أحمد العلاونة

الكتاب التراثي المحظوظ هو ما رُزق مؤلفاً جاداً، ومحققاً متقناً، وناقداً حصيفاً، وناشراً يُعنى به من جميع الوجوه: إخراجاً وورقاً وتجليداً.

وينطبق هذا الوصف على الكتاب الذي طبع بأخَرَة؛ كتاب «بغية الطلب في تاريخ حلب» لابن العديم العقيلي المتوفى سنة 660هـ، وحققه الباحث الأردني د.المهدي عيد الرواضية، ونشرته مؤسسة الفرقان في لندن آخر عام 2016، وصدر في اثني عشر مجلداً كبيراً.

وأهمية هذا الكتاب معروفة عند الباحثين والدارسين للتاريخ الإسلامي؛ لقيمة الإفادات والمعلومات الأصيلة التي تضمنها، وتفرّده بنصوص تراثية لم ترد عند غيره من مؤرخي تلك الحقب المندرسة، وهو مع ذلك حافل وجامع لمعارف وفنون عدة، وإن كان موضوعه الأساسي ترجمة الأعلام ممن اتصلت علاقتهم بإقليم حلب سكناً أو عبوراً فإنه يشتمل على معارف تتوزع بين علوم الدين والعربية والأدب وأخبار البلدان وأحوال الأقاليم في مشرق الدولة الإسلامية ومغربها.

ويؤرخ الكتاب لحقبة طويلة من تاريخنا الإسلامي، تمتد إلى سبعة قرون: من القرن الأول حتى القرن السابع للهجرة. ويعدّ من الأصول الكبرى الموثقة لهذه الحقبة المليئة بالأحداث الجسام والأخبار الطوال.

وقد يوهم عنوان الكتاب أنه تاريخ مقتصر على مدينة حلب، كما هو حاصل في المجلد الأول الذي خصصه مؤلفه لمدينة حلب وجوارها، إلا أن إفاداته في بقية الأجزاء تتجاوز ذلك لتشمل العالم الإسلامي من مشرقه إلى مغربه، قديمه وحديثه إلى زمن المؤلف (منتصف القرن السابع للهجرة).

ومن أهم ما يميز هذا الكتاب هو ما ضمّه من فوائد لا تجدها في كتاب آخر، كما جاء في ترجمة أبي الطيب المتنبي التي رجع إليها العلامة محمود محمد شاكر (كتاب المتنبي، ص605- 606)، وما استفاده منها في التعريف بحياة المتنبي ورحلاته وإقامته بحلب ومصر، وما حواه كذلك من نصوص طويلة من كتب تراثية ضاعت وطوتها عوادي الدهر، في موضوعات مختلفة وفنون متنوعة، فأعاد إليها -بما حفظه لنا من نصوصها- الاعتبار، وعُرفت محتوياتها ومضامينها. وعلى هذا أُقيمت بعض دواوين الشعراء أو استدرك عليها بفضل ما أودعه ابن العديم في كتابه.

يقول محقق الكتاب في مقدمته: «إن النصوص والقطع المهمة التي انفرد ابن العديم بحفظها -والتي شكلت جزءاً من مصادره في تأليف الكتاب أثبتها المؤلف بعد أن تتبعها بالنقد والتصويب والشرح والتقريب- هي على قدر كبير من الأهمية، وهي تعين في إعادة النظر لبعض الدراسات التي تناولت حركة التدوين التاريخي والتأليف عموماً حتى القرن السابع للهجرة، وتساهم في رصد الضائع من هذا التراث، وقد جمع (المرحوم) د.إحسان عباس بعض نصوص الكتب الضائعة مما وجده عند ابن العديم خاصة، واقتصر على جمع مادة ثلاثين كتاباً فقط من تلك التي نقل عنها ابن العديم، فجاءت في مجلد سماه (شذرات من كتب مفقودة)، كان معوله فيه على كتاب ابن العديم وبعض الكتب المساعدة».

وفي مجال التراجم، سار مؤلف الكتاب ابن العديم على نهج استقصى فيه أخبار المترجَم لهم، وتتبع أحوالهم بحسب ما أتاحت له مصادر عصره، وما توفّر له من روايات وأخبار، فلم يكن حصّاداً للأخبار، جمّاعاً لها من المصادر، يحشرها دون تمحيص ولا تثبّت، ولم يكن ناقلاً للنصوص والروايات فقط، بل كان ناقداً لها، يصحّح ويعترض ويؤيد، ويعضد الأقوال أو يضعّفها، وهو عندما ينقل فإنه يكون أميناً ودقيقاً بالنقل؛ حريصاً على التحري والتثبت.

وقد رتّب تراجمه على الترتيب الألفبائي، وكان يذكر اختصاص كل منهم من العلوم وما اشتهر به من حقول المعرفة، ثم يُعدد شيوخ المترجَم له وتلامذته، ويُثبت نصوصاً من أقوالهم أو مؤلفاتهم، وأخرى من مروياتهم أو من إنتاجهم الشعري، ويعرض جانباً من حياتهم وسيرهم، ويختم الترجمة بالتأريخ لوفاتهم وإيراد الأقوال إذا تعددت واختلفت.

أما الملوك والأمراء والقادة، فقد تتبع ظروف عصرهم ومشاركتهم في الأحداث الكائنة لعهدهم، وما وقع في أخبارهم وسيرهم من وقائع ومجريات.

وتفاوتت التراجم طولاً وقصراً، بحسب أهمية المترجم، فنجده يترجم لشخص في كلمات أو أسطر، وأكثر التراجم يمتد لصفحات كثيرة تزيد على السبعين صفحة.

أتقن محقق الكتاب الباحث المهدي الرواضية عمله في التحقيق، فأخرج الكتاب كما أراده مؤلفه، وأضاء عمله بمقدمة طويلة، كاشفة وافية، جاءت في 160 صفحة، عرّف فيها بمؤلف الكتاب وحياته العملية والعلمية ومشاركته في أحداث عصره لقربه من بعض ملوك بني أيوب، وأسفاره ورحلاته، وعلاقته بعلماء ذلك الزمن، ورَصَد مؤلفاته الأخرى، وتناول فيها أيضاً التعريف بالكتاب وقيمته بين أقرانه من المؤلفات التاريخية، وضمنها خطة عمله التي سار عليها في إخراج الكتاب، وحشّى الكتاب بفوائد كبيرة وإضاءات خادمة للنص، تنمّ عن علم وفطنة، فعرّف بالمواضع والأماكن الواردة فيه، بالقدر الذي يعطي صورة عن حال الموضع في القديم والحديث، وعدّد أسماء مصادر جغرافية تعرضت لذكر الموضع، ليصير الكتاب الأول خاصّة بمادته، وبما أحيل عليه من مصادر إضافية معجماً جغرافياً مفيداً عن هذا الإقليم.

كما امتازت هذه النشرة العلمية للكتاب بضبط النص بالحركات ضبطاً دقيقاً بما يتيح القراءة السليمة لنص تراثي على قدر كبير من الأهمية، وعمل المحقق على ملاحقة النصوص التاريخية والأدبية المقتبسة والأحاديث والآثار النبوية وتخريجها من مظانها.

ويلفت النظر في هذا العمل قيام محقق الكتاب بإثبات صورة بعض الكلمات التي تشكك في وجه قراءتها على نحو صحيح أو احتملت أكثر من وجه إما لإعجامها أو بسبب إفساد الرطوبة، ووضع صورتها في الهامش كما جاءت في أصول المؤلف الخطية، لتشريك المهتمين بالتاريخ والدارسين له في محاولة قراءتها على وجه سليم، وهو أسلوب جديد لم نقف عليه في الأعمال المحققة فيما مضى.

وعمل المحقق أيضاً على رصد وجمع ما ضاع من الكتاب، وأفرده في جزء مستقلّ (الجزء الحادي عشر) استكمل به بعض ما وجده في المصادر التراثية المتنوعة مما لم يصلنا من الكتاب، فقد رصد عشرات النصوص والتراجم التي دونها ابن العديم ونقلها عنه اللاحقون، كما صنع ثبتاً بالتراجم الضائعة التي أحال عليها المؤلف في ثنايا كتابه بما يكشف عن أهمية وقيمة ما ضاع من أصل الكتاب.

نبارك للمهتمين بالتراث الإسلامي والدارسين، وللعالم المحقق المهدي الرواضية، وبلده الأردن، على هذا الإنجاز المتميز، ولمؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي ومؤسسها الشيخ أحمد زكي يماني، التي رعت الكتاب ويسّرت سبل تحقيقه ونشرته على هذه الهيئة المتقنة.