د. يوسف محمود عليمات

يؤدي العنوان في الفكر البارتي (نسبة إلى الناقد الفرنسي الشهير رولان بارت) وظيفة مزدوجة: تلفظية وإشارية، كما إن أسماء الأعلام، في رؤيته، تخضع لقانون المساءلة بعناية، لأن اسم العلم هو أميرُ الدوالّ، وإيحاءاته ثريّة، واجتماعية ورمزيّة.

وهذه المعاني يتكرر صداها بطرائق متعددة أيضاً في فكر الناقد الفرنسي جيرار جينيت أثناء حديثه عن العتبات النصية وتجلياتها المفاهيمية المنتجة في الخطاب الأدبي بوجه عام، والسرديات على جهة التحديد؛ إذ يصبح مفهوم "العتبات" انطلاقاً من وجهة نظر جينيت انفتاحاً على عوالم وفضاءات نصيّة فاعلة تظهر حقيقة الانسجام في النص/ الخطاب أو المؤلّف من جهة، إضافة إلى تأسيس هذه العتبات لمقولات وإشارياتٍ تظل، بدورها، محتاجة إلى المزيد من الكشف والنقد المضاعف.

وتأسيساً على هذه الرؤية لمفهوم العتبات، يتجلّى كتاب "أولئك آبائي: تراجم أهل الأردن المنسوبين صراحةً إلى المدن الأردنية في المصادر التراثية" بوصفه علاقة سيميائية منتجة تنفتح على عتباتٍ دالّة ذاتِ وظائف.

فالعتبة العلاماتية الأولى التي تتخذ بعداً أو محوراً مركزيّاً في هذا المؤلف هي "أولئك آبائي" حيث تتناصّ هذه الجملة النسقية وقوله الفرزدق:

أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجاميعُ

وهنا يتداخل، كما نلحظ، صوتُ المؤلف الذي تخيّر أو انتخب هذا العنوان (واختيار المرء قطعةً من قلبه أو عقله) بصوت الفرزدق بحيث تتلاشي المسافة الزمنية بين الصوتين، ليصبح الفخر بالفعل والتاريخ مداراً كونياً تتشكل من خلاله صورة الإنسان الذي يصنع الحياة ويكرّس حضورها الدلالي في الذاكرة، وبذلك تقوم التراجم في هذا الإطار مقام الحياة.

فإذا كان الفرزدق في نقيضته بموضوع الفخر بوصفه تأسيساً لجذرية الحياة في الفكر الإنساني في ضوء انعدام النظير، "فجئني بمثلهم"، فإن آباء الفجاءي/ يخترقون الفضاءات الزمنية "القرن الأول-القرن الثالث عشر" ليجسدوا حقيقة انبعاث الحياة بهذا الفكر المتنوع: فقهاً، وزهداً، وتصوفاً، وشاعرية، وغناء، وتأليفاً... إلخ.

ولهذا تنطوي قوله "أولئك آبائي" في رؤية الصوتين على قضية الانبعاث والحفر في الذاكرة حالة التلاشي أو النسيان؛ وأن حقيقة "الذريّة" أو التناسل/ التوالد قمينة بإعادة الحياة إلى هذا الإرث أو تجديد التفاخر/ الحياة: أي أن الأبناء يحيون بإبداعهم: جرير/ الفجاوي ذكر أو ذكرى الما سلف.

ومن هنا، فقد شكّلت قوله "أولئك آبائي" عند الفرزدق نسقاً معرفياً تتمركز حوله نقيضة الفرزدق بكاملها، والأمر نفسه عند الفجاوي عندما اتخذ هذه المقولة عنواناً يشي بمفهوم المركزية في مؤلفه؛ إذ كتب هذه الجملة الشعرية بخطّ بارزٍ ونافر كما نلحظ في صفحة الغلاف.

وأما العنوان الفرعي في هذا الكتاب: "تراجم أهل الأردن المنسوبين صراحةً إلى المدن الأردنية في المصادر التراثية" فهو يتماس، إشارياً، مع العنوان المركزي "أولئك آبائي".

فالعنوان الفرعي يمركز خصوصية العلاقة بين الإنسان/ الإنسان المبدع/ أهل الأردن والمكان/ المدن الأردنية بوصفها حدثاً من خلال الشاهد/ المصدر التراثي.

وهكذا يضْحي المكان/ الثابت الراسخ ذاكرةً حيّة ووعاءً ثقافياً يخلّد عبقرية الإنسان وإنجازه وهو ما أشار إليه الفجاوي في التقدمة بقوله: "فالأردن ليس بلداً طارئاً حادثاً، ولا دعيّاً، ولا بدْعاً بلا ذاكرة أو تاريخ، بل ذاكرته التاريخية ممتدة بلا زيفٍ أو زور" (ص18).

ولا شك في أن الترجمة/ التراجم والنسبة الصريحة/ المنسوبين صراحةً، تمركز "الأبوبة" بوصفها حياة وإعادة انبعاثٍ وإنتاج وانتشار، إذ كان لأهل الأردن/ علمائه حضور في الفكر العربي الإسلامي على المستويين الزماني والمكاني/ ثلاثة عشر قرناً. فآباؤنا كما يقول الفجاوي "كانوا ذوي منازع قومية، ولم يكونوا إقليميين أو إقصائيين: فمولدَ أحدهم مدينة أردنية، وتربيته دمشقية، وتدريسه بغدادي، ووفاته قاهرية".

ويشكل الإهداء عتبة نصيّة موضوعية لا تخلو من وظيفة/ وظائف إشارية في هذا المؤلف، إذا جاء الإهداء ممهوراً ومرقوناً على هذا النحو: "إلى ريم وحفص وعبدالله لعلّ هذا الجهد المنجز -والمنتأى عنكم واسع- أن يكافئ صبرَكم على غربتي".

فالاغتراب، هنا، سفرٌ معرفي، وحفرٌ معرفي حسب مشيل فوكو، إنّه ضرورة وشرط للعبور من أجل فتح محجّات جديدة وكوى نابضة في جذور التراث، وتالياً نحن أمام ما يمكن تسميته "الاغتراب المنتج" الذي يجعل المعتم مضيئاً، والمغلق منفتحاً، والماضَوي موجوداً وممتداً.

ومما هو قمين بالذكر هنا، إشاريّاً، أن العائلة/ الأسرة / الثالوث في هذا الإهداء هي نموذج مصطفىً لمركزية الأبويّة التي جاء بها العنوان. فالآباء/ العلماء هم بمثابة الأسرة/ العائلة الواحدة التي تنتمي إلى الفضاء المكاني/ الأردني لتكرس فعل الأسفار المعرفية وهي محفوفة بالصبر، والعناء، وإلى حدٍّ ما، الضرب من الشقاء.

كما إنّ الأبناء/ السلالة-الذريّة، في الإهداء، يكونون في حالة انتظار لنتيجة/ نتائج هذا المنتأى الذي ينهض بإماطة اللثام عن المخبوء أو المسكوت عنه تاريخياً، وهذا الانتظار المؤرق يجسده الحضور الذكوري/ الأبناء والأنثوي معاً/ الزوجة، وهذا المعنى ينسجم، أصلاً، مع مركزية الحضور العلامي لشخصيات الكتاب: الأعلام الذكور، الأعلام الإناث: عائشة الباعونية، وزينت بنت الباعوني، وفاطمة بنت الباعوني (انظر الصفحات 214، 216 مثلاً).

* خطاب المقدمات بوصفه عتبة أيضاً

ورد تقديم هذا الكتاب بقلم الناقد خالد الكركي رئيس مجمع اللغة العربية الأردني، وقد كان انتخاب المؤلف لمقدّمه ذكياً أو سيميائياً في هذا الإطار؛ فالاسم "خالد الكركي" يحيل ضمناً إلى تجليات الإبداع في فضاء المكان، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار، وأكدنا مقولتنا بمركزية الإنسان، المكان في هذه الدراسة، إذ يمثل الأعلام الذين ينسبون إلى مدينة الكرك حضوراً لافتاً منهم: إبراهيم بن أبي المجد الكركي، وإبراهيم بن عبدالرحمن الكركي، وإبراهيم بن محمد الكركي، والإبْرِنْس الكركي، وأبو جعفر الكركي، وأبو النجا الكركي... إلخ (ينظر الصفحات 489-557)، أي 94 عالماً عدا "ابن الكركية" (ص561-562) وعددهم أربعة علماء منهم: علي ابن الكركية، ومحمد بن الكركية. وبهذا، وفي إطار هذه المقدمة ينفتح الكركي المعاصر/ الابن على الكركي الماضوي/ الأب بغية الفخر أو تجذير صورة الانبعاث التي أشرت إليها قبلاً.

وأما مقدمة المحقق؛ فقد جاءت ضافية في مسارات التحقيق، واللغة، والمنهجية العلمية الصارمة؛ إنّها تجسد حالات: الانغماس، والاشتغال، والتبتّل/ التصوف التي يؤديها الابن/ المحقق في رحاب الآباء.

إن صورة العشق/ التعاشق بين المبدع والنصّ، بحسب بارت، ضرورة حتميّة لحدثية إنتاج المعنى/ المعاني، وهكذا انخرط المحقق/ الفجاوي من حيث يدري ولا يدري وعلى طريقة المتصوفة، علماً أن عدداً لا بأس به من أعلام هذا الكتاب يمثلون ظاهرة الزهد والتصوف، هكذا انخرط أو وقع في عشق الآباء وإشراقات عوالمهم ولا أدلّ على ذلك من قولته: "فتستخفّني الأريحية وأنا أقرأ في المصادر التراثية لُمَعاً وإشراقاتٍ عن تاريخ الأردن"؛ فيضحي الفخر بالآباء ضرباً من التصوفِ ذاته: "وهذا ما عليه نحن الأردنيين في هذا الزمان، فمسقط رأسنا بلدنا الأردن، وفيه مرابع صبانا وإليه مَثَابُنا ومآلُنا، ولكنّنا نملأ الدنيا نعطي ونأخذ".

وانطلاقاً من هذه الثنائية المتلازمة (الآباء/ الأبناء) يشرع المحقق بتحفيز الأبناء على إحداث صورة التعاشق، وتكرار التجربة من خلال ارتياد حياض الموروث: "وأحسبُ أنّ في هذا الكتاب غنية كبيرة، ومتربعاً خصباً للباحثين وطلبة الدراسات العليا، إذ إنّ فيه أعلاماً يصْلُحُ كثير منهم أن يكونوا مادة لبحثٍ علميّ، ومنهم من يصلُح أن يكون مادة لرسالة جامعية، كما أن لهم مصنّفاتٍ ما زالت مخطوطة وتحتاجُ إلى تحقيق ونشر" (ص 18).

* المكان/ الإنسان وعتبات المحتمل

من اللافت في هذا الكتاب أنّ محققه اتخذ المكان بؤرة مركزية ينتسب إليها العلم/ الإنسان، ولا غرابة في ذلك ما دام المكان يرتبط في المخيال الإنساني بمفاهيم: الديمومة، والثبات، والقوة؛ أي أن هذا الاختيار يؤمثل مقولة "الواحد المتعدّد"؛ فالمكان الأردني، زمنياً، واحد وثابت، والعلماء/ الآباء متعددون.

فقد استطاع المحقق جمع نحوِ ستمئة عَلَمٍ نسبوا صراحةً إلى المدن الأردنية: خمسٍ وعشرين مدينة أردنية. فالمكان، هنا، شاهدٌ على تاريخ/ العَلَم-العِلْم، وعلى حركيّة مشبعة بالآفاق المعرفية المتوالدة.

فتجد الأردني الإربدي، والعجلوني، والشوبكي، والسلطي، والكركي والجرشي، والمعاني... إلخ يموضع المكان بفعل النسبة، ليكون وطناً لعلمه وحضوره التاريخي ومن ثم فضائه الوجودي: التّابعي، وراوي الحديث، والزاهد، والعامل، والقاضي، والصوفي، والشاعر، والخطيب، والطبيب، والمذهبي: الشافعي أو الحنبلي، والأخباري، والسياسي.

ولعلّ في هذا بُعداً فاعلاً ومهمّاً لا بدّ من التنبيه عليه في هذا الكتاب، ويكمن هذا البعد في أن منهجية المؤلف لم تكتفِ بمسار التأريخ أو السرد المتعجّل للأعلام، وإنما تنفتح في هذا المؤلّف على نصوصٍ ثقافية: روايات، وحكاياتٍ، وأشعار، وزوايا، وأحلام، ومنامات، وميتافيزيقيا، والرحلة إلى الآخرة، ولطائف من النوادر، والرحلات، وهذه النصوص تمثل، في رؤيتي، سرديّات نسقية تحتاج إلى القراءة والتأويل.

* انفتاح العَلَم/ الغناء على المحتمل: سُمير الأيْلي مثلاً

لا شك في أنّ علاقة المتلقي/ الناقد المختلف بالنص/ الخطاب تتأسس على مبدأ الدهشة والانفعالي؛ وقد ذكر المحقق تلك الحادثة التي رواها الناقد محمد الدروبي عن الناقدة العربية فاطمة السويدي التي دفعها إعجابها بأحد الأعلام وهو مذكور في "أولئك آبائي" وهو محيي الدين أبوبكر بن تقي الدين السلطي، بعد أن قامت بتحقيق أحد تصانيفه: "إيضاح المرامي بشرح هداية الرامي"، علمت السويدي أن هذا العلامة لم يحجّ، فكلفت أحد الأشخاص أن يحجّ عنه.

وفي هذا الصنيع إشارة دالّة إلى أن البرّ بالأبوّة لم يكن أردنياً فحسب وإنما أصبح عربيّاً؛ وأن أثر الآباء/ أولئك آبائي ما زال حاضراً في المخيال الجمعي العربي.

وفي سياق الحديث عن الانفعال الذي يثيره النص/ مؤلفه في ذهن المتلقي، تجدر الإشارة إلى قصة سمير الأيلي في هذا الكتاب، وهي قصة معجبة ونسقية بامتياز.

تقول الرواية (ص 148 و149): إنّ سليمان بن عبدالملك كانَ مستلقياً على فراشه في الليل، وجاريةٌ غلى جنبه، وعليها غلالةٌ ورداءٌ مُعَصْفَران، وعليها وشاحان من ذهب، وفي عُنقها فصلانِ من لؤلؤ وزبرجدٍ وياقوت، وكان سليمانُ بها مشغوفاً، وفي عسكره رجلٌ يقال له سمير الأيليّ يغني، فلم يفكّر سليمان في غِنائِه شغلاً بها وإقبالاً عليها، وهي لاهية عنه لا تجيبه مصغيةً إلى الرجل، حتى طال ذلك عليه، فحوّل سليمان وجهه عنها ثمّ عاد إلى ما كان مشغولاً عن فهمه بها، فسمع سميراً يغني بأحسن صوت وأطيب نغمة:

محجوبةٌ سَمِعَتْ صوتي فأرقها من آخر الليل حتّى شَفّها السّهرُ

يتكوّن عالم هذه الحكاية من ثلاث شخصيات محورية: سليمان بن عبدالملك، والجارية، وسمير الأيلي.

وفي هذه القصة البسيطة أنساق ثقافية مضمرة بالغة التعقيد، إذ إنّها تجسد صورة الصراع بين ثقافتين متمايزتين ومتغايرتين: ثقافة السلطة/ سليمان بن عبدالملك، وثقافة الهامش/ سمير المغنّي، حيث تبدو السلطة السياسية منشغلة بملذاتها/ عالم الأنثى بعيداً عن الرعية/ الجيش، وهو ما يغدو، نسقياً، أمراً مرفوضاً من النموذج المهمّش، الذي ينجح في اختراق عالم السلطة بفعل ثقافة الغناء/ الصوت، ويتمكن من زلزلة مركزيّة السلطة، لا سيما عندما تكون الجارية/ نموذج اللذة حاضرة جسداً في عالم السلطة، وروحاً في عالم المهمشين؛ إذ إنّ انجذاب الجارية لصوت الهامشي يشي بتحوّلات جذرية تثير قلق السلطة وانفعالها؛ فالجارية/ الأنثى رمز الخصوبة والتجدد والتناسل تنتمي روحيّاً إلى ثقافة الغناء/ التأثير، فتصبح انشغالات الفحولي/ السلطوي ضرباً من الهذيان والسراب؛ وبالتالي يتمكن الثقافي/ سمير "وله من اسمه نصيب" من قلب المعادلة بفعل إعادة أو تصحيح قانون التمركز، بحيث يصبح الهامشي مركزياً، والمركزي هامشياً، وهكذا يكرّس/ يؤكد سمير أبويته ومركزيته في الوعي الإنساني وكأنّ هذه الأبوية تضحي جيناً وراثياً في وجودها وكونيتها وعبقريتها تتلاشى أمامه/ أمامها الحدود، وهو ديدنُ هؤلاء الأعلام الذين ينمذجهم هذا الكتاب "أولئك آبائي".