيم وهموم المهجّر الفلسطيني: «تغادر سيدتان الحفل، تململت اثنتان أخريان، بدأتا بالهمس والاستعداد للمغادرة، صار العدد يتناقص، بقي من الرجال ما يزيد عن أصابع اليدين بقليل... سيدتنا ما زالت تقرأ وابنتها تلتهم البطاطا، والذباب يصول ويجول... ظلت قلوبنا معلّقة بأعلى الجبل، وبقيت عيوننا مغروسة عالقة في صدرها، وفي أصابع قدميها الغاطسة في البحر، بعدها لم نعد نرى الطرق وبقينا ننزل.. لم تقبل السكوت، تريد من أمها أن تقف وتتفرغ لها، ها هي تتوقف، تنتهي من القراءة، لحظتها نظر حوله، لم يجد أحداً، إلا القارئة وزوجها وطفلتهما.. لم نعد نرى إلا ذبابتين أو ثلاثاً، سلّم عليها، خرج وذبابة تطارده وتطرده للخارج، قال: اللعنة! فلنخرج معاً!» (ص32).

* ناقد وأكاديمي عراقي