عبدالله آل الحصان

يفتتح الباحث مصطفى الخشمان كتابه «الأغاني الأردنية في الجنوب» الصادر ضمن منشورات العقبة مدينة الثقافة الأردنية (2016) بقوله إن الغناء هو غذاء الروح، ويوضح إن الغناء مرتبط بالشعر، فالشعر عندما يلحَّن يصبح غناءً وتتميز ألوانه بعضها عن بعضها الآخر بطول التفعيلات في البيت أو قصرها، وتكون أعمق تعبيراً عن الحالة عندما يرتبط الغناء بالإيقاع الفلكلوري الراقص، مما يساعد الأفراد والجماعات على حفظ أبيات الشعر وإتقان حركات الأداء.

ويضيف الخشمان أن الشعر الشعبي هو شعر غنائي بالفطرة، يعبّر عن آمال الأمة وآلامها، ولعل أكثر الغناء الشعبي مقترن بحالات الأفراح والزواج والطهور وحضور الغائب وشفاء المريض، ومواسم الخير كهطول الأمطار والحصاد والبذر وغير ذلك.

يتحدث الفصل الأول من الكتاب عن الغناء في جنوب الأردن معتمداً على التقسيمات الإدارية (العقبة ومعان والطفيلة والكرك) ويبين الباحث أوجه التشابه والاختلاف بين منطقة وأخرى، ويلفت إلأى أن الجنوب يتشابه الغناء فيه إلى حد كبير باستثناء مدينتين في الجنوب هما العقبة ومعان، وهذا لا يعني عدم وجود التراث الصحراوي أو الريفي في المدينتين، بل المقصود هنا السمة السائدة والعامة، وخاصة عند الغوص في تاريخ التراث والابتعاد عن العصر الحديث؛ عصر الكتابة والتواصل الاجتماعي.

ويتطرق الخشمان إلى تعريفات الأغنية الشعبية المختلفة، مؤكداً أن الأغنية الشعبية تعتمد اعتماداً كلياً على اللحن الفلكلوري الشائع بين أفراد وجماعات المجتمع، واللهجة العامية، والمضمون الشعبي. وينتقل بعدها إلى تعريف الشعر الشعبي الذي بيّن فيه الخلط الذي يقع فيه الباحثون بين مصطلحَي «الشعر الشعبي» و»الشعر العامي»، لأن كليهما منظوم باللهجة العامية، ثم ينتقل بعد ذلك إلى قراءته الجغرافية الغنائية، فيبدأ بمدينة العقبة مبيناً الدور الذي لعبته كاستراحة لرحلة الحج المصري واختلاط السكان بالقادمين إليها والجماعات الوافدة مما نتج عنه تولد ثقافة جديدة لها سماتها ومميزاتها الخاصة بها، ويتحدث عن أغانيها التي تحمل تأثيرات بحرية ومصرية وحجازية، وينقل عن كبار السن في العقبة قصة تقول إن الشيخ علاوي الكباريتي كان يذهب إلى القاهرة للتجارة وعندما يعود إلى العقبة كان الأطفال يتجمعون انتظاراً لوصول الغائب ويستقبلونه بالتصفيق وهم يرددون:

«عم علاوي جه... جاب لي جلابيه».

ويبين تأثير اللهجة المصرية ومكانة البحر لدى العقباوية، مورداً نماذج تغنيها فرقة العقبة البحرية للفنون الشعبية ومنها:

«عقباوي يا خال عقباوي

عقباوي يا خال.. بحري وصياد...

بحب الصحبة.. وأحب الناس

أصون العشرة بكل وداد... وأراعي الود بكل إحساس

عقباوي يا خال عقباوي».

وتظهر التأثيرات المصرية كما يوردها الخشمان بشكل واضح في الغناء واللحن كما في الأغنية التالية:

«دلّوني على السبيل

عطشان يا بحرية... دلوني على السبيل

عطشان بالله اسقوني... ميّتكو السلسبيل».

وترد مجموعة البحرية:

«مهو السبيل قدامك... روح أشرب يا جميل

اسقوه تسعد أيامك... وتداوي كل عليل».

وأما عن الرفيحي فيقول الخشمان إنها من أشهر الرقصات التي يؤديها الرجال في مدينة العقبة من خلال اصطفاف عدد من الرجال صفَّين متقابلَين ويقف بينهما أحد الأشخاص وهو يشبه الحاشي في السامر، وعُرف أن أهل العقبة قد استقبلوا الشريف الحسين بن علي عندما جاء إلى العقبة عام 1924 بهذه الرقصة، ومنها:

«يا الله اليوم وجِّه جاهنا... واكفينا شرّ ولدات النحوسِ

يا الله اليوم نطلبك الستيرة... وإن يالنا عوايدك الجميلة

سلام مني والسلام.... على الشريف الهاشمي

سلام مني وسلام... على الربوع الحاضرين».

وأما الأغاني المرافقة للسمسمية فيورد منها:

«يا ليل دانا يـ الدانا يـ ليل دانا

والله الزمان الزمان خضري يا سيجان

يا عيني لا تبكي يا عين قبلك بكينا

حتى السمك بالمي شاهد علينا».

وفي الفصل الثاني يتناول الخشمان الأغاني الشعبية التي تميزت بها مدينة معان، ويتحدث عن السحجة المعانية بقوله: «تُعتبر السحجة المعانية الوجبة الرئيسية التي يظل المعانيون ساعات طويلة وهم يرددون أبياتها ويتغنون في مغانيها، ويتمايلون مع أنغامها، وهم يدبكون في نشوة عارمة».

ويصف طريقة أداء السحجة: «يقف الساحجون في وصف واحد وينقسمون إلى قسمين يبدأ نصفهم بغناء مطلع البيت ويرد عليهم النصف الثاني بعجزه والذي هو موضوع أصلاً كجواب للمطلع في معظم الأبيات». وبحسبه، هناك لحنان يختلفان في الوزن والتفعيلة، حيث تبدأ السحجة بلحن هادئ قصير بالمطلع التالي:

«أول القول نمدح بذكر النبي...

يا شفاعة محمد وجيرة علي»،

وفجأة يتغير اللحن إلى لحن طويل ونبرات حماسية على وزن بحر البسيط:

«صبرت صبر الخشب تحت المناشير..

صبرت لما استوى بيض العصافير»

وعن أصل السحجة، يقول الخشمان إنها تطورت ونمت في مدينة معان، أما أغراض شعر السحجة فهي الأمثال والحكم والعتاب والشكوى والنصائح والفخر والكرم والشوق والوفاء للحبيب وذكر الحبيب والغزل والحث على الصبر، وغيرها، ويورد أمثلة لكل غرض وتنوعه من السحجة المعانية.

وفي الفصل الثالث يتحدث الخشمان عن الشعر الشعبي الغنائي في منطقة الطفيلة، ويتناول لون الهجيني ويروي عن أم محمد، جدة إيناس العطيوي لأمها وعمرها 75 سنة: «يجتمع الناس قبل زفة العريس على شكل مجموعتين تغني إحداهما الهجيني وترد عليها المجموعة الثانية بالشعر نفسه واللحن نفسه، ومن هذه الأغاني:

«حطّي على النار ياجدة... حطّي على النار عيدانِ

هات المعاميل والعدة... تا نسقي هالظيف فنجانِ».

وأما أغاني الأعراس فتقوم فتاة أو أكثر وترد عليها مجموعة من النساء بترديد الأبيات نفسها، وترافق ذلك الطبلة لمطابقة الإيقاع مع تصفيق النساء الجالسات بالإضافة إلى إطلاق الزغاريد بين فترة وأخرى:

«ع الرمانية ع الرمانية يا يمة... والراية البيضا للعطيوية».

وينقل عن بكر الحراحيس الأشعار والأغاني وهي من ذاكرته الذي حفظها عن المجموعات التي كانت تغنيها في الحفلات والمناسبات في الطفيلة وخاصة في «عيمة»:

«أول ابتدايه وبصلاة النبي.... يا شفاعة امحمد وجيرة علي

والنبي والنبي ماخذ الاجنبي...

ماخذ إلّا ابن عمي يقول اركبي».

وفي أغاني السامر يرددون:

«يا محلا فزعة البارود.. من فوق أكتاف الثوابية».

وأيضاً:

«والشعر الأشقر ناثرته... بالعشق يلا تبلاها

واثمها يا عقد اللولو... يا زين حبة ثناياها».

وأما لون الشروقي المسحوب فيُذكر في مجالس الطفيلة ويلحَّن مع الربابة بحسب الأبيات التي يحفظها الشاعر أو الراوي، وغالباً ما تكون مقاطع شعرية من قصائد مختلفة يحفظونها ويتغنون بها لما لها من وقع جميل في نفوسهم من حيث الصورة والتعبير الجميل المماثل لحالات يمرون بها في حياتهم اليومية، ومنها:

«ما ينفع المجروح كثر التناهيت...

قلبي تولّع فيه لا يا عذابه

جاني خيالك في منامي وهبيت...

وهلّت دموعي مثل وبل السحابة

وكل ما ابتعد بالصوت ناديت...

على الذي ما عاد يبرى صوابه».

وفي الفصل الرابع يتناول الخشمان الأغاني الشعبية في منطقة الكرك، ويؤكد أن الأغنية الشعبية التراثية في الكرك تكاد تكون متطابقة في المدينة والريف على السواء، لكن الاختلاف يكون واضحاً بين هذه الأغاني وغيرها المنتشرة في البادية، أما ألوان السامر والهجيني والأهازيج فتتطابق شعراً وألحاناً في البادية والريف.

ويقول الخشمان إن الفضل في تسليط الضوء على الهجيني والاهتمام به، يعود لميسون الصنّاع، تلك الفتاة الكركية التي غنّت بعض ألحانه الجميلة على شاشة التلفزيون الأردني.

ويورد نماذج من لون الهجيني في مناطق الكرك، منها:

«دَنِّي القلم وابيض القرطاسْ... وبخاطري نظِّم بيتينِ

يا اللي بهواها سَلِيت الناسْ... سبعَ سنينٍ توالينِ».

ويتطرق الخشمان إلى لون السحجة في الكرك كغناء نسائي وليس للرجال، ومنه:

«والله لأعلمك ما أنا عليك جاحد...

قلبي وقلبك سوا مفتاحهم واحد».

ويتطرق إلى نماذج من أغاني المناسبات والزواج وموسم الحصاد، وأغاني «زريف الطول» التي يؤكد الخشمان أنها انتشرت حديثاً في الكرك، ومنها:

«يا زريف الطول واردفني وراك...

تعبن رجلَيّ وانا بمشي وراك».

ويخصص الخشمان الفصل الخامس للحديث عن الأغاني النسائية في مناطق الجنوب، ويوضح أنها تغنّى من قِبل النساء بطريقة المجموعات، وأن معظمها تتعلق بالعروس وتغنّى في ليلة الحناء وخلال «الفاردة» لإحضار العروس من بيت أهلها، وخلال الاستقبال والتوديع والزفة أيضاً. ويشير إلى أن البكائيات ((الرثاء، والندب، والنواح، وذكر مناقب الميت والتذكير بمحاسنه) لا تُعتبر من الغناء لكنها تدخل ضمن الشعر الشعبي.

ويعرض الباحث نماذج من أغاني الفاردة في الريف، والترويدة، وأغاني النساء في مدينة معان، والمهاهاة، والأغاني الريفية التي تقترن بالإيقاع والرقص (لون علا، لون الدلعونا، لون زريف الطول، امويل الهوى)، وأغاني السحجة الخاصة بالنساء في مدينة معان، وأما غناء النساء في مجتمعات البادية فيكون أغلبه من لون الهجيني، ويتطرق إلى البكائيات.

ويتناول الباحث في الفصل السادس أغاني الأطفال في مناطق الجنوب، ويبين أن أغاني الأطفال لها أكثر من لون غنائي، لكنها تخص الأطفال في مراحلهم العمرية المختلفة، وتقترن هذه الأغاني عموماً بالألعاب لولع الأطفال باللعب وكثرة الحركة والنشاط.

ويتطرق إلى صفات أغاني الأطفال، وأقسام الأغاني (التي يغنيها لكبار للصغار، وأغاني الأطفال التي يغنيها الأطفال أنفسهم) ويعرض نماذج متعددة لهذه الأغاني.

أما في الفصل السابع فيتناول السامر، وتعريفه، ومراحله، ودخول الحاشي وساقة الحاشي والوزن واللحن، وأشعار السامر.

والسامر كما يوضح، يطلَق على لون من الغناء الشعبي ترافقه رقصة لمجموعة من الرجال يقفون صفاً واحداً مستقيماً أو يشكلون نصف دائرة، ويطلَق على الغناء اسم البدع، والرقصة سحجة أو رزعة أو دحية.

ومن أشعار السامر:

«يا ابنيه ملا انتي ابنيه... لو فيكي من الطول شويّه

لحطُّك بخريج الذلول.. وألق فيك الدوية

حنّا يومن سرينا... تعليله طريت علينا

والله لولا معزتكو... ما جينا ولا تعنينا».

ويتناول الباحث في الفصل الثامن الهجيني، الذي يعدّ أكثر أنواع الغناء الشعبي انتشاراً في الأردن، يرثه الأبناء عن الآباء، ويتغنى به الأرادنة من أقصى شمال البلاد إلى جنوبها، ويتميز ببساطة المعاني وطرافة الأفكار وصدق الإحساس. والهجيني كلام موزون مقفى، وهو شعر شعبي على وزن البحر المخلع البسيط. ويتطرق الباحث إلى أصل التسمية: «الهجيني جمع والفرد هجينية»:

«اسمع نغيط القط يعيال... ثنتين يسون اهجينية».

ويقول الخشمان إن هذا النوع من الغناء الشعبي الفردي والجماعي يكاد ينحصر في دائرة الثقافة النبطية ومركزها الأردن، ويورد ما يُروى عن زوجة أحد المناضلين من أبناء عشيرة الجازي (الحويطات) عندما طالت غيبته في فلسطين عام 1948 حيث استُشهد هناك. إذ تقول زوجته:

«يابو فهد طالت الغيبة... نرجاك بزُرْق الحناتير».

وفي الفصل التاسع يتناول العرضة التي تعد من الرقصات الحربية، وتقترن باستعراض القوات المحاربة أو الجيش أو سكان المناطق وهم يعرضون من أمام القائد أو الحاكم عند زيارته لهم في مناطقهم، وأنواعها: عرضة الجيش، وعرضة الخيل، والعرضة العامة. ويشير إلى أن كبار السن في معان ما زالوا يذكرون العرضة التي أقيمت عند قدوم الأمير عبدالله إلى معان عام 1920:

«شد الحرايب يالشريف... لا يرتخي مسمارها

وابوك قبلك ما يخاف... يفرح ابشبّة نارها».

أما الأهزوجة فهي نشيد شعبي في لغة العامة ينشده في مناسبات كثيرة ومتنوعة مثل الحروب، والاستعراض، والاستقبال، والتوديع، ففي الحروب تهزج قبل المعارك لتهيئة المتحاربين نفسياً، وإثارة الحماسة والشجاعة والنخوة فيهم، كما ينشدونها بعد الانتصارات فخراً واعتزازاً، وفي مناسبات الاستقبال والتوديع خاصة الذاهبين للحج والعائدين منه، وترافق الأهزوجةَ أحياناً صيحاتٌ وألفاظٌ ذات نغم معين، ومنها أهزوجة «أبو طلال» التي جاءت مع قوات الثورة العربية الكبرى وانتشرت في منطقة معان وما حولها:

«تقولون واللا ما تقولون... وأبو طـلال لا بد عنه».

وأما «أبو رشيدة» فهي من ألوان الشعر النبطي، وكان الشعراء يبدأون قصائدهم على هذا اللحن بقولهم «يا بو رشيد»، وهي أبيات مختلفة المعاني والقوافي وليس ما يربطها بعضها ببعض إلا اللحن حيث تغنى بالتوالي، ومنها:

«يا حمالين النعش وامشوا على هون...

خوفي على ضلوع اريش العين تهتزّ

يا حفارين القبر لا تضيقونه...

خوفي على ضلوع اريش العين تلتزّ».

ويختتم الخشمان كتابه بالفصل العاشر الذي يتحدث فيه عن الآلات الموسيقية المرافقة للشعر الشعبي والرقص الفلكلوري تاريخياً، كالربابة العربية، والناي، والشبابة، والمجوز، والدف، والمزهر، والطبل، والطبلة (الدربكة).

هذا الكتاب يمثل دراسة يعتمد فيها الباحث على روايات المسنين وعمله الميداني، ناهيك عن مراجعة الدراسات والمؤلفات المعنية، ليجد القارئ مادة غنية ومتنوعة تحتاج إلى التوثيق والدراسة.