د. ثامر إبراهيم المصاروة

يعدّ فن الرواية من أبرز الفنون النثرية التي وقف عليها إبراهيم السعافين وقفة متأنية، مستقصياً علاقتها بفنون أخرى سبقتها، وتبرز قضيّة التأصيل النقديّ في كتابه الأول "تطور الرواية العربية الحديثة في بلاد الشام"، حيث أفرد مبحثاً بعنوان: "الرواية بين المقالة والمقامة"، ومبحثاً آخر بعنوان: "الرواية بين المقامة والقصة" وفيهما يتساءل عن موقع الرواية من الفنون النثرية الأخرى.

ويؤكد السعافين في مبحثه الأول أن كتابَي "مجمع البحرين" للشيخ ناصيف اليازجي، و"الساق على الساق في ما هو الفارياق" لأحمد فارس الشدياق، أبرز عملين أدبيين يتصلان بالبدايات الأولى للرواية العربية في بلاد الشام.

إنّ فكرة تأصيل الرواية في فكر السعافين النقديّ تنطلق من رؤيته للشكل الروائي، فلاحظ أن هذين الكتابين أقرب إلى الشكل الروائي المعهود، ويشير إلى تداخل المقامة والمقالة والمقالة القصصية في الشكل الروائي. ولهذا نراه يذهب إلى أن الشدياق "كان يستطيع أن يكتب الرواية بطريقة قريبة من الرواية الحديثة بشروطها النقديّة المتعارف عليها، فيكون بذلك البداية الموفقة لهذا اللون في أدبنا".

نلحظ أن السعافين يحاول تأصيل فن الرواية من خلال الفنون النثرية السابقة من مثل: المقامة، والمقالة، والمقالة القصصية، على الرغم من غياب المصطلح الفني لتلك الفنون، حيث توافرت فيها بعض الشروط وخلت من شروط أخرى.

أما المبحث الثاني الذي خصصه لبحث علاقة الرواية بالفنون النثرية السابقة فكان بعنوان "الرواية بين المقالة والقصة"، فيقول: "وتبعاً لهذه الحقيقة فقد تُقتصر الرواية إلى حدّ غير مألوف حتى تقترب في حجمها من القصة القصيرة، وقد تنعدم حيوية شخصياتها، وتتسطح أحداثها وتنحل وتفقد حركتها، حتى تغدو مجرد أفكار مرتبة ترتيباً منطقياً يطغى عليها طابع المقالة".

فهو يشير إلى العلاقة التي تجمع بين الرواية والمقالة، من حيث الهدف التعليمي والإرشادي المباشر الذي يذهب إليه الكاتب، فيقول "فإن الروائيين قد لجأوا في تحقيق غايتهم إلى التعبير المباشر، الذي يصل إلى أذهان القرّاء بوضوح كبير، ولمّا كانت المقالة هي الشكل الأدبي المناسب لهذه الغاية، فإن ثمة صلة قوية ستظهر بين الرواية في أواخر القرن التاسع عشر وبين المقالة، وتنطبق هذه الصلة على المقامة أيضاً، كما لاحظنا في (الساق على الساق)".

يقرر السعافين إن الهدف من المقالة والرواية عند الكتّاب هدفٌ مشتركٌ يجمع بين الفنين، هدف الإصلاح والتوجيه والإرشاد في ظل ظروف الحضارة العربية التي خالطت الحضارة الغربية، ولا سيّما أن المصطلح النقديّ لتلك الفنون لم يكن على نضجٍ عند الكتّاب، فبدا الاختلاط بينهما واضحاً.

كما يدرس الروايات في تلك الفترة في القرن التاسع عشر من مثل رواية "زنوبيا" لسليم البستاني، ورواية "أنيسة" للنعمان القساطلي، فيجدها تتقاطع مع فنَّي المقامة والمقالة من حيث سرد الأحداث التاريخية، ومعالجة القضايا الاجتماعية في مقالات منفصلة، فيقول: "إن صورة المقالة واضحة جداً في الإنتاج الروائي في هذه الفترة، فمن السهل على كاتب ما، أن يحشر مقالاته المستقلة في إحدى رواياته، دون أن يؤثر ذلك على طبيعة الرواية، وذلك لحقيقة الصلة بين أهداف كل من الرواية والمقالة في الفترة المشار إليها".

ومن جانبٍ آخر يذهب لتوضيح العلاقة بين الرواية والقصة، حيث يقول: "وبوسعنا أن نلاحظ صلة واضحة بين الرواية والقصة في هذه الفترة، فقد درج كتّاب القصة على كتابتها بشروط الرواية، واحتفظت لنفسها من خصائص القصة بخاصية شكليّة تتمثل في قصرها النسبي، حتى بدت أشبه ما تكون برواية ملخصة".

وبناءً عليه يمكن القول إن السعافين يشير إلى فنون نثرية مجاورة للفن الروائي، فكانت ممهّدة للنص الروائي بالمعنى الفضفاض، فحاول الوقوف على نشأة الرواية الغربية وعلاقتها بالأشكال القصصية الموروثة من مثل: الملحمة والرومانس والفنون الشعبية السردية وغيرها، مثلما وقف على نشأة الرواية العربية وتطورها، وعلاقتها بالأشكال السردية العربية القديمة.

بيد أن السؤال الرئيس عند السعافين بخصوص الفن الروائي يكمن في الشكل وعلاقته بالفنون النثرية السابقة في ظل الظروف الحضارية المحيطة؛ وربما يعود السبب في ذلك إلى وقوفه الحقيقي لتأصيل هذا الفن بين الفنون النثرية الأخرى.

ويشير السعافين إلى قضية مهمة في حديثه عن التأصيل الحقيقي للفن الروائي، فينتقد تلك الدراسات التي تقطع العلاقة بين الفن الروائي بالتراث وتربطه أساساً بالمرجعية الأوروبية، فيقول: "فكيف يجوز لنا أن نتحدث عن شكل غربي وأمامنا تراث قصصي قديم له صوره المتعددة؟ وإذا كانت ظروف النهضة الأوروبية قد عجلت بالشكل الحديث لظروف موضوعية معروفة، فإن ظروفاً أخرى، وإن لم تكن مماثلة تماماً، قد مهّدت لظهور أشكال سردية في التراث العربي من مثل: قصص الحيلة والمقامات والشطّار والصعاليك....".

فالسعافين يحاول إقرار أن الفن الروائي ليس فناً تحدّر من الغرب ونشأ في ظروف حضارية غربية، ولهذا يؤكد أن "لهذه الكتابات أثراً مباشراً في نشوء فن الرواية في العصر الحديث، فإنها لم تكن يوماً غائبة عن كتّاب الرواية بل كانت وما تزال جزءاً من تكوينهم الثقافي".

فكأنه يقرّر ان التراث بأشكاله المتعددة حصيلة ثقافية اكتسبها المبدع والقارئ على مرّ العصور، ولا بدّ أن يكون إبداعه الحديث منحدراً من تلك الحصيلة سواء أكان على وعي بها أم لم يكن، فهي جزءٌ أساسي في تكوينه الثقافي.

وتَظهر الموضوعية والقراءة الواعية لدى السعافين في تأصيله للفن الروائي، بأنه لم يتحيّز إلى التراث وإحيائه أو التعصب له بأيّ شكلٍ من الأشكال، وإنما نراه يدعو إلى التنقيب وقراءة التراث قراءة واعية فاحصة.

ومن القضايا التي أشار إليها من خلال تأصيله، قضيّة الحريّة التي يمتلكها المبدع تجاه تجربته الروائية الحديثة، فيقول: "فللمبدع حقه في أن يعيش حياته ويتفاعل مع واقعه ويشهد على عصره، ومع حريته الكاملة في أن يعيد تشكيل التراث أو يجرب من خلال تقنيات حديثة مناسبة أو يمزج بينهما، أو يبتدع شكلاً جديداً لا يفيد من هذا وذاك..."، ولذلك فهو يربط بين الحرية والإبداع؛ ليؤكد أن التأصيل الحقيقي لا يتأتى بعيداً عن الحرية والإبداع الذي يمتلكه المبدع.

إن العلاقة بين التأصيل والحرية علاقة قوية يحدّدها المبدع نفسه، فنجد السعافين يقرر للمبدع الحرية الكاملة في التصرف اتجاه هذه الأشكال التراثية، إلّا أن عليه أن يربط ذلك بالإبداع الذي يمتلكه والموقف الحضاري، وفي التحصيل لا بدّ أن يقف على مصافّ التأصيل تبعاً لما يمتلكه من أدوات وخبرة.

كما تعدّ قضية المثاقفة في رأي السعافين من أبرز التحولات التي شهدتها الرواية العربية في مجال تأصيلها، "وإذا كان لعبة التوازن بين المثاقفة والواقع أساسية في حياة الرواية يجب المحافظة عليها، فإنّ الإخلال بقواعد هذه اللعبة الأساسية سيكشف الخلل الذي يصيب الرواية العربية في مقتل حين تنساق وراء لعبة الشكل دون أن يكون لهذه اللعبة مساس بالعناصر الأساسيّة المشكّلة لهوية الجنس الأدبي: الذات في تفاعلها مع الواقع والحياة والمجتمع واللغة".

ومن القضايا التي عالجها السعافين في تأصيله قضية الأصالة والمعاصرة، ويبدو مفهوم الأصالة لديه مرتبطاً بمفهوم المعاصرة، " إذ إن الرواية العربية لا تبحث عن صيغة معينة متشكلة في الماضي لتعود إليها، وإنما تحاول أن تحقق ذاتها فيعمل بتعدد المبدعين، وبيئاتهم، وتياراتهم الفنية والفكرية، وبتعدد مراجعهم بامتدادها في التراث القديم وفي صورها الحديثة...".

فهو يؤكد أن الفن الروائي فنٌ متطورٌ يواكب معالم الحضارة، فعودته إلى التراث تدلّ على أصالته حاملة الهوية العربية، لكن ينبغي ألّا تقتصر على ذلك وحده، أو تعدّه الشكل الوحيد للرواية، وإنما عليها أن تتطلع إلى آفاق أخرى تحمل في طياتها مفهوم المعاصرة إلى جانب ما تحمله من أصالة تراثية.

لقد حاول السعافين برؤيته النقديّة الموضوعية أن يتتبع الأصول والمرجعيّة التي تعود إليها الرواية في تشكيلها المستمر، ويثبت لنا أن الفن الروائي انحدر من نصوص تراثية عريقة وفنون نثرية سابقة النشأة، فتعدّ تلك النصوص المهادّ الحقيقي لنشأة الرواية العربية بالمفهوم الفضاض، إلاّ أن تلك الأصول والمرجعيات التي تنحدر منها الرواية لا تعدّ التشكيل النهائي لها، وإنما تنفتح على محاولات وتقنيات أخرى يحددّها المبدع والمرحلة الحضارية؛ لما تنماز بها من معالم وخصوصية تجعلها تخوض ما تشاء من تجارب.