إبراهيم أبو طوق

جملة واحدة من الجمل الشعرية لسهر الداوود كانت كفيلة بأن تستوقفني كي أخطّها وكي أدخل بمفهومها الفلسفي، وهي: «أعرف أنك ستتنفّسني».

فهي تقول «أنا أعرف»، أي يقين الرؤية، لأن حرف العين لغوياً هو الرؤيا والمشاهدة، إذن هي تنطلق وتستهل جملتها من واقع ويقين، وحتماً الطرف الآخر هو الحبيب المنشود، وكلمة «ستتنفّسني» هي محور الكلام والعمل، والسين لغوياً هي الهمس، وهي مستقبلية الزمن.

ثمة اختيار دقيق لحروف الكلمة. هنالك سين وسين. وهنالك تاء وتاء. وهنالك نون ونون. بقي لدينا «فاء» في وسط الكلمة، وياء في نهايتها. هل قصدت الشاعرة بتكرار حروف الكلمه الطرفَين معاً: أنا وهو؟!

هنا تظهر عبقرية الاختيار البسيط للنظم ببراعة وإتقان.. يقين ثابث ورؤيا واثقة بين طرفَي معادلة كونية هي «أنا وهو».. ولعل «الفاء» في كلمه «ستتنفّسني» ردّ على «فاء» «أعرف». ومن هنا تصرفتُ في العمل من وجهة نظر فنية، فالسين الأولى فوق المادة، هبوط من السماء من عالم النقاء والخلود، ثم تنحني الكلمة لتأخذ مدار الأرض المادي أو الواقع والحاضر، وهذا الفراغ في وسط الكلمة هو رئة ومتنفس لوحدة الحال بيننا بعد اليقين الذي وصلت إليه الشاعرة...

وكما يقول أفلاطون في «فلسفة الوجود»، كانت الأرواح في مكان نقي في العالم الآخر، نقية وشفافة وطاهرة.. ثم نزلت إلى الأرض، فتلوثت بالمادة، وستعود يوماً إلى مكانها الأصلي. وسواء قصدت الداوود هذا أم لم تقصده، فقد استشعرتُ هذا كفنان، وكأنها تقول: «عرفتك في عالم آخر.. كنا خلية واحدة.. نزلنا إلى الأرض.. تشظت المادة فينا.. ومع ذلك يقيني التام أنك سوف تسمو بي وأسمو بك..».

الياء هي آخر حرف في الكلمة، وهي آخر حروف الأبجدية.. لقد انتقلت الشاعرة بين حروف الأبجدية ابتداء بالألف في «أعرف»، ومرت بكل موسيقى الأبجدية إلى أن وصلت إلى ياء «ستتنفّسني» في نهاية العبارة..

كأنما الداوود تقول: عبرات ونفحات وموسيقى تعلو بك وبي، لأن علمي القديم ويقيني أنني رئتك التي تتنفس شفافية الحياه بكل ألقها وزهوها. والكاف تعني كلية الشيء في فقهيات الأبجدية.. أي: ستتنفّسني بكلية وجودك، بكلية مراحلك الثلاث قبل النزول للأرض عندما كنا في العالم الآخر.. وعندما نزلنا.. وعندما سنعود..

هو مثلث التحوّل في الخلية من الحالة الصلبة إلى السائلة ثم إلى الغازية. لقد مرت «ستتنفّسني» بهذه المراحل الثلاث.. وهكذا تعاملتُ مع النص الأدبي ضمن رؤية فنان حاول تلمّس إلهام الشاعرة سهير الداوود.

* قراءة تأويلية في نصّ الشاعرة سهير الداود «أعرف أنك ستتنفّسني»، ضمن مجموعتها «أول الألف.. آخر الياء» (2017). والعمل الفني أعلاه بريشة الفنان والخطّاط إبراهيم أبو طوق.