حسام الرشيد



السماء حبلى بالغيوم والمطر، عمّا قريب سينجلي مخاضها عن حبات من الماء تسقي الأرض العطشى لها، برودة تصفع وجوهنا المتدثرة بشماغات آبائنا التي سرقناها ذات فجر، سفوح الجبيهة المكللة بالقليل من البيوت نظرنا إليها بحسرة مقيتة، لا بيت يأوينا في ساعة العصارى، قلنا هي خُطا وسنمشيها شنا أم أبينا.

خرجنا من البوابة الشمالية للجامعة، يساراً انعطفنا نحو مسجد الجامعة، كان أذان العصر يتسلّق حبال السماء، ثمة سيارة موتى تدخل إلى حرم المسجد، مكتوب عليها "رابطة أهالي قلقيلية"، تابعنا سيرنا نحو مخابز "أبو شرخ" الواقعة على يمين الطريق المؤدية إلى صويلح، فلمّا وصلنا إلى مخازن الطاووس انحرفنا يميناً، بين البنايات الحجرية مشينا كما كشّافة في يوم شتائي، وأمام حديقة عليها سياج من الحجر المتوّج بالقرميد، رأينا أستاذنا نواف جالساً في حديقته الصغيرة مستسلماً لبصيص من أشعة الشمس، كان في يده صحيفة يقلّب صفحاتها بمللٍ تام، ورغم المسافات الطويلة التي طويناها إلا أننا لم نرَ يافطة واحدة تدلّنا على وجود شقة للإيجار هنا أو هناك.

وعنكبوت الضجر يعشعش في صدورنا، اقترحت على صاحبيّ نبيل وسالم بأن تكون وجهتنا التالية هي صويلح.

كقطَّين كسولين تمطّيا أمامي وقالا:

- السكن هنا سيوفر علينا أجرة المواصلات.

- لكنه هناك أرخص.

- الفرق لن يكون كبيراً ونحن ثلاثة.

- إذن ننتظر.

وبينما نحن نمشي في الشوارع المتفرعة كما سلاحف متعبات، لمحنا يافطة معلّقة على شرفة الطابق الثاني من إحدى البنايات، مكتوب عليها بخط ركيك: "شقة لليجار".

طحالب البهجة راحت تنمو في قلوبنا، خطواتنا لعقت الطريق بنهم حتى وصلنا مدخل البناية الواقعة على شارعين أحدهما غير نافذ، ببطء دخلنا إلى الغرفة الموجودة على مدخل البناية، فألفينا عموداً من المرمر جالساً خلف مكتب صغير الحجم، ممسكاً بسماعة الهاتف السوداء، فتطايرت قلوبنا من صدورنا كحمائم بيضاء.

صعدنا المصعد مع نرمين إلى الشقة الفارغة في الطابق الرابع، كانت نرمين نحيلة بعض الشيء، ذات عينين زرقاوين وشفتين عنابيتين، يفترّ مبسمها عن أسنان بيضاء يركب بعضها بعضها، فيما شعرها ينسدل على ظهرها كحقل من الليلك.

صاحباي استسلما لضوء القمر المنبعث من عينيها، في قرارة أنفسنا تمنينا ألا يتوقف المصعد، وأن يظلّ صاعداً بنا إلى السماء السابعة، ولكن حين أضاءت لوحة المصعد على رقم "أربعة"، ارتخى الحلم داخلنا واضمحلّ.

بعد أن تجولنا في الشقة ولاقت استحساننا، انتظرنا في المكتب ريثما تأتي أمّ نرمين، جاءت بعد ساعة من الانتظار، بدت لنا امرأة ستينية، وجهها يشبه قشرة السلحفاة، خاتم من الماس في يدها اليمنى، عرفنا فيما بعد أنّ زوجها كان يعمل في قسم التسويات بإحدى شركات التأمين في الكويت، حُكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات مع الأشغال الشاقة بعد شبهة اختلاس حامت حوله، زوجته وابنته عادتا إلى الأردن حيث استقرّ بهما المقام بثروة لا بأس بها.

بوجه مكفهرّ نظرت أم نرمين إلينا، كانت مشمئزة من أسمالنا الرثة ووجوهنا الذاوية، اعتذرت أول الأمر، صرنا ننظر في وجوه بعضنا بعضاً وقد استبدّ الحزن بقلوبنا، لا بدّ من استئجار هذه الشقة، كان شتاء عام 1988 بارداً جداً، الريح الصباحية تصفع وجوهنا بلا هوادة، والمشي عبر آثار جرش نحو مجمّع المدينة ولا سيّما في الأيام الماطرة، أثقل أجسادنا برعشة من الألم تنخر عظامنا.

ماذا سنفعل الآن؟ أيّ حظ عاثر يتخبّط بنا؟ صاحباب نبيل وسالم دلّيا رأسيهما من كتفيهما، الزفرات المتهدمات خرجت من صدريهما تباعاً، انتحيت بهما جانباً ونصحتهما بأن نرجع من حيث أتينا، نرمين وأمها لا يؤمَن جانبهما، داسا على نصيحتي بنعال صمتهما، فما كان مني إلا أن رجوت أم نرمين بأننا لن نمكث طويلاً، قائلاً لها بصوت متذلل

- فترة الشتاء ونرحل.

هزّت رأسها قليلاً، في العمارة ثماني شقق يسكنها طلاب عرب، بين الفصلين عادةً ما يسافرون إلى بلادهم، الشقق ستظلّ فارغة، ربما هذا ما دار في عقلها، اقتربتْ منها نرمين وهمست في أذنها بضع كلمات، ثمّ التفتت أمها نحونا وقالت:

- موافقة.

- شكراً لك.

- ولكن على شرط.

- ما هو؟

- أن تدفعوا الأجرة مقدماً.

- اتفقنا.

بعد ارتحالنا إلى الشقة، شعرنا بشآبيب الراحة تتنزل علينا، كنا ننهض متأخرين من نومنا، نتناول على عجلةٍ من أمرنا فطورنا ونتوجّه إلى الجامعة، نسينا درب آلامنا الصباحي في الخروج من جرش وصولاً إلى عمّان عبر محافظة الزرقاء، ولا سيما أن طريق جرش - عمّان كانت قيد الإنشاء حينها.

بعد أسبوعين من إقامتنا في الشقة حدث ما لم يكن متوقعاً، ففي إحدى الليالي نهضتُ من نومي وتمددت على "الصوفا" في الصالة، من الشرفة الزجاجية أبصرتُ أضواء السيارات في شارع الجامعة، فجأة ترامت لي جلبة في الممر، على رؤوس أصابعي مشيت، كان الظلام شديداً والبرد قارصاً، ومن خلال ثقب الباب رأيت نرمين تخرج من الشقة المقابلة لنا وهي تترنّح في مشيتها، لم أصدق ما رأيت، فتحتُ باب الشقة حتى أستجلي الأمر، ولكني لم أرَ شيئاً، وكأن ما رأيته لم يكن سوى ظلال أشباح تتخبّط في عتمة الليل.

هل أخبر أم نرمين بما رأيت؟ هل أبقى بلا عينين ولسان؟ هل أخبر صاحبيّ ولتكن الفضيحة؟ ولكني أقنعت نفسي بأن ما رأيته لم يكن سوى أضغاث أحلام. بعد هذه الحادثة أصبحت نرمين تضيّق علينا الخناق، لم تعد تعاملنا كما كانت، تارة تتهمنا بأننا نصدر أصواتاً مزعجة في الليل، وتارة أخرى تحذّرنا من مغبّة وضع زجاجات البيرة في سلّة المهملات أمام شقتنا.

نبيل قال لي:

- أمرها لا يهمنا.

سالم قال لي:

- ولكنها انقلبت علينا.

قلت لهما:

- اتركا الأمر لي.

بعد يومين وبينما كنا عائدين لتوّنا من إحدى بيوت العزاء في الجبيهة (التي كثيراً ما دخلناها في تلك الأيام، ليس من أجل واجب العزاء، وإنما من أجل بطوننا التي عضّها الجوع بنابه)، عرّجتُ وحدي على نرمين، كانت جالسة على كرسيها الهزاز واضعة ساقاً على أخرى، ترتدي بنطالاً ذا لون بنفسجي، وقميصاً أبيض يشفّ عن رمانتين كبيرتين، أخبرتُها أنني سمعت جلبة في الممر قبل أيام، حملقت في وجهي بسخرية تامة، كالمهزوم اندحرتُ من أمامها، وأخبرتُ صاحبيّ بما جرى فلاذا بصمتٍ كافر.

مع حلول الليل جاءت إلينا أم نرمين قائلة لنا:

- أريد إيجار الشقة لشهرين قادمين.

- لم نتفق على هذا.

- تمرّ بنا ضائقة شديدة.

- ليس معنا الآن ما يكفي.

- دبروا حالكوا.

بعد انصرافها جلسنا نندب حظنا العاثر، لم يكن علينا لنفعل هذا، يبدو أننا أخطأنا، صاحباي اتهماني بأني افتريت على نرمين، وفي غمرة حديثنا خيّم الظلام علينا، لم نرَ شيئاً حولنا، قلنا لعلّ الكهرباء انقطعت عن الحي لعطلٍ ما، تدحرجنا بخطوات متعثرة نحو النافذة، الكهرباء ليست مقطوعة عن البنايات المجاورة، لم ندرِ ماذا نفعل؟ ماذا حصل وفاتورة الكهرباء دفعناها في موعدها ؟ ثمة خطأ ما، ولكن ما هو؟

سالم قال بصوت لا يكاد يسمع:

- ربما القاطع الكهربائي بالعمارة.

نفث نبيل هواء حاراً من فمه وقال:

- هل تعطّل؟

قلت لصاحبيّ: "اتبعاني إلى القاطع في الطابق الأرضي"، توجهنا لباب الشقة، الظلام المتمترس جعل خُطانا بطاء، فلمّا فتحنا الباب، لم نصدّق ما رأينا، كان الممرّ مغموراً بالضوء، ذهبنا إلى أم نرمين، قلنا لعلّها هي من قطعت الكهرباء عنا عقاباً على ما فعلنا، ولكنها لم تفتح لنا باب شقتها، وتركتنا ككلاب مشرّدة.

لم ننتظر طويلاً حتّى ذهبنا إلى شقتنا، على عجلة من أمرنا حزمنا أمتعتنا، وتوجّهنا إلى المصعد الذي هوى بنا إلى الأرض السابعة!